التفصيل بين ألفاظ القبول

التفصيل بين ألفاظ القبول
قال الشيخ:
والتحقيق: أنّ القبول: إمّا أن يكون بلفظ قبلت ورضيت، وإمّا أن يكون بطريق الأمر والاستيجاب، نحو: بعني، فيقول المخاطب: بعتك، وإمّا أن يكون بلفظ اشتريت وملكت ـ مخفّفاً ـ وابتعت.
فإنْ كان بلفظ قبلت، فالظاهر عدم جواز تقديمه.
أقول:
ليس منعه من تقديم «قبلت» ونحوه من جهة كونه مطاوعةً، بل إنّه يصرّح بذلك في أواخر كلامه إذ يقول: «المسلَّم من الإجماع هو اعتبار القبول من المشتري بالمعنى الشامل للرضا بالإيجاب، وأمّا وجوب تحقّق مفهوم القبول المتضمّن للمطاوعة وقبول الأثر، فلا».
وإنما قلنا ذلك: لأن المحقق الخراساني أشكل على الشيخ]1[ بأنّ القبول إنْ كان مطاوعة للإيجاب، فلا فرق بين أنْ يكون بلفظ «قبلت» أو «اشتريت»، وإلاّ فلا فرق كذلك.
]1[ في تعليقة مطوَّلة(1) لخّصها تلميذه المحقق الإصفهاني حيث قال: «فهم شيخنا الاستاذ من عبارته هذه أنّ قبلت ورضيت مشتمل على المطاوعة دون اشتريت ونحوه، فإنّه لمجرّد انشاء ملكيّة مال البائع بعوض ماله، وحقيقة المطاوعة تستدعي التأخّر عقلاً.
فأورد عليه: أن القبول المتقوّم به العقد إنْ وجب تضمّنه للمطاوعة مفهوماً، كما في قبلت، أو مصداقاً بأنْ يقع موقع المطاوعة، فالتقديم محال، إذ لا فرق في استحالة تقدّم المطاوعة بين أن يكون مدلولاً مطابقياً للّفظ أو مدلولاً التزاميّاً، فإنّ اللاّزم المحال يمنع عن تقديم ما لابدّ من ملازمته له. وإنْ لم يجب تضمّنه للمطاوعة بل كفى مجرّد الرّضا بالإيجاب، فلا فرق في جواز التقديم باعترافه بين قبلت وغيره.
مضافاً: إلى أن المطاوعة المأخوذة في قبلت ونحوه مطاوعة إنشائيّة لا حقيقيّة حتى يستحيل تقدّم قبلت على الإيجاب.
قال المحقق الإصفهاني ما ملخصه: لكنّ ظاهر كلامه أنّ المطاوعة غير معتبرة في قبول البيع لا حقيقةً ولا إنشاءً، وسيصرّح به فيما بعد، بل غرضه أنّ المشتري ناقل لماله كالبائع، فلابدّ من تضمّن القبول لأمرين: أحدهما: الرضا بالايجاب، وثانيهما: نقل ماله بالالتزام في الحال، فقوله: اشتريت يتضمّن الأمرين، وأمّا قبلت ففيه الرضا بالإيجاب وليس فيه النقل(2).
أقول: فهذا تفسير المحقق الخراساني لكلام الشّيخ وإشكاله عليه، ثم نقد الإشكال وبيان ملخّص مرام الشيخ، وسيوضّحه السيد الجدّ قدّس سرّه ويستشكل عليه.

ويردّه:
إنّه لا نظر للشّيخ إلى هذه الجهة أصلاً حتى يورد عليه بما ذكر.
وسنتعرّض لكلام الميرزا الاستاذ أيضاً.
وتوضيح كلام الشيخ في المقام:
إنه يستدلّ أوّلاً بعدم الخلاف على عدم جواز التقديم بلفظ «قبلت» قال:
المحكي عن الميسية والمسالك ومجمع الفائدة أنه لا خلاف في عدم جواز تقديم لفظ «قبلت». وهو المحكيّ عن نهاية الأحكام وكشف اللثام في باب النكاح، وقد اعترف به غير واحد من متأخّري المتأخرين أيضاً. بل المحكي هناك عن ظاهر التذكرة الإجماع عليه.
وظاهره الاعتماد على هذا الإجماع.
واستدلّ ثانياً بأنّه «خلاف المتعارف من العقد».
وهذا ـ بظاهره ـ ينافي ما تقدّم منه من القول بعموم آية الوفاء وإطلاق آية الحلّ وغير ذلك.
ويمكن توجيهه: بأنّ المتعارف عند العقلاء تقديم الإيجاب على القبول، وتقديم القبول على خلاف ديدنهم، وكلّما يرد من الشارع ـ إمضاءً أو تأسيساً ـ فهو على طبق الموازين العقلائية، خاصّةً أن المورد من الإمضاء.
وبعبارة اخرى: إذا كانت السيرة العقلائية قائمة على تقديم الإيجاب، وأنّ تقديم القبول على خلاف سيرتهم، فقد تحقّق المخصّص والمقيّد اللبّي للآيتين.
فهذا توجيه كلامه هنا.
واستدلّ ثالثاً: إنّ القبول الذي هو أحد ركني عقد المعاوضة فرع الإيجاب، فلا يعقل تقدّمه عليه.
وليس المراد… .
بل المراد منه الرضا بالإيجاب على وجه يتضمّن إنشاء نقل ماله في الحال إلى الموجب على وجه العوضية.
يعني: إنّ الدلالة الالتزاميّة على طبق اللاّزم والملزوم، ونقل المشتري ماله إلى البائع بدلالة رضاه بإيجاب البائع دلالةً التزامية، إذن، يلزم رضاه بما فعله البائع، ولازم هذا الرضا هو انتقال ماله إليه، وإذا لم يكنْ إيجابٌ من قبل فلا ملزوم، فلا دلالة التزاميّة، فلا نقل في الحال على وجه العوضيّة.
هذا شرح كلامه وبيان مرامه.
ولكنْ ما الدليل على كون الرضا بالنقل «في الحال»؟
وحقيقة الأمر: أن البائع ملّك ماله للمشتري وتملّك مال المشتري إنشاءً، فإذا رضي المشتري، يكون ما فعله البائع فعليّاً، فالفعليّة تحصل بتماميّة السّبب.
وعليه، فإنّ فعليّة البيع وترتب الأثر يدور مدار تماميّة السّبب، وهو مركّب من إيجاب البائع المفيد لنقل ملكه إلى المشتري وإدخال مال المشتري إلى ملكه، ورضا المشتري بما فعله البائع، من غير فرق بين تقدّم الإيجاب على القبول وتقدّم القبول على الإيجاب، لأنه إن كان القبول متأخّراً فلا كلام، وإن كان متقدّماً فهو ينشأ رضاه بمضمون الإيجاب المتأخّر من البائع، فإذا جاء الإيجاب تمّ السبب المؤثّر، فما ذكره الشيخ مردود.
وأمّا ما ذكره من الفرعيّة، فعجيب منه جدّاً، نعم، الرّضا بشيء فرع له وكلّ مضاف تابع للمضاف إليه، ولكنّ هذا التقدم والتأخر طبعي وهو أجنبي عن التقدّم والتأخّر الزّماني، ولا مانع من أن يكون المتأخّر الطّبعي متقدّماً زماناً، وإنْ كان تقدّمه بملاك الطّبعيّة ـ بأن يتقدّم المتأخر الطبعي على المتقدّم الطبعي وبالعكس ـ غير معقول.
فظهر ما في كلام الشّيخ كذلك.
قال الشيخ:
ومن هنا يتّضح فساد ما حكي عن بعض المحقّقين في ردّ الدليل المذكور وهو كون القبول فرع الإيجاب وتابعاً له… .
والإنصاف أن ما ذكره بعض المحقّقين(3) من أنه ليس تبعيّة القبول للإيجاب تبعيّة المعطوف للمعطوف عليه، وتبعيّة قصد المقدمة لقصد ذي المقدّمة، متينٌ، فإنّها تبعيّةٌ طبعيّة كما عرفت.
أمّا قوله:
وإنّما هو على سبيل الفرض والتنزيل… .
فغير صحيح، فإنّ القابل لا يجعل نفسه متناولاً، بل الموجب جعل القابل كذلك.
وتلخّص:
إنا لا نوافق على قول الشيخ باعتبار النقل في الحال وامتناع التقدّم من جهة الفرعيّة، ولا على قول بعض المحققين من أنّ التبعيّة هي على سبيل الفرض والتنزيل.

(1) حاشية المكاسب: 27 ـ 28.
(2) حاشية المكاسب 1 / 276.
(3) كتاب المكاسب 3 / 144.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *