كلام ابن تيمية

الشرح:
قال ابن تيمية: والجواب من وجوه:
أحدها: إن هذا أعظم كذباً وفريةً من الأول كما سنبيّنه إن شاء اللّه تعالى.
وقوله: اتّفقوا على نزولها في علي. أعظم كذباً مما قاله في تلك الآية، فلم يقل لا هذا ولا ذاك أحد من العلماء الذين يدرون ما يقولون.
وأمّا ما يرويه أبو نُعيم في «الحلية» أو في «فضائل الخلفاء» والنقَّاش والثعلبي والواحدي ونحوهم في التفسير، فقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن فيما يروونه كثيراً من الكذب الموضوع، واتفقوا على أن هذا الحديث المذكور الذي رواه الثعلبي في تفسيره هو من الموضوع، وسنبيّن أدلّة يُعرف بها أنه موضوع، وليس ]الثعلبي[ من أهل العلم بالحديث.
ولكن المقصود هنا أنَّا نذكر قاعدة فنقول: المنقولات فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز بين هذا وهذا إلى أهل علم الحديث، كما نرجع إلى النحاة في الفرق بين نحو العرب ونحو غير العرب، ونرجع إلى علماء اللغة فيما هو من اللغة وما ليس من اللغة، وكذلك علماء الشعر والطب وغير ذلك، فلكلّ علم رجال يُعرفون به... .
والرافضة أقلّ معرفة وعناية بهذا، إذ كانوا لا ينظرون في الإسناد ولا في سائر الأدلة الشرعية والعقلية: هل توافق ذلك أو تخالفه؟ ولهذا لا يوجد لهم أسانيد متصلة صحيحة قط، بل كل إسناد متصل لهم، فلابد أن يكون فيه من هو معروف بالكذب أو كثرة الغلط.
وهم في ذلك شبيه باليهود والنصارى، فإنه ليس لهم إسناد. والإسناد من خصائص هذه الأمة، وهو من خصائص الإسلام، ثم هو في الإسلام من خصائص أهل السنة. والرافضة من أقل الناس عناية إذ كانوا لا يصدّقون إلاّ بما يوافق أهواهم، وعلامة كذبه أنه يخالف هواهم. ولهذا قال عبدالرحمن بن مهدي: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم.
ثم إن أوّلهم كانوا كثيري الكذب، فانتقلت أحاديثهم إلى قوم لا يعرفون الصحيح من السقيم، فلم يمكنهم التمييز إلا بالتصديق الجميع أو تكذيب الجميع، والاستدلال على ذلك بدليل مفصل غير الإسناد.
فيقال: ما يرويه مثل أبي نُعيم والثعلبي والنقّاش وغيرهم: أتقبلونه مطلقاً؟ أم تردّونه مطلقاً؟ أم تقبلونه إذا كان لكم ]لا عليكم[، وتردّونه إذا كان عليكم؟ فإن تقبلوه مطلقاً، ففي ذلك أحاديث كثيرة في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان تناقض قولكم. وقد روى أبو نُعيم في أول «الحلية» في فضائل الصحابة، وفي كتاب مناقب أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ أحاديث بعضها صحيحة وبعضها ضعيفة، بل منكرة. وكان رجلاً عالماً بالحديث فيما ينقله، لكن هو وأمثاله يروون ما في الباب، لا يُعرف أنه روى كالمفسِّر الذي ينقل أقوال الناس في التفسير، والفقيه الذي يذكر الأقوال في الفقه، والمصنِّف الذي يذكر حجج الناس، ليذكر ما ذكروه، وإن كان كثير من ذلك لا يعتقد صحته، بل يعتقد ضعفه، لأنه يقول: أنا نقلت ما ذكر غيري، فالعُهدة على القائل لا على الناقل.
وهكذا كثير ممن صنَّف في فضائل العبادات، وفضائل الأوقات، وغير ذلك: يذكرون أحاديث كثيرة وهي ضعيفة، بل موضوعة، باتفاق أهل العلم، كما يذكرون ]أحاديث[ في فضل صوم رجل كلها ضعيفة، بل موضوعة، عند أهل العلم. ويذكرون صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة منه، وألفية نصف شعبان، وكما يذكرون في فضائل عاشوراء ما ورد من التوسعة على العيال، وفضائل المصافحة والحناء والخضاب والاغتسال ونحو ذلك، ويذكرون فيها صلاة.
وكلّ هذا كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لم يصح في عاشوراء إلا فضل صيامه. قال حرب الكرماني: قلت لأحمد بن حنبل: الحديث الذي يُروى: من وسَّع على عياله يوم عاشوراء وسَّع اللّه عليه سائر سنته؟ فقال: لا أصل له.
وقد صنَّف في فضائل الصحابة، عليّ وغيره، غير واحد، مثل خيثمة بن سليمان الأطرابلسي وغيره، وهذا قبل أبي نُعيم، يروي عنه إجازة. وهذا وأمثاله جروا على العادة المعروفة لأمثالهم ممن يصنف في الأبواب، أنه يروي ما سمعه في هذا الباب.
وهكذا المصنّفون في التواريخ، مثل «تاريخ دمشق» لابن عساكر وغيره، إذا ذكر ترجمة واحد من الخلفاء الأربعة، أو غيره، يذكر كلّ ما رواه في ذلك الباب، فيذكر لعليّ ومعاوية من الأحاديث المروية في فضلهما ما يعرف أهل العلم بالحديث أنه كذب، ولكن لعليّ من الفضائل الثابتة في الصحيحين وغيرهما، ومعاوية ليس له بخصوصه فضيلة في الصحيح، لكن قد شهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حُنيناً والطائف وتبوك، وحج معه حجة الوداع، وكان يكتب الوحي، فهو ممن ائتمنه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على كتابة الوحي، كما ائتمن غيره من الصحابة.
فإن كان المخالف يقبل كلّ ما رواه هؤلاء وأمثالهم في كتبهم، فقد رووا أشياء كثيرة تناقض مذهبهم. وإن كان يردّ الجميع، بطل احتجاجه بمجرد عزوه الحديث إليهم. وإن قال: أقبل ما يوافق مذهبي وأردّ ما يخالفه، أمكن منازعه أن يقول له مثل هذا، ]وكلاهما[ باطل، لا يجوز أن يحتج على صحة مذهب بمثل هذا، فإنه يُقال: إن كنت إنما عرفت صحة هذا الحديث بدون المذهب، فاذكر ما يدلّ على صحته، وإن كنت إنما عرفت صحته لأنه يوافق المذهب، امتنع تصحيح الحديث بالمذهب، لأنه يكون حينئذ صحة المذهب موقوفة على صحة الحديث، وصحة الحديث موقوفة على صحة المذهب، فيلزم الدَّوْر الممتنع.
وأيضاً، فالمذهب: إن كنت عرفت صحته بدون هذا الطريق، لم يلزم صحة هذا الطريق، فإن الإنسان قد يكذب على غيره قولاً، وإن كان ذلك القول حقّاً، فكثير من الناس يروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قولاً هو حق في نفسه، لكن لم يقله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلا يلزم من كون الشيء صدقاً في نفسه أن يكون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قاله، وإن كنتَ إنما عرفتَ صحته بهذا الطريق، امتنع أن تعرف صحة الطريق بصحته، لإفضائه إلى الدَّوْر.
فثبت أنه على التقديرين، لا يعلم صحة هذا الحديث لموافقته للمذهب، سواء كان المذهب معلوم الصحة، أو غير معلوم الصحة.
وأيضاً، فكلّ من له أدنى علم وإنصاف يعلم أن المنقولات فيها صدق وكذب، وأن الناس كذبوا في المثالب والمناقب، كما كذبوا في غير ذلك، وكذبوا فيما يوافقه ويخالفه.
ونحن نعلم أنهم كذبوا في كثير مما رووه في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان، كما كذبوا في كثير مما رووه في فضائل عليّ، وليس في أهل الأهواء أكثر كذا من الرافضة، بخلاف غيرهم، فإن الخوارج لا يكادون يكذبون، بل هم من أصدق الناس مع بدعتهم وضلالهم.
وأما أهل العلم والدين، فلا يصدقون بالنقل ويكذبون ]به[ بمجرد موافقة ما يعتقدون، بل قد ينقل الرجل أحاديث كثيرة فيها فضائل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته وأصحابه، فيردّونها لعلمهم بأنها كذب، ويقبلون أحاديث كثيرة لصحتها، وإن كان ظاهرها بخلاف ما يعتقدونه، إما لإعتقادهم أنها منسوخة، أو لها تفسير لا يخالفونه، ونحو ذلك.
فالأصل في النقل أن يُرجع فيه إلى أئمة النقل وعلمائه، ومن يشركهم في علمهم عَلِمَ ما يعلمون، وأن يُستدلّ على الصحة والضعف بدليل منفصل عن الرواية، فلابد من هذا وهذا. وإلا فمجرد قول القائل: «رواه فلان» لا يَحْتَج به: لا أهل السنة ولا الشيعة، وليس في المسلمين من يحتج بكلّ حديث رواه كلّ مصنف، فكلّ حديث يحتج به نطالبه من أول مقام بصحته.
ومجرّد عزوه إلى رواية الثعلبي ونحوه ليس دليلاً على صحته باتفاق أهل العلم بالنقل. ولهذا لم يروه أحد من علماء الحديث في شيء من كتبهم التي ترجع الناس إليها في الحديث، لا ]في[ الصحاح ولا السنن ولا المسانيد ولا غير ذلك، لأن كذب مثل هذا لا يخفى على من له أدنى معرفة بالحديث.
وإنما هذا عند أهل العلم بمنزلة ظن من يظن من العامة ـ وبعض من يدخل في غمار الفقهاء ـ أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان على أحد المذاهب الأربعة، وأن أبا حنيفة ونحوه كانوا من قبل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أو كما يظن طائفة من التركمان أن حمزة له مغاز عظيمة وينقلونها بينهم، والعلماء متفقون على أنه لم يشهد إلا بدراً وأُحداً وقُتل يوم أحد، ومثل ما يظن كثير من الناس أن في مقابل دمشق من أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم أم سلمة وغيرها، ومن أصحابه أُبَيّ بن كعب، وأُويس القرني وغيرهما.
وأهل العلم يعلمون أن أحداً من أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقدم دمشق، ولكن كان في الشام أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصاري، وكان أهل الشام يسمونها أم سلمة، فظن الجهَّال أنها أم سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وأُبي بن كعب مات بالمدينة. وأويس تابعي لم يقدم الشام.
ومثل ما يظن من الجهّال أن قبر عليّ بباطن النجف. وأهل العلم ـ بالكوفة وغيرها ـ يعلمون بطلان هذا، ويعلمون أن عليّاً ومعاوية وعمرو بن العاص كلّ منهم دفن في قصر الإمارة ببلده، خوفاً عليه من الخوارج أن ينبشوه; فإنهم كانوا قد تحالفوا على قتل الثلاثة، فقتلوا عليّاً وجرحوا معاوية.
وكان عمرو بن العاص قد استخلف رجلاً يقال له خارجة، فضربه القاتل يظنّه عَمْراً فقتله، فتبين أنه خارجة، فقال: أردت عمراً وأراد اللّه خارجة، فصار مثلاً.
ومثل هذا كثير مما يظنه كثير من الجهّال. وأهل العلم بالمنقولات يعلمون خلاف ذلك.
الوجه الثاني: أن نقول: في نفس هذا الحديث ما يدلّ على أنه كذب من وجوه كثيرة; فإن فيه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما كان بغدير يدعى خُمّاً نادى الناس فاجتمعوا، فأخذ بِيَدَيْ عليّ وقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، وأن هذا قد شاع وطار بالبلاد، وبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، وأنه أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ناقته وهو في الأبطح، وأتى وهو في ملأ من الصحابة، فذكر أنهم امتثلوا أمره بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم قال: «ألم ترض بهذا حتى رفعت بضَبْعَيْ ابن عمك تفضّله علينا؟ وقلتَ: من كنت مولاه فعليّ مولاه؟ وهذا منك أم من اللّه؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم: هو من أمر اللّه، فولّى الحارث بن النعمان يريد راحلته، وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتى رماه اللّه بحجر، فسقط على هامته، وخرج من دبره فقتله، وأنزل اللّه: (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذاب واقِع * لِلْكافِرينَ) الآية.
فيقال لهؤلاء الكذَّابين: أجمع الناس كلّهم على أن ما قاله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بغدير خُم كان مرجعه من حجة الوداع. والشيعة تسلّم هذا، وتجعل ذلك اليوم عيداً وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة. والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يرجع إلى مكة بعد ذلك، بل رجع من حجة الوداع إلى المدينة، وعاش تمام ذي الحجة والمحرم وصفر، وتوفي في أول ربيع الأول.
وفي هذا الحديث يذكر أنه بعد أن قال هذا بغدير خُم وشاع في البلاد، جاءه الحارث وهو بالأبطح، والأبطح بمكة، فهذا كذب جاهل لم يعلم متى كانت قصة غدير خم.
وأيضاً، فإن هذه السورة ـ سورة سأل سائل ـ مكيّة باتفاق أهل العلم، نزلت بمكة قبل الهجرة، فهذه نزلت قبل غدير خُم بعشر سنين أو أكثر من ذلك، فكيف ]تكون [نزلت بعده؟
وأيضاً، قوله: (وَإِذْ قالُوا اللّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) في سورة الأنفال، وقد نزلت عقيب بدر بالاتفاق قبل غدير خُم بسنين كثيرة، وأهل التفسير متفقون على أنها نزلت بسبب ما قاله المشركون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل الهجرة، كأبي جهل وأمثاله، وأن اللّه ذكّر نبيَّه بما كانوا يقولونه بقوله: (وَإِذْ قالُوا اللّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ) أي اذكر قولهم، كقوله: (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ)، (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ)، ونحو ذلك: يأمره بأن يذكر كلّ ما تقدّم. فدلّ على أن هذا القول كان قبل نزول هذه السورة.
وأيضاً، فإنهم لما استفتحوا بيَّن اللّه أنه لا ينزّل عليهم العذاب ومحمّد صلّى اللّه عليه وسلم فيهم، فقال: (وَإِذْ قالُوا اللّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذاب أَليم)، ثم قال اللّه تعالى: (وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) واتفق الناس على أن أهل مكة لم تنزل عليهم حجارة من السماء لما قالوا ذلك، فلو كان هذا آية لكان من جنس آية أصحاب الفيل، ومثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله.
ولو أن الناقل طائفة من أهل العلم، فلما كان هذا لا يرويه أحد من المصنّفين في العلم، لا المسند، ولا الصحيح، ولا الفضائل، ولا التفسير، ولا السير ونحوها، إلا ما يُروى بمثل هذا الإسناد المنكر، عُلم أنه كذب وباطل.
وأيضاً، فقد ذكر في هذا الحديث أن هذا القائل أُمر بمباني الإسلام الخمس، وعلى هذا، فقد كان مسلماً فإنه قال: فقبلناه منك. ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً من المسلمين على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يصبه هذا.
وأيضاً، فهذا الرجل لا يُعرف في الصحابة، بل هو من جنس الأسماء التي يذكرها الطرقية، من جنس الأحاديث التي في سيرة عنتر ودلهمة.
وقد صنّف الناس كتباً كثيرة في أسماء الصحابة الذين ذُكروا في شيء من الحديث، حتى في الأحاديث الضعيفة، مثل كتاب «الاستيعاب» لابن عبدالبر، وكتاب ابن مندة، وأبي نعيم الأصبهاني، والحافظ أبي موسى، ونحو ذلك. ولم يذكر أحدٌ منهم هذا الرجل، فعُلم أنه ليس له ذكر في شيء من الروايات، فإن هؤلاء لا يذكرون إلا ما رواه أهل العلم، لا يذكرون أحاديث الطرقية، مثل «تنقّلات الأنوار» للبكري الكذَّاب وغيره.
الوجه الثالث: أن يُقال: أنتم ادّعيتم أنكم أثبتم إمامته بالقرآن، والقرآن ليس في ظاهره ما يدلّ على ذلك أصلاً; فإنه قال: (بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ). وهذا اللفظ عام في جميع ما أُنزل إليه من ربّه، لا يدلّ على شيء معيَّن.
فدعوى المدّعي أن إمامة عليّ هي مما بلَّغها، أو مما أُمر بتبليغها، لا تثبت بمجرّد القرآن; فإن القرآن ليس فيه دلالة على شيء معين، فإن ثبت ذلك بالنقل كان ذلك إثباتاً بالخبر لا بقرآن. فمن ادَّعى أن القرآن يدلّ على ]أنّ[ إمامة عليّ مما أُمر بتبليغه، فقد افترى على القرآن، فالقرآن لا يدلّ على ذلك عموماً ولا خصوصاً.
الوجه الرابع: أن يُقال: هذه الآية، مع ما عُلم من أحوال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، تدلّ على نقيض ما ذكروه، وهو أن اللّه لم ينزّلها عليه، ولم يأمره بها، فإنها لو كانت ممّا أمره اللّه بتبليغه، لبلّغه، فإنه لا يعصى اللّه في ذلك.
ولهذا قالت عائشة رضي اللّه عنها: «من زعم أن محمّداً كتم شيئاً من الوحي فقد كذب، واللّه تعالى يقول: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ).
لكن أهل العلم يعلمون بالاضطرار أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يبلِّغ شيئاً من إمامة عليّ، ولهم على هذا طرق كثيرة يثبتون بها هذا العلم.
منها: أن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان له أصل لنُقل، كما نُقل أمثاله من حديثه، لا سيما مع كثرة ما يُنقل في فضائل عليّ، من الكذب الذي لا أصل له، فكيف لا يُنقل الحق ]الصدق[ الذي قد بُلِّغ للناس؟!
ولأن النبي صلّى للّه عليه وسلّم أمر أمته بتبليغ ما سمعوا منه، فلا يجوز عليهم كتمان ما أمرهم اللّه بتبليغه.
ومنها: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما مات، وطلب بعض الأنصار أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، فأُنكِر ذلك عليه، وقالوا: الإمارة لا تكون إلا في قريش، وروى الصحابة في ]مواطن[ متفرقة الأحاديث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أن «الإمامة في قريش»، ولم يرو واحد منهم، لا في ذلك المجلس ولا غيره، ما يدلّ على إمامة عليّ.
وبايع المسلمون أبا بكر، وكان أكثر بني عبد مناف ـ من بني أمية وبني هاشم وغيرهم ـ لهم ميل قوي إلى عليّ بن أبي طالب يختارون ولايته، ولم يذكر أحد منهم هذا النص. وهكذا أُجري الأمر في عهد عمر وعثمان، وفي عهده أيضا لما صارت له ولاية، ولم يذكر هو ولا أحدٌ من أهل بيته ولا من الصحابة المعروفين هذا النص، وإنما ظهر هذا النص بعد ذلك.
وأهل العلم بالحديث والسنّة الذين يتولّون عليّاً ويحبّونه، ويقولون: إن كان الخليفة بعد عثمان، كأحمد بن حنبل وغيره من الأئمة، قد نازعهم في ذلك طوائف من أهل العلم وغيرهم، وقالوا: كان زمانه زمان فتنة واختلاف بين الأمة، لم تتفق الأمة فيه لا عليه ولا على غيره.
وقال طوائف من الناس كالكرَّامية: بل هو كان إماماً ومعاوية إماماً، وجوَّزوا أن يكون للناس إمامان للحاجة. وهكذا قالوا في زمن ابن الزبير ويزيد، حيث لم يجدوا الناس اتفقوا على إمام.
وأحمد بن حنبل، مع أنه أعلم أهل زمانه بالحديث، احتج عَلَى إمامة عليّ بالحديث الذي في السنن: «تكون خلافة النبوّة ثلاثين سنة ثم تصير مُلكاً». وبعض الناس ضعّف هذا الحديث، لكن أحمد وغيره يثبتونه.
فهذا عمدتهم من النصوص على خلافة عليّ، فلو ظفروا بحديث مسند أو مرسل موافق لهذا لفرحوا به.
فعُلم أن ما تدّعيه الرافضة من النصّ، هو مما لم يسمعه أحدٌ من أهل العلم بأقوال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لا قديماً ولا حديثاً.
ولهذا كان أهل العلم بالحديث يعلمون بالضرورة كذب هذا النقل، كما يعلمون كذب غيره من المنقولات المكذوبة.
وقد جرى تحكيم الحكمين، ومعه أكثر الناس، فلم يكن في المسلمين من أصحابه ولا غيرهم من ذكر هذا النص، مع كثرة شيعته، ولا فيهم من احتج به في مثل هذا المقام الذي تتوفر فيه الهمم والدواعي على إظهار مثل هذا النص.
ومعلوم أنه لو كان النصّ معروفاً عند شيعة عليّ ـ فضلاً عن غيرهم ـ لكانت العادة المعروفة تقتضي أن يقول أحدهم: هذا نص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نصّ عليه لم يستحلّ عزله، ولو عزله لكان من أنكر عزله عليه يقول: كيف تعزل من نصّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على خلافته؟
وقد احتجّوا بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «تقتل عمَّاراً الفئة الباغية» وهذا الحديث خبر واحد أو اثنين أو ثلاثة ونحوهم، وليس هذا متواتراً. والنص عند القائلين به متواتر، فيا للّه العجب كيف ساغ عند الناس احتجاج شيعة عليّ بذلك الحديث، ولم يحتج أحد منهم بالنص؟(1)


(1) منهاج السنّة 7 / 33 ـ 51 .

شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة (3) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=29&mid=391&pgid=4972