الإيرادات على وقائع الشورى

أقول:
لكنهم مع ذلك يواجهون مشاكل لا يجدون مناصاً من الإشارة إليها والمحاولة لحلّها، فيقعون في التهافت والتناقض، أو يضطرّون إلى التكذيب للحقائق والإنكار لما جاءت به من طرقهم الأخبار! فمثلاً:
لا ريب ولا خلاف في أن الستّة لم يكونوا في مرتبة واحدة من الفضيلة، وقد ثبت كتاباً وسنة وعقلاً تقدّم الفاضل وقبح تقدّم المفضول عليه، وأنه لا تصح ولايته مع وجوده، بل ذكر ابن تيمية أن ذلك كان رأي عمر أيضاً، فانظر إلى تناقضاتهم في الجواب:
فقيل: إنهم كانوا متقاربين في الفضيلة. وقيل: إنه وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض، فلذلك المفضول مزيّة أخرى ليست للآخر. وقيل: كان يعلم أن المفضول منهم لا يتقدّم على الفاضل. وقيل: يجوز استخلاف المفضول لمصلحة يراها الإمام. وفي مقابل هذه الأقوال كلام ابن بطال إذ قال:
«فيه دليل على جواز تولية المفضول على الأفضل منه، لأن ذلك لو لم يجز لم يجعل الأمر شورى إلى ستة أنفس، مع علمه أن بعضهم أفضل من بعض (قال) ويدل على ذلك أيضاً قول أبي بكر: قد رضيت لكم أحد الرجلين عمر وأبو عبيدة، مع علمه بأنه أفضل منهما».
بل لقد استشكل ابن بطّال مخالفة عمر لمن تقدّمه، فقد جعل عمر الخلافة في ستّة ووكل ذلك إلى اجتهادهم، ولم يصنع ما صنع أبو بكر في اجتهاده فيه، لأنه إن كان لا يرى جواز تولية المفضول على الفاضل، فصنيعه يدلّ على أن من عدا الستة كان مفضولاً بالنسبة إليهم، وإذا عرف ذلك، فلم يخف عليه أفضلية بعض الستة على بعض. وإن كان يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل، فمن ولاّه منهم أو من غيرهم كان ممكناً».
وقد أجاب ابن حجر قائلاً: «والجواب عن الأوّل يدخل فيه الجواب عن الثاني وهو: إنه تعارض عنده صنيع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حيث لم يصرّح باستخلاف شخص بعينه، وصنيع أبي بكر حيث صرّح، فتلك طريق تجمع التنصيص وعدم التعيين. وإن شئت قل: تجمع الاستخلاف وترك تعيين الخليفة. وقد أشار بذلك إلى قوله: لا أتقلّدها حيّاً وميّتاً...»(1).
والإنصاف ورود الإشكال كما لا يخفى على أهله، لأن النبي صلّى اللّه عليه وآله قد استخلف وما مات بلا وصيّة.
على أن قوله «تعارض...» باطل جدّاً، لأن أبا بكر مأمور بالتأسّي برسول اللّه والإنقياد له، لكونه أحد أفراد أمته، ولأن النبي صلّى اللّه عليه وآله معصوم دونه، فكيف يصلح لأن يكون صنيعه في عرض صنيع رسول اللّه ومعارضاً له؟ وهذا من مثل ابن حجر عجيب، لكنه من ضيق الخناق. فإما يلتزم بقول أبي بكر وعمر بجواز تولية المفضول، وإما يلتزم ببطلان صنيعهما.
وفي أن عمر ذكر لكلّ من الستّة عيباً قادحاً... تناقضت كلماتهم بين منكر لأصل الخبر، وبين معترف به زاعماً أنّ الواجب على الخليفة هو ما يمكن من الصلاح لا رفع الفساد بالكليّة، فإن هذا ممتنع حتى على الأنبياء، والجماعة كانوا أفضل الناس وإن كان في كلّ منهم ما يكره وكان له ذنوبٌ! وبين من يحمل ذلك على ديانة عمر وخوفه من ربّه!
وفي أنه أمر بضرب عنق من خالف، وضرب رقابهم جميعاً إن انقضت الثلاثة أيام من دون تعيين للخليفة، فمنهم من كذّب، قال ابن تيمية: «هذا من الكذب على عمر، ولم ينقل هذا أحدٌ من أهل العلم بإسناد يعرف، ولا أمر عمر قط بقتل الستة الذين يعلم أنهم خيار الأمة، وكيف يأمر بقتلهم...»(2) وهذا دأب ابن تيمية في إنكار الحقائق وتكذيب الثابتات، بل إنّ هذا يعدّ من ضروريّات تاريخ صدر الإسلام وهو مذكور في كتب التاريخ والحديث. ولذا اضطرّ بعضهم إلى أن يوجّهوا الأمر بالقتل بأنه من كثرة نصيحة عمر للمسلمين وشدّة اهتمامه بالأمر، بل منهم من يصحّح القتل كقاضي القضاة المعتزلي ووافقه ابن روزبهان الأشعري.


(1) فتح الباري 7 / 57.
(2) منهاج السنّة 6 / 173.

شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة (3) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=29&mid=388&pgid=4847