تحقيق المقام

تحقيق المقام
وبعدُ، فإنّ واقع المطلب هو:
إنّ مسألة أن الأحكام الظّاهرية هل هي أحكام واقعيّة ثانوية لها السببيّة في حدوث المصلحة، أو أنها طرقٌ منجّزة للواقع عند الإصابة ومعذّرة للمكلف عند المخالفة؟ إنما تطرح فيما إذا كان هناك رواية، أمّا مع وجود العلم فهو حجّةٌ غير جعليّة، وكذلك الكلام في ظواهر الكتاب والأخبار، فإنّ حجيّتها ليست مجعولةً من قبل الشارع، وليس له في موردها حكم مماثل، بل هي حجةٌ عقلائيّة أمضاها الشارع، وإنما يختصُّ القول بجعل الحكم المماثل بالأمارة، فلا مجال للبحث عن السببيّة في العلم والظواهر، وإنّما يطرح في مورد يكون للشارع فيه حكم.
فهذه نقطة.
ونقطة اخرى: ما ذكرناه من أنّ الأحكام الظاهرية منشأة للطّريقيّة أو للتنجيز والإعذار، كلّ ذلك صحيح في عالم الثبوت والتصوّر، فقوله: «صدّق العادل» جعلٌ للطّريقية أو الحجيّة أو المنجزية والمعذّرية لقوله، أمّا في عالم الإثبات، فلا دليل عليه أصلاً، وغاية ذلك هو الإستظهار، ولذا قلنا في الاصول: إنّ الأحكام الشرعية الواقعيّة في عصر الغيبة منجّزة، إلاّ أن للجاهل أحكاماً يجوز له العمل فيها من أجل مصلحة قائمة بذلك، فإنّها وإنْ لم تكن بدلاً عن الواقع ـ إذ القول بذلك يستلزم التصويب ـ أحكامٌ حقيقيّة متعلّقة بالجاهل بما هو جاهل، فإذا ظهر الإمام عليه السلام ارتفع الجهل، ولم يبق موضوع لتلك الأحكام، وأمّا أنّ تلك الأعمال التي أتى بها الجاهل في ظرف الجهل يتدارك بها الواقع أوْ لا؟ فذاك أمر آخر، ولا يبعد أنْ تكون واجدةً لبعض ملاك الواقع، ويتساهل معه بالنسبة إلى البعض الآخر بقاعدة التسهيل، كما ذكرنا ذلك في الاصول وفي بعض المباحث الفقهية كأحكام الخلل.
والحاصل: إنّ الأحكام الظاهرية هي أحكام حقيقيّة للجاهل منبعثة من الملاك بنحو الترتب.
والنقطة الثالثة: إنه وإنْ حاولنا توجيه كلام شيخنا الاستاذ، ولكن الإنصاف أنه لا يمكن المساعدة معه، وذلك: لأن اختلاف المتعاقدين إن كان من جهة أنّ أحدهما يرى آية الوفاء ظاهرةً في العموم وآية الحلّ ظاهرةً في الإطلاق، والآخر لا يرى ذلك، فالمعاملة باطلة، لعدم الدليل على الصحّة، وإنْ كان من جهة أن أحدهما يعتقد الأمارية في مورد أو الكاشفية للإجماع مثلاً، والآخر لا يعتقد بذلك، ففي هذه الصورة أيضاً تبطل المعاملة، إذنْ، لا مجال في موارد اختلاف المتعاقدين للبحث عن السببيّة والموضوعيّة وأنّ الأحكام الظاهرية حقيقيّة أو عذرية، لأنّ منشأ الاختلاف أحد الأمرين المذكورين على ما ذكرنا.
فنتيجة البحث:
إن كان أحدهما يعتقد لغويّة إنشاء الآخر، فلا موضوع لإنشائه، وإنْ كان لا يعتقد اللغويّة، فأنشأ القبول مثلاً، جاز للموجب التصرّف دون القابل.
قال الشيخ:
هذا كلّه إذا كان بطلان العقد عند كلٍّ من المتخالفين مستنداً إلى فعل الآخر، كالصّراحة والعربيّة والماضويّة والترتيب. وأمّا الموالاة والتنجيز وبقاء المتعاقدين على صفات صحّة الإنشاء إلى آخر العقد، فالظاهر أنّ اختلافها يوجب فساد المجموع… .
والحاصل: إنّ الشرائط منها ما يتعلّق بكلٍّ من المتعاقدين، ومنها ما يتعلّق بكليهما، والتفصيل المذكور يرتبط بالقسم الأوّل، أمّا إذا كان اختلافهما في شيء من القسم الثاني فالعقد فاسد، فلو قال الموجب بصحّة الإيجاب التعليقي والمشتري ببطلانه، لم يكن القبول منه متمشيّاً، ولو أنّ الموجب يرى اعتبار الموالاة والقابل لا يراه، ولذا أخّر القبول مدّةً، لم يجز للموجب ترتيب الأثر على مثل هذا القبول ويتصرف في الثمن، لكون الإيجاب منه باطلاً في نظره على أثر الفصل الحاصل بينه وبين القبول.
أقول:
لكنّ تخصيص البطلان بالقسم الثاني بلا وجه، فإنه بناءً على الموضوعيّة والسببيّة، لو كان الموجب يرى صحّة الإيجاب بالكناية فأنشأ والقابل لا يرى صحته، فإنّه لا يتمشى منه القبول، والعقد باطل، وكذا لو كان القابل يرى صحّة القبول المقدّم فأنشأ قبوله، فلو كان البائع لا يرى ذلك لا يتمشّى منه الإيجاب، فما ذكره في القسم الثاني جار في الأول كذلك[1].
[1] أقول:
إنّ محصّل كلام الشيخ هو: إنّ اختلاف المتعاملين إجتهاداً أو تقليداً موجبٌ لبطلان العقد على مبنى الطريقيّة، وعليها حينئذ العمل بما يتّفقان عليه في الرأي. وأمّا على مبنى السببيّة، فالتفصيل بين الشروط التي لا توجب فساد المجموع كالعربيّة مثلاً والشروط التي توجب فساد المجموع كالموالاة مثلاً.
فأشكل عليه السيّد الجدّ بعدم الفرق بين القسمين من الشروط بناءً على السببيّة، وأنّ العقد باطل على كلّ حال.
وتعرّض طاب ثراه لإشكال المحقّق الخراساني واستوجهه، ثم أشكل عليه بكلام شيخه المحقق الإصفهاني، لكنه لم يوافق شيخه على رأيه في المسألة.
والسيّد الخوئي، أورد على الشيخ بوجوه ثالثها ما ذكره المحقق الخراساني، أمّا الأوّل فهو:
«إنّه لا وجه لجعل الترتيب مثل الماضوية والعربية والصراحة، بل هو مثل الموالاة والتنجيز، بداهة أنّ التقدم والتأخر من الامور المتضائفة، فإذا تقدّم القبول على الإيجاب فقد تأخر الإيجاب عن القبول» وأمّا الثاني فهو: «إنّ الأحكام الظاهرية الاجتهاديّة ليست بمنزلة الأحكام الواقعية الاضطرارية، وإلاّ لزم التّصويب وهذا ظاهر»(1).
لكنّ الجواب عن الإشكال الأوّل ـ وهو في حاشية السيّد وغيره(2) أيضاً هو ـ كما أفاد المحقق الإصفهاني ـ أنه لا يعتبر عند الشيخ تقدّم الإيجاب وتأخّر القبول بما هما تقدّم وتأخّر، بل إنْ تقدّم القبول إنما يضرّ عنده من حيث عدم تضمّنه للنقل في الحال، وهذه الخصوصية لا تسري في الإيجاب المتأخّر، فإنّه متضمّن للنقل في الحال، تقدّم أو تأخّر(3).
وعن الثّاني: بأنّه ـ كما أفاد شيخنا دام بقاه ـ لم يختر هنا شيئاً، وإنما أحال إلى ما قرّره في علم الاصول، فالإشكال عليه بما ذكر في غير محلّه.
وهكذا تندفع الإشكالات عن كلام الشيخ. وأمّا رأي السيّد الجدّ فيه وفي أصل المسألة، فقد عرفته على ضوء النقاط الثلاثة التي ذكرها.

(1) مصباح الفقاهة 3 / 81 .
(2) حاشية المكاسب للسيد اليزدي 1 / 449، حاشية المكاسب للإيرواني: 92.
(3) حاشية المكاسب 1 / 297.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *