تفصيل القضية عن تاريخ دمشق

أقول:
قد ذكر ذلك علماء أهل السنة في كتبهم المعتمدة، كابن سعد والطبري وابن عبد البر وابن عساكر وابن الأثير وغيرهم.
وإليك عبارة تاريخ دمشق نقلاً عن المؤرخين ببعض التفاصيل.
«قالوا: ولم يزل سعيد بن العاص في ناحية عثمان بن عفان للقرابة، فلمّا عزل عثمان الوليد بن عقبة بن أبي معيط عن الكوفة، دعا سعيد بن العاص فاستعمله عليها، فلما قدم الكوفة قدمها شاباً مترفاً ليست له سابقة فقال: لا أصعد المنبر حتى يطهّر، فأمر به فغسل، ثم صعد المنبر فخطب أهل الكوفة وتكلّم بكلام قصّر بهم فيه، ونسبهم إلى الشقاق والخلاف فقال: إنما هذا السّواد بستان لاغيلمة من قريش. فشكوه إلى عثمان فقال: كلّما رأى أحدكم من أمير جفوة أرادنا أن نعزله.
وقدم سعيد بن العاص المدينة وافداً على عثمان، فبعث إلى وجوه المهاجرين والأنصار بصلات وكُساً، وبعث إلى علي بن أبي طالب أيضاً فقبل ما بعث به إليه، وقال علي: إن بني أمية ليفوقوني تراث محمد تفويقاً، واللّه لئن بقيت لهم لانفضنّهم من ذلك نفض القصّاب التراب الوذمة.
ثم انصرف سعيد بن العاص إلى الكوفة فأضرّ بأهلها إضراراً شديداً وعمل عليها خمس سنين إلا أشهراً. وقال مرّة بالكوفة: من رأى الهلال منكم؟ وذلك في فطر رمضان، فقال القوم: ما رأيناه، فقال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص: أنا رأيته، فقال له سعيد: بعينك هذه العوراء رأيته من بين القوم؟ فقال هاشم: تعيّرني بعيني وإنّما فقئت في سبيل اللّه، وكانت عينه أصيبت يوم اليرموك، ثم أصبح هاشم في داره مفطراً، وغدا الناس عنده، فبلغ ذلك سعيد بن العاص فأرسل إليه فضربه وحرّق داره.
فخرجت أمّ الحكم بعتبة بن أبي وقاص ـ وكانت من المهاجرات ـ ونافع بن عتبة بن أبي وقاص من الكوفة حتى قدما المدينة، فذكرا لسعد بن أبي وقاص ما صنع سعيد بهاشم، فأتى سعد عثمان فذكر له ذلك، فقال عثمان: سعيد لكم بهاشم، اضربوه بضربه، ودار سعيد لكم بدار هاشم فأحرقوها كما حرّق داره، فخرج عمر بن سعد بن أبي وقاص ـ وهو يومئذ غلام يسعى ـ حتى أشعل النار في دار سعيد بالمدينة، فبلغ الخبر عائشة، فأرسلت إلى سعد بن أبي وقاص تطلب إليه وتسأله أن يكفّ، ففعل.
ورحل من الكوفة إلى عثمان الأشتر مالك بن الحارث ويزيد بن مكنف وثابت بن قيس وكميل بن زياد النخعي وزيد وصعصة ابنا صوحان العبديان والحارث بن عبد اللّه الأعور وجندب بن زهير وأبو زينب الأزديان وأصفر بن قيس الحارثي، يسألونه عزل سعيد بن العاص عنهم، ورحل سعيد وافداً على عثمان فوافقهم عنده، فأبى عثمان أن يعزله عنهم، وأمره أن يرجع إلى عمله.
فخرج الأشتر من ليلته في نفر من أصحابه فسار عشر ليال إلى الكوفة، واستولى عليها وصعد على المنبر فقال: هذا سعيد بن العاص قد أتاكم يزعم أن هذا السواد بستان لاغيلمة من قريش، والسواد مساقط رؤوسكم، ومراكز رماحكم، وفيؤكم وفيء آبائكم، فمن كان يرى للّه عليه حقّاً فلينهض إلى الجرعة، فخرج الناس فعسكروا بالجرعة ـ وهي بين الكوفة والحيرة ـ وأقبل سعيد بن العاص حتى نزل العذيب، فدعا الأشتر يزيد بن قيس الأرحبي وعبد اللّه بن كنانة العبدي ـ وكانا محربين ـ فعقد لكلّ واحد منهما على خمسمائة فارس وقال لهما: سيرا إلى سعيد بن العاص فأزعجاه وألحقاه بصاحبه، فإن أبى فاضربا عنقه، وأتياني برأسه.
فأتياه فقالا له: إرحل إلى صاحبك، فقال: إبلي أنضاء أعلفها أياماً، ونقدم المصر فنشتري حوائجنا ونتزوّد ثم أرتحل. فقالا: لا واللّه ولا ساعة، لترتحلنّ أو لنضربنّ عنقك، فلما رأى الجدّ منهما ارتحل لاحقاً بعثمان وأتيا الأشتر فأخبراه.
وانصرف الأشتر من معسكره إلى الكوفة فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: واللّه يا أهل الكوفة، ما غضبت إلا للّه ولكم، وقد ألحقنا هذا الرجل بصاحبه وقد وليت أبا موسى الأشعري صلاتكم وثغركم وحذيفة بن اليمان على فيئكم، ثم نزل وقال: يا أبا موسى إصعد. فقال أبو موسى: ما كنت لأفعل، ولكن هلّموا فبايعوا لأمير المؤمنين عثمان، وجدّدوا له البيعة في أعناقكم. فأجابه الناس إلى ذلك، فقبل ولايتهم وجدّد البيعة لعثمان في رقابهم، وكتب إلى عثمان بما صنع، فأعجب ذلك عثمان وسرّه، فقال عتبة بن الوغل شاعر أهل الكوفة:
تصدّق علينا يا ابن عثمان واحتسب *** وأمّر علينا الأشعري ليالياً
فقال عثمان: نعم، وشهوراً وسنين إن بقيت.
وكان الذي صنع أهل الكوفة بسعيد بن العاص أوّل وهن دخل على عثمان حين اجترى عليه، ولم يزل أبو موسى والياً لعثمان على الكوفة حتى قتل عثمان، ولم يزل سعيد بن العاص حين رجع عن الكوفة بالمدينة، حتى وثب الناس بعثمان فحصروه، فلم يزل سعيد في الدار معه يلزمه فيمن يلزمه، لم يفارقه ويقاتل دونه...»(1).


(1) تاريخ مدينة دمشق 21 / 114 ـ 116.

شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة (3) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=29&mid=389&pgid=4852