وعلي عليه السلام يقول: سلوني قبل أن تفقدوني

قال قدس سره: فأي نسبة إلى من قال: سلوني...؟
الشرح:
قول علي أمير المؤمنين عليه السلام: سلوني... من أصحّ الأخبار المتفق عليها بين الفريقين، رواه القوم بترجمته عليه السلام من كتب الرجال وفي مناقبه وفضائله في كتب الحديث والكلام، كابن سعد في الطبقات والحاكم في المستدرك وابن عبد البرّ في الإستيعاب وغيرهم. وإليك بعض ذلك:
روى المِزّي بترجمته: «عن أبي الطفيل قال: شهدت عليّاً يخطب وهو يقول: سلوني، فواللّه لا تسألوني عن شي إلا أخبرتكم، سلوني عن كتاب اللّه، فواللّه ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل»(1).
ورواه الحافظ ابن حجر في شرح البخاري(2).
وروى المتقي: «سلوني قبل أن تفقدوني، فإني لا أُسئل عن شي دون العرش إلا أخبرت عنه. ابن النجار»(3).
وعلى الجملة، فإنه لا يسع أحداً إنكار هذا الكلام.
هذا، وقد كابر بعض المعتزلة في دلالة هذا الكلام على إحاطته بالعلوم بالفعل، بل يدلّ على عظم المحلّ فقط، ثم زعم بعضهم أن قوله: «لو ثنيت لي الوسادة» يدلّ على جواز الحكم بما نسخ، وهذا باطل، وأخذه ابن تيمية في منهاجه(4).
لكن شارح المواقف نصّ على أن «غرضه عليه السلام إحاطة علمه بما في هذه الكتب الأربعة، لا جواز الحكم بما نسخ منها، فلا يتّجه عليه اعتراض أبي هاشم بأن التوراة منسوخة فكيف يجوز الحكم بها؟ ويدلّ على ما ذكرناه قوله: «واللّه ما من آية نزلت... ويؤيّده أن أوّل كلامه مشتمل على الفرض والتقدير، وليس يلزم منه جواز الحكم، كما يشهد به الفطرة السليمة»(5).
وقد يكون مراده عليه السلام التعريض بمن تقدّمه من الجهلة بالأب، والكلالة... ونحوهما من الأوليّات، فيريد أن لو أطاعت الأمة حكم اللّه ورسوله فيه ومكّنته، لانقاد أهل الأديان السابقة واهتدت به إلى الإسلام، فكان تصدّي أُولئك سبباً لبقائهم على ضلالتهم إلى يوم القيامة.


(1) تهذيب الكمال 20 / 487.
(2) فتح الباري 8 / 459.
(3) كنز العمال 13 / 165.
(4) منهاج السنّة 5 / 509 .
(5) شرح المواقف 8 / 370.

شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة (3) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=29&mid=387&pgid=4773