المورد الثالث: إنكار موت النبيّ، وذكر بعد النصوص

المورد الثالث
قال قدس سره: وقال لما مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: واللّه ما مات محمد... .
الشرح:
قال في نهج الحق: إنه قد بلغ من قلّة المعرفة أنه لم يعلم أن الموت يجوز على النبي صلّى اللّه عليه وآله، بل أنكر ذلك لما قالوا: مات رسول اللّه، فقال: واللّه ما مات محمد حتى... .
ومن هذه حاله كيف يجوز أن يكون إماماً واجب الطاعة على جميع الخلق؟(1)
أقول:
وعلى الجملة، فإن الأمر لا يخلو من أن يكون جهلاً أو ضلالاً في العقيدة، أو يكون وراء هذا الإنكار غرض آخر. فإن كان قوله عن جهل، فالجاهل بمثل هذا الأمر الواضح الموجود في القرآن الكريم بكلّ صراحة، وأخبر به النبي صلّى اللّه عليه وآله مرةً بعد مرة، كيف يليق للإمامة؟ وإن كان عن عقيدة باطلة، فالحال أسوء، لأنه ردّ على القرآن. وإن كان الاحتمال الثالث كما في كلام بعض الأعلام، ولذا لمّا جاء أبو بكر وأسكته سكت، فتلك دسيسة وخديعة، وخيانة للدّين والأمة.
وهذه بعض الأحاديث في المورد:
«عن عائشة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: إن رسول اللّه مات وأبو بكر بالسّنح، قال إسماعيل يعنى بالعالية، فقام عمر يقول: واللّه ما مات رسول اللّه. قالت: وقال عمر واللّه ما كان يقع في نفسي إلاّ ذاك، وليبعثنّه اللّه فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقبّله، قال: بأبي أنت وأمي، طبت حيّاً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك اللّه الموتتين أبداً، ثم خرج فقال: أيّها الحالف على رسلك. فلمّا تكلّم أبو بكر جلس عمر، فحمد اللّه أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمداً صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه قد مات، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حيٌّ لا يموت وقال: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) وقال: (وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا) الحديث»(2).
و«عن عائشة قالت: لما توفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استأذن عمر والمغيرة بن شعبة فدخلا عليه، فكشفنا الثوب عن وجهه، فقال عمر: واغيثاه ما أشدّ غشي رسول اللّه، ثم قام، فلما انتهيا إلى الباب قال المغيرة: يا عمر مات واللّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال عمر: كذبت ما مات رسول اللّه ولكنك رجل تحوشك فتنة ولن يموت رسول اللّه حتى يفني المنافقين. ثم جاء أبو بكر وعمر يخطب الناس فقال له أبو بكر: اسكت فسكت، فصعد أبو بكر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قرأ (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)ثم قرأ (وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) حتى فرغ من الآية. ثم قال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد اللّه فإنّ اللّه حيّ لا يموت، فقال عمر: هذا في كتاب اللّه؟ قال: نعم قال: أيها الناس، هذا أبو بكر ذو شيبة المسلمين فبايعوه. فبايعه الناس. ابن سعد»(3).
و«عن عكرمة قال: لمّا توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالوا: إنما عرج بروحه كما عرج بروح موسى، وقام عمر خطيباً يوعد المنافقين وقال: إن رسول اللّه لم يمت ولكن إنما عرج بروحه كما عرج بروح موسى، لا يموت رسول اللّه حتى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم، فلم يزل عمر يتكلّم حتى ازبدّ شدقاه، فقال العباس: إن رسول اللّه ياسن كما ياسن البشر، وإن رسول اللّه قد مات فادفنوا صاحبكم، أيميت أحدكم إماتة ويميته إماتتين؟ هو أكرم على اللّه من ذلك»(4).
و«عن عروة قال: لمّا مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قام عمر بن الخطاب يخطب الناس ويوعد من قال مات بالقتل والقطع ويقول: إن رسول اللّه في غشيته، لو قد قام قتل وقطع، وعمرو بن أم مكتوم قائم في مؤخر المسجد يقرء (وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) إلى قوله (وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرينَ)، والناس في المسجد قد ملاؤه يبكون ويموجون لا يسمعون، فخرج عباس بن عبدالمطلب على الناس فقال: يا أيها الناس، هل من أحد منكم من عهد من رسول اللّه في وفاته فيحدّثنا؟ قالوا: لا. قال: هل عندك يا عمر من علم؟ قال: لا، قال العباس: أشهد أيها الناس أن أحداً لا يشهد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعهد عهده إليه في وفاته، واللّه الذي لا إله إلا هو، لقد ذاق رسول اللّه الموت.
فأقبل أبو بكر من السنح على دابته حتى نزل بباب المسجد، ثم أقبل مكروباً حزيناً، فاستأذن في بيت ابنته عايشة فأذنت له، فدخل ورسول اللّه قد توفي على الفراش والنسوة حوله، فخمرن وجوههن واستترن من أبي بكر إلا ما كان من عائشة، فكشف من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحنى عليه يقبّله ويبكي ويقول: ليس ما يقول ابن الخطاب بشيء، توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، ما أطيبك حيّاً وما أطيبك ميتاً، ثم غشّاه بالثوب.
ثم خرج سريعاً إلى المسجد يتوطأ رقاب الناس حتى أتى المنبر، وجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلاً إليه، فقام أبو بكر إلى جانب المنبر ثم نادى الناس، فجلسوا وأنصتوا، فتشهد أبو بكر وقال: إن اللّه نعى نبيّكم إلى نفسه وهو حي بين أظهركم، ونعاكم إلى أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد إلا اللّه، قال اللّه تعالى: (وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ) إلى قوله (وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرينَ) فقال عمر: هذه الآية في القرآن؟ فو اللّه ما علمت أن هذه الآية نزلت قبل اليوم»(5).
ثم لا يخفى إصراره على الإنكار، واشتمال الروايات على نقاط:
الأوّل: اليمين على عدم موته صلّى اللّه عليه وآله.
والثاني: توعّد من قال: «مات» بالقتل والقطع.
والثالث: إنه لم يزل يتكلّم حتى ازبدّ شدقاه، والناس في المسجد قد ملأوه يبكون، وعمرو بن أم مكتوم يقرأ الآية، والمغيرة قال: يا عمر، مات ـ واللّه ـ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله. فقال عمر: كذبت... .


(1) نهج الحق وكشف الصّدق: 276.
(2) صحيح البخاري 4 / 193 ـ 194.
(3) كنز العمال 7 / 244.
(4) كنز العمّال 7 / 170.
(5) كنز العمال 7 / 245 ـ 246.

شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة (3) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=29&mid=388&pgid=4789