قيمة أيّ يوم يدفع؟

قيمة أيّ يوم يدفع؟
قال الشيخ:
المشهور أنّ العبرة في قيمة المثل المتعذّر بقيمته يوم الدفع… ويحتمل اعتبار وقت تعذّر المثل وهو للحلّي… .
أقول:
إذا تعذّر المثل بقول مطلق كما هو المختار أو بالفعل كما عليه الشّيخ، ووجب دفع القيمة، فهل الواجب دفع قيمة المثل المتعذّر أو العين التّالفة؟
الظّاهر هو الثاني، لأنّه المضمون، فعليه دفع بدله وهو القيمة، وسيأتي توضيحه.
وقيمة أي يوم؟ يوم يدفع؟ يوم التعذّر أو يوم المطالبة أو يوم الأداء أو يوم التلف؟
أمّا يوم الأداء والدفع، فقد ذكر الشيخ دليله بقوله:
لأن المثل ثابت في الذمّة إلى ذلك الزمان ولا دليل على سقوطه بتعذّره… .
أمّا الأوّل، فقد ذكر الشيخ دليله. بقوله:
لأنّه وقت الإنتقال إلى القيمة.
ثم أشكل عليه فقال:
ويضعّفه أنه إنْ اُريد بالانتقال انقلاب ما في الذمّة إلى القيمة في ذلك الوقت، فلا دليل عليه. وإنْ اُريد عدم وجوب إسقاط ما في الذمّة إلاّ بالقيمة، فوجوب الإسقاط بها وإنْ حدث يوم التعذّر مع المطالبة، إلاّ أنه لو أخّر الإسقاط بقي المثل في الذمّة إلى تحقق الإسقاط، وإسقاطه في كلّ زمان بأداء قيمته في ذلك الزمان، وليس في الزمان الثاني مكلّفاً بما صدق عليه الإسقاط في الزمان الأوّل.
هذا بناءً على أن عليه قيمة المثل المتعذّر.
وأمّا بناءً على التحقيق من أنّ عليه دفع قيمة العين التّالفه، لا المثل المتعذّر، إذ الخسارة إنّما وردت على العين، وقد وجب عليه دفع المثل بمناسبة أن دفعه بمنزلة إرجاع العين، فهو في الحقيقة ضامن للعين المقبوضة فكان المثل يتدارك به العين التالفة، وإذا تعذّر فضمانه بالنّسبة إلى العين باق، فالواجب عليه دفع القيمة ـ أي الدينار والدّرهم ـ بدلاً عن ماليّة العين التالفة ـ بقيمة يوم التعذّر… .
وهذا بيان مطلب الشيخ، وإنْ كانت عبارته مشتبهةً، إذ قال:
ولكنْ لو استندنا في لزوم القيمة في المسألة إلى ما تقدّم سابقاً من الآية ومن أن المتبادر من إطلاقات الضمان هو: وجوب الرّجوع إلى أقرب الأموال إلى التالف بعد تعذّر المثل، توجّه القول بصيرورة التالف قيميّاً بمجرّد تعذّر المثل، إذ لا فرق… ما نحن فيه.
وقال المحقق الخراساني معلّقاً على قول الشيخ: لأنّ المثليّ ثابت في الذمّة: هذا على المشهور من اشتغال الذمّة بالمثل. وأمّا على ما هو ظاهر الأدلّة، فلأنّ العين باقية على العهدة إلى ذاك الزمان، فيكون العبرة بقيمة يوم الدفع لأنها قيمة العين لا المثل(1).
وتقريبه هو: إنّ العين الخارجية كانت مركّبة من الماهية والوجود، فلمّا تلفت انعدم وجودها، لكنّ ماهيّتها وهي عبارة عن الكلّي الطّبيعي موجودة اعتباراً في ذمّة الضّامن، وحينئذ يكون مكلّفاً بإيجاد المصداق للكلّي وهو المثل، لكون التالف مثليّاً، ودفعه إلى المالك حتى يخرج عن العهدة، وهذا اللّحاظ نقول بأنْ المثلي يضمن بمثله، لكنّ المثل متعذّر والأمر الاعتباري المذكور لا يزال موجوداً، فلا وجه للقول بتبدّله إلى القيمة بسبب تعذّر المثل، بل إنّه إذا أراد تفريغ ذمّته وجب عليه دفع قيمة يوم الأداء.
