ج ـ قضاؤه في زمن عمر بن الخطاب

ج ـ قضاؤه في زمن عمر بن الخطاب
روى الخوارزمي باسناده عن الحسن «ان عمر بن الخطاب أتي بامرأة مجنونة حبلى قد زنت، فأراد أن يرجمها فقال له علي أميرالمومنين عليه السّلام: أو ما سمعت ما قال رسول الله؟ قال: وما قال؟ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ، وعن الغلام حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، قال: فخلى عنها»(1).
وروى باسناده عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب عليه السّلام قال: «لما كان في ولاية عمر أتي بامرأة حامل سألها عمر عن ذلك، فاعترفت بالفجور، فأمر بها عمر أن ترجم فلقيها علي بن أبي طالب عليه السّلام فقال: ما بال هذه المرأة؟ فقالوا: أمر بها عمر أن ترجم فردها علي عليه السّلام فقال له: أمرت بها أن ترجم؟ فقال: نعم، اعترفت عندي بالفجور، فقالت: هذا سلطانك عليها، فما سلطانك على ما في بطنها ثم قال له علي عليه السّلام: فلعلك انتهرتها أو أخفتها فقال عمر: قد كان ذلك، قل علي عليه السّلام: أو ما سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: لا حد على معترف بعد البلاء، انه من قيدت أو حبست أو تهددت فلا اقرار له، فخلى عمر سبيلها ثم قال: عجزت النساء أن يلدن مثل علي بن أبي طالب عليه السّلام لو لا علي لهلك عمر»(2).
وروى باسناده عن أبي الأسود، قال: أتي عمر بأمرأة قد ولدت لستة أشهر، فهمّ أن يرجمها فبلغ ذلك علياً عليه السّلام، فقال: ليس عليها رجم، فبلغ ذلك عمر فأرسل اليه يسأله، فقال علي عليه السّلام: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)(3). وقال: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً)(4) فستة أشهر حمله وحولين تمام الرضاعة لا حدّ عليها، قال: فخلى عنها ثم ولدت بعد ستة أشهر»(5).
وروى باسناده عن عبدالله بن عبّاس قال: «استعدى رجل على علي بن أبي طالب عليه السّلام إلى عمر بن الخطاب وكان علي جالساً في مجلس عمر بن الخطاب، فالتفت عمر إلى علي، فقال: يا أبا الحسن، وقال المؤيد: فقم يا أبا الحسن فاجلس مع خصمك، فقام علي فجلس مع خصمه، فتناظروا وانصرف الرجل ورجع علي إلى مجلسه فجلس فيه، فتبين عمر التغير في وجهه، فقال له: يا أبا الحسن ما لي أراك متغيراً؟ اكرهت ما كان؟ قال: نعم قال: ولم ذاك؟ قال: لأنك كنيتني بحضرة خصمي، أفلا قلت: قم يا علي فاجلس مع خصمك، فأخذ عمر برأس علي فقبّل بين عينيه ثم قال: بأبي أنتم، بكم هدانا الله وبكم أخرجنا من الظلمات إلى النور»(6).
وروى باسناده عن عبدالرحمن قال: «شرب قوم الخمر بالشام وعليهم يزيد بن أبي سفيان في زمن عمر، فقال لهم يزيد: هل شربتم الخمر؟ فقالوا: نعم، شربناها، وهي لنا حلال فقال: أو ليس قال الله عزّوجلّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ)(7) إلى قوله: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ)(8) حتى فرغ من الآية فقالوا: اقرأ التي بعدها فقرأ (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ) إلى قوله (وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(9) فنحن من الذين آمنوا واحسنوا فكتب بأمرهم إلى عمر، فكتب اليه عمر، ان اتاك كتابي هذا ليلا فلا تصبح حتى تبعث بهم إلي، وان اتاك نهاراً فلا تمس حتى تبعث بهم الي قال فبعث بهم اليه فلما قدموا على عمر سألهم عما كان سألهم يزيد وردوا عليه كما ردوا على يزيد، فاستشار فيهم أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فردوا المشورة اليه قال: وعلي عليه السّلام حاضر في القوم ساكت. فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال أمير المؤمنين: انهم قوم افتروا على الله الكذب واحلوا ما حرم الله، فأرى ان تستتيبهم فان ثبتوا وزعموا أن الخمر حلال، ضربت اعناقهم، وان هم رجعوا ضربتهم ثمانين ثمانين بفريتهم على الله عزّوجل فدعاهم فأسمعهم مقالة علي عليه السّلام فقال: ما تقولون؟ فقالوا: نستغفر الله ونتوب اليه ونشهد ان الخمر حرام وانما شربناها ونحن نعلم انها حرام فضربهم ثمانين ثمانين جلدة»(10).
وروى باسناده عن حنش «ان رجلين استودعا امرأة من قريش مائة دينار وأمراها ان لا تدفع إلى أحد منهما دون صاحبه، فأتاها أحدهما فقال: ان صاحبي قد هلك فادفعي الي المال فأبت فاستشفع اليها، ومكث يختلف اليها ثلاث سنين، قال: فدفعت اليه المال، ثم جاء اليها صاحبه، فقال: اعطيني مالي، فقالت له: قد أخذه صاحبك، فارتفعوا إلى عمر، فقال له عمر: الك بينة؟ فقال: هي بيّنتي، قال: ما اراك الاضامنة، فقالت: أنشدك الله الا ما رفعتنا الى علي بن أبي طالب عليه السّلام قال: فرفعها اليه فأتوه في حايط ل وهو يسبل الماء وهو مؤتزر بكساء، فقصوا عليه القصة، فقال للرجل: إيتني بصاحبك وعليّ متاعك»(11).
«كان عمر بن الخطاب يقول لعلي بن أبي طالب فيما كان يسأله عنه فيفرج عنه: لا ابقاني الله بعدك يا علي»(12).
قال الشنقيطي: «ولأجل ما خصه الله تعالى به من فهم دقائق العلم بسرعة احتاج أجلاء الصحابة لحله للعويصات، فكانوا يحيلون الأسئلة الصعبة عليه فيجيب فيها بالصواب على البديهة، فلذلك لما جاءه عمر سائلا وقال: ان هؤلاء أصابوا بيض نعام وهم محرمون، قال علي: ألا أرسلت الي، قال عمر: أنا أحق باتيانك، قال علي: يضربون الفحل قلائص أبكاراً بعدد البيض، فلما ادبر قال عمر: اللهم لا تنزل بي شدة الا وأبو الحسن الى جنبي»(13).
وروى الشنقيطي عن عبد الرحمن السلمي، قال: «أتي عمر بامرأة أجهدها العطش، فمرت على راع فاستسقته فأبى أن يسقيها الا ان تمكّنه من نفسها، ففعلت، فشاور الناس في رجمها، فقال له علي: هذه مضطرة إلى ذلك فخل سبيلها ففعل»(14).
وعن عبدالله بن الحسن قال: «دخل علي على عمر، وإذا امرأة حبلى تقاد لترجم، فقال: ما شأن هذه؟ قالت: يذهبون بي ليرجموني، فقال: يا أمير المؤمنين لأي شيء ترجم، ان كان لك سلطان عليها، فما لك سلطان على ما في بطنها، فقال عمر: كل احد أفقه مني ـ ثلاث مرات ـ فضمنها عليّ حتى وضعت غلاماً ثم ذهب بها اليه فرجمها»(15).
وروى البيهقي باسناده عن الشعبي قال: «اتي عمر بن الخطاب بامرأة تزوجت في عدتها فأخذ مهرها فجعله في بيت المال وفرق بينهما، وقال: لا يجتمعان وعاقبهما، قال: فقال علي رضي الله عنه: ليس هكذا ولكن هذه الجهالة من الناس، ولكن يفرق بينهما، ثم تستكمل بقية العدة من الأول ثم تستقبل عدة اخرى وجعل لها على المهر بما استحل من فرجها، قال: فحمد الله عمر رضي الله عنه واثنى عليه، ثم قال: يا ايّها الناس ردّوا الجهالات إلى السنة»(16).
وباسناده عنه «ان أول جد ورث في الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه مات ابن فلان بن عمر فأراد عمر أن يأخذ المال دون اخوته، فقال له علي وزيد رضي الله عنه: ليس لك ذلك، فقال عمر: لو لا أن رأيكما اجتمع لم أر أن يكون ابني ولا اكون أباه»(17).
قال ابن أبي الحديد: «استدعى عمر امرأةً ليسألها عن أمر وكانت حاملا فلشدة هيبته ألقت ما في بطنها، فأجهضت به جنيناً ميتاً، فاستفتى عمر اكابر الصحابة في ذلك، فقالوا: لا شيء عليك انما أنت مؤدّب فقال له علي عليه السّلام: ان كانوا راقبوك فقد غشوك، وان كان هذا جهد رأيهم فقد أخطؤا، عليك غرة ـ يعني عتق رقبة ـ فرجع عمر والصحابة إلى قوله ـ اي علي»(18).
وروى المتقي باسناده عن عبد الرحمن بن عائذ قال: «اتي عمر بن الخطاب برجل أقطع اليد والرجل قد سرق، فأمر به عمر أن تقطع رجله فقال علي: انما قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ)(19) إلى آخر الآية، فقد قطعت يد هذا ورجله، ولا ينبغي ان تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها إما أن تعزره واما ان تستودعه السجن قال: فاستودعه السجن»(20).
وعن عطاء وإبراهيم «ان رجلا كانت عنده يتيمة فخشيت امرأته ان يتزوجها، فافتضتها باصبعها، وقالت لزوجها: زنت، وقالت الجارية: كذبت، وأخبرته الخبر فرفع شأنها الى علي، فقال للحسن: قل فيها، قال: ان تجلد الحد لقذفها اياها، وأن تغرم الصداق لافتضاضها»(21).
وروى الكليني باسناده عن أبي عبدالله عليه السّلام قال: «اتي عمر بن الخطاب بجارية قد شهدوا عليا انها بغت، وكان من قصتها أنها كانت يتيمة عند رجل، وكان الرجل كثيراً ما يغيب عن أهله فشبت اليتيمة فتخوفت المرأة ان يتزوجها زوجها، فدعت بنسوة حتى أمسكنها فأخذت عذرتها باصبعها فلما قدم زوجها من غيبته رمت المرأة اليتيمة بالفاحشة، واقامت البينة من جاراتها اللائي ساعدنها على ذلك، فرفع ذلك الى عمر، فلم يدر كيف يقضي فيها ثم قال للرجل: ايت علي بن أبي طالب عليه السّلام واذهب بنا اليه فأتوا علياً عليه السّلام وقصوا عليه القصة فقال لأمرأة الرجل: ألك بينة أو برهان؟ قالت: لي شهود هؤلاء جاراتي يشهدن عليها بما أقول فاحضرتهن، فأخرج علي بن أبي طالب عليه السّلام السيف من غمده فطرح بين يديه وأمر بكل واحدة منهن فادخلت بيتاً، ثم دعا بامرأة الرجل فأدارها بكل وجه فأبت أن تزول عن قولها، فردها الى البيت الذي كانت فيه، ودعا احدى الشهود وجثى على ركبتيه ثم قال: تعرفيني أنا علي ابن أبي طالب وهذا سيفي وقد قالت أمرأة الرجل ما قالت، ورجعت إلى الحق وأعطيتها الأمان، وان لم تصدقيني لاملأن السيف منك، فالتفتت إلى عمر، فقالت: يا أميرالمؤمنين الأمان علي، فقال لها أميرالمؤمنين: فاصدقي، فقالت: لا والله الا انها رأت جمالا وهيئة فخافت فساد زوجها عليها، فسقتها المسكر، ودعتنا فأمسكناها، فافتضتها بأصبعها، فقال علي عليه السّلام: الله أكبر. أنا أول من فرق بين الشاهدين الاّ دانيال النبي، فالزم عليّ المرأة حد القاذف، والزمهن جميعاً العقر وجعل عقرها اربعمائة درهم، وأمر المرأة أن تنفى من الرجل ويطلقها زوجها وزوّجه الجارية، وساق عنه علي عليه السّلام المهر، فقال عمر: يا أبا الحسن فحدثنا بحديث دانيال. فقال علي عليه السّلام: ان دانيال كان يتيماً لا أم له ولا أب، وان امرأة من بني اسرائيل عجوزاً كبيرة ضمته فربّته، وان ملكاً من ملوك بني اسرائيل كان له قاضيان، وكان لهما صديق، وكان رجلا صالحاً، وكانت له امرأة بهية جميلة وكان يأتي الملك فيحدثه واحتاج الملك الى رجل يبعثه في بعض أموره، فقال للقاضيين: اختارا رجلا ارسله في بعض اموري فقالا: فلان، فوجهه الملك، فقال الرجل للقاضيين: أوصيكما بامرأتي خيراً فقالا: نعم فخرج الرجل، فكان القاضيان يأتيان باب الصديق، فعشقا امرأته فراوداها عن نفسها فأبت فقالا لها: والله لئن لم تفعلي لنشهدن عليك عند الملك بالزنا ثم لنرجمنك، فقالت: افعلا ما أحببتما، فأتيا الملك فأخبراه وشهدا عنده أنها بغت، فدخل الملك من ذلك أمر عظيم واشتد بها غمه وكان بها معجباً فقال لهما: ان قولكما مقبول، ولكن ارجموها بعد ثلاثة ايام، ونادى في البلد الذي هو فيه: احضروا قتل فلانة العابدة فانها قد بغت، فان القاضيين قد شهدا عليها بذلك، فأكثر الناس في ذلك، وقال الملك لوزيره: ما عندك في هذا من حيلة؟ فقال: ما عندي في ذلك من شيء، فخرج الوزير يوم الثالث وهو آخر أيامها فإذا هو بغلمان عراة يلعبون وفيهم دانيال وهو لا يعرفه، فقال دانيال: يا معشر الصبيان تعالوا حتى اكون أنا الملك وتكون أنت يا فلان العابدة، ويكون فلان وفلان القاضيين الشاهدين عليها، ثم جمع تراباً وجعل سيفاً من قصب وقال للصبيان: خذوا بيد هذا فنحّوه إلى مكان كذا وكذا، وخذوا بيد هذا فنحّوه إلى مكان كذا وكذا، ثم دعا بأحدهما وقال له: قل حقاً فانك ان لم تقل حقاً قتلتك، والوزير قائم ينظر ويسمع، فقال: اشهد انها بغت فقال: متى؟ قال: يوم كذا وكذا فقال: ردوه الى مكانه، وهاتوا الآخر فردوه الى مكانه، وجاءوا بالآخر، فقال له: بما تشهد؟ فقال: اشهد انها بغت، قال: متى؟ قال: يوم كذا وكذا قال: مع من؟ قال: مع فلان بن فلان، قال: وأين؟ قال: بموضع كذا وكذا، فخالف أحدهما صاحبه. فقال دانيال: الله أكبر شهدا بزور، يا فلان ناد في الناس انهما شهدا على فلانة بزور فاحضروا قتلهما، فذهب الوزير الى الملك مبادراً فأخبره الخبر فبعث الملك إلى القاضيين، فاختلفا كما اختلف الغلامان، فنادى الملك في الناس وأمر بقتلهما»(22).
وروى المتقي باسناده عن أم كلثوم ابنة أبي بكر «ان عمر بن الخطاب كان يعس بالمدينة ذات ليلة فرأى رجلا وامرأة على فاحشة، فلما اصبح قال للناس: أرأيتم ان اماماً رأى رجلا وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد ما كنتم فاعلين؟ قالوا: انما أنت امام، فقال علي بن أبي طالب: ليس ذلك لك، إذن يقام عليك الحد، ان الله لم يأمن على هذا الأمر [اقل] من أربعة شهداء ثم تركهم ما شاء الله ان يتركهم، ثمّ سألهم فقال القوم مثل مقالتهم الأولى وقال علي مثل مقالته»(23).
وروى عن أنس بن مالك: «ان اعرابياً جاء بإبل له يبيعها فأتاه عمر يساومه بها، فجعل عمر ينخس بعيراً بعيراً يضربه برجله ليبعث البعير كيف قواده، فجعل الاعرابي يقول: خل ابلي لا أبا لك فجعل عمر لا ينهاه قول الأعرابي أن يفعل ذلك ببعير بعير، فقال الاعرابي لعمر: اني لأظنك رجل سوء فلما فرغ منها اشتراها، فقال: سقها وخذ اثمانها، فقال الأعرابي: حتى اضع عنها احلاسها واقتابها، فقال عمر: اشتريتها وهي عليها فهي لي كما اشتريتها، فقال الاعرابي: اشهد انك رجل سوء، فبينما هما يتنازعان اذ أقبل علي فقال عمر: ترضى بهذا الرجل بيني وبينك؟ قال الاعرابي: نعم، فقصا على علي قصتهما فقال علي: يا أميرالمؤمنين ان كنت اشترطت عليه أحلاسها وأقتابها فهي لك كما اشترطت، وإلاّ فان الرجل يزين سلعته بأكثر من ثمنها، فوضع عنها أحلاسها وأقتابها فساقها الاعرابي فدفع اليه عمر الثمن»(24).
وروى مالك عن ثور بن زيد الديلمي: «ان عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن نجلده ثمانين، فانه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فجلد عمر في الخمر ثمانين»(25).
وروى عن محمّد بن زياد قال: «كان عمر يطوف بالبيت وعلي يطوف أمامه، اذ عرض رجل لعمر فقال: يا أميرالمؤمنين، خذ لي حقي من علي بن أبي طالب، قال: وما له؟ قال: لطم عيني. قال: فوقف عمر حتى مر به علي كرم الله وجهه، فقال: ألطمت عين هذا يا أبا الحسن؟ قال: نعم يا أميرالمؤمنين قال: ولم؟ قال: لأني رأيته يتأمل حرم المؤمنين في الطواف، قال عمر: أحسنت يا أبا الحسن».
روى محمّد صدر العالم باسناده عن ابن عبّاس، قال: «وردت على عمر بن الخطاب واردة قام منها وقعد، وتغير وتربد وجمع لها أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فعرضها عليهم فقال: اشيروا علي، فقالوا جميعاً: يا أميرالمؤمنين، أنت المفزع، وأنت المنزع، فغضب عمر، وقال: اتقوا الله، وقولوا قولا سديداً يصلح لكم اعمالكم، فقالوا: يا أميرالمؤمنين ما عندنا مما تسأل عنه شيء؟ فقال: اما والله اني لأعرف ابن بجدتها واين مفزعها، فقالوا: كأنك تعني ابن أبي طالب؟ فقال عمر: لله هو، وهل طفحت حرة بمثله وابر منه، إنهضوا بنا اليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين اتصير اليه، هو يأتيك، فقال: هيهات هناك شجنة من هاشم ولحمة من الرسول وأثرة من علم يؤتى لها ولا يأتي، في بيته يؤتى الحكم فاعطفوا نحوه، فلقوه في حائط له وهو يقرأ (أَيَحْسَبُ الاِْنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى)(26) ويرددها ويبكي، فقال عمر لشريح: حدث أبا حسن بالذي حدّثتنا به، فقال شريح: كنت في مجلس الحكم فأتى هذا الرجل، فذكر ان رجلا أودعه امرأتين حرة مهيرة وأم ولد، وقال له: أنفق عليهما حتى أقدم، فلما كان في هذه الليلة وضعتا جميعاً احداهما ابناً والأخرى بنتاً، وكلاهما تدّعي الابن وتنتفي من البنت من اجل الميراث، فقال له: بم قضيت بينهما؟ فقال شريح: لو كان عندي ما أقضي بينهما لم آتكم بهما، فأخذ علي تبنة من الأرض فرفعها، فقال: ان القضاء في هذه أيسر من هذه ثم دعا بقدح، فقال لاحدى الامرأتين: احلبي فحلبت، فوزنه، ثم قال للأخرى: احلبي، فحلبت فوزنه، فوجده على النصف من لبن الأولى، فقال لها: خذي أنت ابنتك وقال للأولى: خذي أنت ابنك، ثم قال لشريح: أما علمت أن لبن الجارية على النصف من لبن الغلام، وأن ميراثها نصف ميراثه وأن عقلها نصف عقله، وأن شهادتها نصف شهادته، وأن ديتها نصف ديته هي على النصف من كل شيء، فأعجب به عمر اعجاباً شديداً، ثم قال: يا أبا الحسن، لا ابقاني الله لشديدة لست لها ولا في بلد لست فيه»(27).

(1) المناقب الفصل السابع ص38، ورواه العاصمي في زين الفتى 301، والشنقيطي ص58 قال: أخرجه أحمد.
(2) المصدر ص39.
(3) سورة البقرة: 233.
(4) سورة الأحقاف: 15.
(5) المناقب ص50، ورواه المتقي في كنز العمال كتاب الحدود ج5 ص457 وكتاب الدعوة، لحاق الولد ج6 ص205، والعاصمي في زين الفتى في تفسير سورة هل أتى ص320 مخطوط، وسبط ابن الجوزي في ذكره الخواص ص148.
(6) المصدر ص51.
(7) سورة المائدة: 90.
(8) سورة المائدة: 92.
(9) سورة المائدة: 93.
(10) المناقب الفصل السابع ص53، ورواه العاصمي في زين الفتى ص333.
(11) المناقب الفصل السابع ص54، ورواه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص48.
(12) المصدر.
(13) كفاية الطالب ص57، ورواه الحضرمي في وسيلة المآل ص246.
(14) المصدر، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ج8 ص236 والحضرمي في وسيلة المآل ص245 والوصابي في أسنى المطالب الباب التاسع ص56 رقم44.
(15) كفاية الطالب ص59.
(16) السنن الكبرى ج7 ص442.
(17) السنن الكبرى ج6 ص247، ورواه الدارمي في سننه مع فرق يسير في ج2 ص354.
(18) شرح نهج البلاغة ج1 ص58 طبعة مصر.
(19) سورة المائدة: 33.
(20) كنز العمال، كتاب الحدود، ج5 319 طبعة حيدر آباد.
(21) المصدر ج5 ص328.
(22) الكافي ج7 ص425ـ427.
(23) كنز العمال، كتاب الحدود من قسم الافعال ج5 ص56 طبعة حيدر آباد.
(24) منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج2 ص231.
(25) الموّطأ، ص607 رقم 1531.
(26) سورة القيامة: 36.
(27) معارج العلى في مناقب المرتضى ص52 مخطوط.

قادتنا كيف نعرفهم (الجزء الثاني) تأليف: (آية الله العظمى السيد محمد هادي الحسيني الميلاني)

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=19&mid=220&pgid=2460