وتلخّص إلى هنا:
أنّ في المسألة قولين:
أحدهما: قيمة يوم تعذّر المثل، وهو الذي حكاه الشيخ عن جماعة.
والثاني: قيمة يوم الأداء، وهو الذي نسبه إلى المشهور.
وهنا قول ثالث ـ وهو مقتضى التحقيق ـ وهو: إنّ بقاء الشّيء اعتباراً في الذمّة على الوجه المذكور أمرٌ لا يقبل الإنكار، ولكنْ هل هذا هو المستفاد من أدلّة الضمان؟ إنّ مدلول تلك الأدلّة ـ كما تقدّم مراراً ـ هو كفالة من تلفت العين بيده وكونها في عهدته، وأنّ عليه تفريغ ذمّته بأدائها إلى مالكها، فإنْ كان لها مماثلٌ حصل التدارك بدفعه، ومع تعذّره يتدارك التالف بماليّته وهي عبارة عن الدرهم والدينار المعبّر عنها بالقيمة، فالواجب دفع قيمة التالف يوم تلفه.
وهذا ما يفهمه العرف من أدلّة الضمان.
قال الشيخ:
ثم إنّ في المسألة احتمالات اُخر… وحاصل جميع الاحتمالات… .
أقول:
وملخّص الكلام أنه يحتمل أن يكون الواجب دفع قيمة:
1 ـ يوم قبض المبيع، لكونه مبدء الضمان وضع اليد على الشيء.
2 ـ يوم التلف، لأنه ما دامت العين موجودة فالواجب إرجاع نفسها، ولمّا تلفت ومثلها متعذّر، وجب دفع قيمتها يوم تلفها.
3 ـ يوم التعذّر.
4 ـ يوم المطالبة.
5 ـ يوم الأداء.
6 ـ إن الواجب دفع أعلى القيم من حين القبض إلى يوم الأداء.
7 ـ من حين القبض إلى يوم المطالبة.
8 ـ من حين القبض إلى يوم التعذّر.
9 ـ من حين القبض إلى يوم التلف.
وقيمة المثل:
هو أعلى القيم من حين تعذّره إلى يوم المطالبة، أو إلى يوم التعذّر، أو من حين تعذّره إلى يوم التلف أو إلى يوم الأداء؟
وهي احتمالات كثيرة، إلاّ أنه لا حاجة إلى البحث عنها، بعد أنّ ذكرنا المهمّ منها والمختار من بينها، وملخّص ذلك:
إن المثل إذا تعذر ينتقل إلى القيمة، إما قيمة المثل نفسه أو قيمة التالف، فمقتضى الاعتبار العقلي وجوب دفع قيمة المثل وإنْ كان بينها وبين قيمة التالف فرق، وذلك، لأن التالف هو الوجود الخارجي للشيء وماهيّته موجودة اعتباراً في الذمّة، فيجب عليه الوجود الآخر المماثل للوجود الأوّل الذي تلف، وإذا تعذّر الوجود الثانوي وجب عليه دفع قيمته.
ولكنْ هذا الاعتبار العقلي تام ثبوتاً، أمّا إثباتاً، فإنّ تنزيل أدلّة الضمان على هذه الدقّة العقليّة، غير ممكن، بل ظاهرها أنّ المثل إنّما وجب ليتدارك به الخسارة الواردة بتلف العين، فإذا تعذّر ووجب الإنتقال إلى القيمة، فإن الواجب دفعه هو قيمة التالف.
وبعد هذا، فما هو المراد من التعذّر أو الفقد أو الإعواز كما في عباراتهم؟

(1) حاشية المكاسب: 37.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *