تزييف الأعذار في تلك الرزية

تزييف الأعذار في تلك الرزية:
إن من كان عنده فصل الخطاب، لحقيق بأن يصدع بالحق وينطق بالصواب، وقد بقي بعض الوجوه في ردّ تلك الأعذار، فأحببت عرضه عليكم، ليكون الحكم فيه موكولاً إليكم.
قالوا في الجواب الأوّل: لعلّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ـ حين أمرهم بإحضار الدّواة ـ لم يكن قاصداً لكتابة شيء من الأشياء، وإنما أراد مجرّد اختبارهم لا غير. فنقول ـ مضافاً إلى ما أفدتم ـ: إن هذه الواقعة إنما كانت حال احتضاره ـ بأبي وأُمي ـ كما هو صريح الحديث، فالوقت لم يكن وقت اختبار، وإنما كان وقت إعذار وإنذار ووصية بكلّ مهمة ونصح تام للأُمة، والمحتضر بعيد عن الهزل والمفاكهة، مشغول بنفسه وبمهمّاته ومهمات ذويه، ولا سيما إذا كان نبيّاً.
وإذا كانت صحته مدة حياته كلّها لم تسع اختبارهم، فكيف يسعها وقت احتضاره؟ على أن قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ـ حين أكثروا اللغو واللغط والاختلاف عنده ـ: قوموا، ظاهر في استيائه منهم، ولو كان الممانعون مصيبين لاستحسن ممانعتهم، وأظهر الارتياح إليها، ومن ألمّ بأطراف هذا الحديث ولا سيما قولهم: هجر رسول اللّه، يقطع بأنهم كانوا عالمين أنه إنما يريد أمراً يكرهونه، ولذا فاجأوه بتلك الكلمة، وأكثروا عنده اللغو واللغط والاختلاف كما لا يخفى، وبكاء ابن عباس بعد ذلك لهذه الحادثة وعدّها رزية دليل على بطلان هذا الجواب.
قال المعتذرون: إن عمر كان موفّقاً للصّواب في إدراك المصالح، وكان صاحب إلهام من اللّه تعالى. وهذا مما لا يصغى إليه في مقامنا هذا، لأنه يرمي إلى أن الصواب في هذه الواقعة إنما كان في جانبه لا في جانب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وإن إلهامه يومئذ كان أصدق من الوحي الذي نطق عنه الصّادق الأمين صلّى اللّه عليه وآله وسلّم.
وقالوا: بأنه أراد التخفيف عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، إشفاقاً عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض. وأنت ـ نصر اللّه بك الحق ـ تعلم بأن في كتابة ذلك الكتاب راحة قلب النبي، وبرد فؤاده، وقرّة عينه، وأمنه على اُمّته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من الضلال. على أن الأمر المطاع والإرادة المقدسة مع وجوده الشريف إنما هما له، وقد أراد ـ بأبي وامي ـ إحضار الدواة والبياض وأمر به، فليس لأحد أن يردّ أمره أو يخالف إرادته (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص اللّه ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً)(1).
على أن مخالفتهم لأمره في تلك المهمة العظيمة ولغوهم ولغطهم واختلافهم عنده، كان أثقل عليه وأشق من إملاء ذلك الكتاب الذي يحفظ اُمّته من الضّلال، ومن يشفق عليه من التعب بإملاء الكتاب كيف يعارضه ويفاجئه بقوله هجر؟!
وقالوا: إن عمر رأى أن ترك إحضار الدواة والورق أولى. وهذا من أغرب الغرائب وأعجب العجائب، وكيف يكون ترك إحضارهما أولى مع أمر النبي بإحضارهما، وهل كان عمر يرى أن رسول اللّه يأمر بالشيء الذي يكون تركه أولى؟
وأغرب من هذا قولهم: وربما خشي أن يكتب النبي أُموراً يعجز عنها الناس فيستحقون العقوبة بتركها. وكيف يخشى من ذلك مع قول النبي لا تضلّوا بعده، أتراهم يرون عمر أعرف منه بالعواقب، وأحوط منه وأشفق على أُمته؟ كلاّ.
وقالوا: لعلّ عمر خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحة ذلك الكتاب، لكونه في حال المرض، فيصير سبباً للفتنة. وأنت ـ نصر اللّه بك الحق ـ تعلم أن هذا محال مع وجود قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: لا تضلوا، لأنه نص بأن ذلك الكتاب سبب للأمن عليهم من الضلال، فكيف يمكن أن يكون سبباً للفتنة بقدح المنافقين؟ وإذا كان خائفاً من المنافقين أن يقدحوا في صحة ذلك الكتاب، فلماذا بذر لهم بذرة القدح حيث عارض ومانع وقال: هجر.
وأما قولهم في تفسير قوله: حسبنا كتاب اللّه: إنه تعالى قال: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)(2) وقال عزّ من قائل: (اليوم أكملت لكم دينكم)(3). فغير صحيح، لأن الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال، ولا تضمنان الهداية للناس، فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتماداً عليهما؟ ولو كان وجود القرآن العزيز موجباً للأمن من الضلال، لما وقع في هذه الأُمة من الضلال والتفريق، ما لا يرجى زواله(4).
وقالوا في الجواب الأخير: إن عمر لم يفهم من الحديث أن ذلك الكتاب سيكون سبباً لحفظ كلّ فرد من امّته من الضلال، وإنما فهم أنه سيكون سبباً لعدم اجتماعهم ـ بعد كتابته ـ على الضلال (قالوا) وقد علم رضي اللّه عنه أن اجتماعهم على الضلال مما لا يكون أبداً، كُتب ذلك الكتاب أو لم يكتب، ولهذا عارض يومئذ تلك المعارضة.
وفيه: مضافاً إلى ما أشرتم إليه: إن عمر لم يكن بهذا المقدار من البعد عن الفهم، وما كان ليخفى عليه من هذا الحديث ما ظهر لجميع الناس، لأن القروي والبدوي إنما فهما منه أن ذلك الكتاب لو كتب لكان علّة تامة في حفظ كلّ فرد من الضلال، وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث إلى أفهام الناس، وعمر كان يعلم يقيناً أن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يكن خائفاً على أمته أن تجتمع على الضلال، لأنه رضي اللّه عنه عنه كان يسمع قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: لا تجتمع أُمتي على ضلال، ولا تجتمع على الخطأ، وقوله: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق. الحديث. وقوله تعالى: (وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصّالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الّذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً)(5) إلى كثير من نصوص الكتاب والسنّة الصريحين بأن الأُمة لا تجتمع بأسرها على الضلال، فلا يعقل مع هذا أن يسنح في خواطر عمر أو غيره أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حين طلب الدواة والبياض كان خائفاً من اجتماع أُمته على الضلال، والذي يليق بعمر أن يفهم من الحديث ما يتبادر منه إلى الأذهان، لا ما تنفيه صحاح السنة ومحكمات القرآن، على أن الذي تركوه كان من الواجب عليهم، ولو كانت معارضة عمر عن اشتباه منه في فهم الحديث ـ كما زعموا ـ لأزال النبي شبهته وأبان له مراده منه، بل لو كان في وسع النبي أن يقنعهم بما أمرهم به، لما آثر إخراجهم عنه، وبكاء ابن عباس وجزعه من أكبر الأدلة على ما نقول.
والإنصاف، إن هذه الرزية لممّا يضيق عنها نطاق العذر، ولو كانت ـ كما ذكرتم ـ قضية في واقعة، كفرطة سبقت، وفلتة ندرت، لهان الأمر، وإن كانت بمجرّدها بائقة الدهر وفاقرة الظهر، فإنا للّه وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العلي العظيم.

فقيل:
لقد أعجب التلميذ النجيب بإجابة أستاذه أيما إعجاب، ورأى فيها المعجزة البيانية في تقريب ما كان يستبعده في المراجعة رقم (83)، واستسلم لأباطيل الموسوي من غير اعتراض ولا تمييز، بل طلب المزيد منها ليزداد الموسوي بعداً عن الحق، وتوغلاً في الإثم وحرماناً من رحمة اللّه سبحانه وتعالى.
وفي المراجعة رقم (86) يستجيب الموسوي لهذا النداء الشيطاني ليخرج على الناس بفرية جديدة، يريد من ورائها تأكيد افتراءاته التي أوردها في المراجعة رقم (48) مستدلاًّ بما سمّاه برزيّة يوم الخميس.
وهي رواية أخرجها البخاري بسنده عن ابن عباس، قال: «لما حُضِرَ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله]، وسلمّ وفي البيت رجال، فقال النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم: هلمّوا أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، فقال بعضهم: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قَرِّبوا يكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم قوموا. قال عبيداللّه: فكان يقول ابن عباس: إن الرزية كلَّ الرزية ما حال بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم» انظر كتاب المغازي 8 : 132 من فتح الباري، وقد أخرجه البخاري في عدة مواطن من صحيحه بألفاظ متقاربة.
لكن الموسوي ـ كعادته ـ إذا أراد الاستدلال بحديث صحيح أشار إليه في موطنه من الصحاح وكتب السنة. ثم يجعله تُكأة لزيادات ضعيفة وموضوعة، وتأويلات فاسدة.
فهو عندما ساق هذه الرواية عمد إلى ما يأتي:
أوّلاً: إتّهم الصحابة وبالأخصّ عمر بن الخطاب بأنه امتنع عن الامتثال لأمر النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم حيث قال: «ائتوني أكتب لكم كتاباً» ومنع أحداً من الحاضرين عن إحضار شيء حتى لا يكتب عليه الصّلاة والسلام شيئاً، واعتبر ذلك تمرّداً من عمر على أوامر رسول اللّه ومعارضة لها، وأنه كان يقصد من وراء ذلك تفويت الفرصة الأخيرة على استخلاف علي رضي اللّه عنه.
والجواب على ذلك من وجوه:
1 ـ إن طلب النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم جاء في وقت قد اشتدّ به المرض والألم الأمر الذي أثار في نفوس أصحابه الشفقة من جهة والإشفاق عليه من جهة ثانية. فلما طلب النبي ما يكتب به كتاباً أشفقوا عليه فكرهوا أن يكلّفوه من ذلك ما يشق عليه وهو في هذه الحال، لا سيما وأنهم كانوا يعلمون أن الأوامر لا تقتضي الوجوب على الاطلاق، بل قد تنضم إليها قرائن تخرجها عن مقتضاها، مستشعرين تمام الإسلام وكماله (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)ومستحضرين قوله عليه الصّلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا كتاب اللّه»، وكانت تلك قرائن على أن طلبه عليه الصّلاة والسلام الكتف والدواة لم يكن على سبيل الإلزام، وأن الكتاب الذي كان سيكتب فيه زيادة إيضاح لما في كتاب اللّه وسنته عليه الصّلاة والسلام. وقد دلّ على هذا تركه عليه الصّلاة والسلام للكتابة عندما تنازعوا وأمره لهم بالقيام عنه، وعدم تكرار الطلب منه رغم أنه عاش الصلاة والسلام أياماً بعدها.
ولو كان الأمر واجباً ما كان له عليه الصّلاة والسلام أن يترك تبليغه لمجرّد اختلافهم وتنازعهم فيه، فقد يؤدي النزاع إلى تأخير التبليغ عن وقت النزاع إلى وقت آخر ولكن لا يؤدي إلى تركه بالكليّة، والذي وقع منه عليه الصّلاة والسلام ترك لا تأخير، الأمر الذي يؤكد أن ما كان يودّ كتابته ليس بالأمر الواجب ـ واللّه أعلم ـ ولهذا، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أوصاهم بعد نزاعهم بثلاث بغير كتابة.
ثم إن القول بأن النزاع فوّت واجباً من واجبات الإسلام أو فرضاً في مهمّة البلاغ، ويلزم منه كذلك نقص الإسلام، ولا شك في بطلان هذا اللازم الذي يلزم منه بطلان الملزوم.
كلّ هذه الأسباب السالفة الذكر، هي التي جعلت الفاروق عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وبعض الحاضرين من الصحابة في بيت النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم آنذاك يرى ألاّ ضرورة تدعو لكتابة النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم لهذا الكتاب، واللّه أعلم.
2 ـ لقد صرح الموسوي في مراجعاته السابقة بأن القصد من وراء إهمال طلب النبي للكتف والدواة، عدم تمكين النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم من كتابة الوصية لعلي رضي اللّه عنه بالخلافة من بعده، وهذا إدعاء واضح البطلان من وجوه.
فكيف عرف الموسوي أن النبي كان يريد أن يكتب في هذا الكتاب وصية لعلي بالخلافة، أطلع الغيب، أم اتخذ عند الرحمن عهداً؟! فإذا كان النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم قد التحق بالرفيق الأعلى دون أن يكتب هذا الكتاب الذي تنوزع فيه، فمن أين للموسوي أن يعرف محتواه؟!
وإذا كان علي رضي اللّه عنه صاحب الوصية المزعومة مات ولم يؤثر عنه كلمة واحدة تبين حقيقة ذلك الكتاب، أو أنه كان على علم بحقائقه، فكيف تسنّى للرافضة معرفة ذلك؟!
وإذا كان النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم قد أوصاهم بثلاث بعد أن تنازعوا عنده، كما ذكرت الروايات التي احتج بها الموسوي في البخاري ـ أوصاهم بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وأن يجيزوا الوفد بنحو ما كان يجيزه عليه الصّلاة والسلام، وسكت عن الثالثة ـ فلماذا لم يعتبر الموسوي هذه الوصية هي عين ما كان يودّ كتابته، كما ذهب إلى ذلك العلماء؟! ولماذا يضرب عنها صفحاً وهي جزء من الحديث؟!
ولو سلّمنا جدلاً بصحة كلام الموسوي، فكيف عرف الفاروق ومن معه هذه الوصية قبل أن يطلب النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم كتابتها، وهي ما زالت في طي الغيب بالنسبة لهم جميعاً؟!
كلّ هذه التساؤلات لا يستطيع الموسوي ولا غيره من الرافضة الإجابة عليها، الأمر الذي يؤكد كذبهم وتناقضهم وتقوّلهم على اللّه ورسوله بغير علم.
3 ـ أما علماء الحديث، فقد اختلفوا في حقيقة هذا الكتاب ولم يجزموا برأي كما جزم الرافضة بغير علم ولا هدى، فقال بعضهم: أراد النبي أن يكتب كتاباً ينص فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف، وقال بعضهم: بل أراد أن ينص على أسامي الخلفاء بعده حتى لا يقع بينهم الاختلاف، ويؤيّده ما أخرجه مسلم في صحيحه: أنه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمنِ» ومع ذلك فلم يكتب. (انظر فتح الباري 1 : 209).
ثانياً: لقد أراد الموسوي أن ينسب إلى الفاروق كلاماً في هذا المقام لم يقله، وما ذلك إلاّ ليحط عليه ويسيء إلى قدره ويدني منزلته، كما هي عقيدة الرافضة فيه وفي صاحبه الصديق رضي اللّه عنهما، فنسب إليه أنه قال: هجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم وأشار إلى أن الفاروق قال كلاماً لا يليق في حق النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، وهذه ادّعاءات لا صحّة لها عند المحققين من أهل العلم بالحديث، بل إنها معارضة بما التقت عليه آراء أهل العلم، وإليك البيان:
1 ـ إن الروايات الصحيحة والمتعددة الطرق لهذا الحديث، لم تنسب إلى الفاروق قولاً غير قوله: «إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه» ولم تزد على ذلك، فهل في هذا القول ما يدلّ على مذهب الموسوي؟! وهل في هذا القول ما يتنافى والأدب مع النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم؟! لا يقول هذا إلاّ حاقد مكابر. بل إن مقولة عمر هذه تنمّ عن خلق رفيع، وأدب جم، وشفقة لا حدود لها بالنبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم.
أما الروايات التي فيها هجر رسول اللّه، أو هجر، أو يهجر. فإنها لم تنسب الكلام إلى الفاروق كما زعم الموسوي، ولا لأحد من الصحابة بعينه، وإنما جاءت بصيغة الجمع: «قالوا: ما شأنه؟ أهَجَر» كما في كتاب المغازي في البخاري، وفي كتاب الجهاد «فقالوا: هجر» بغير همز.
فإذا كانت الروايات متفقة على عدم نسبة القول لأحد بعينه ونسبته إلى الجمع، فكيف استطاع الموسوي أن يتجاوز تلك الروايات كلّها ليجعل القائل لهذه العبارة هو الفاروق عمر رضي اللّه عنه.
2 ـ إن مدّعى الموسوي يتعارض مع ما التقت عليه آراء المحققين من علماء الحديث الذين بيّنوا ووضّحوا تلك الروايات لهذا الحديث، فمن تتبع روايات هذا الحديث في الصحاح والسنن وشروحها لا يجد أحداً من هؤلاء العلماء نسب هذا القول إلى الفاروق رضي اللّه عنه، وكيف يفعلون والروايات لم تصرح بذلك؟!
ونحن نحكي آراء العلماء كما لخّصها ابن حجر من كلام القرطبي:
قال ابن حجر: وحاصله أن قوله: هجر، الراجح فيه إثبات همزة الاستفهام وبفتحات على أنه فعل ماض، قال: ولبعضهم أهُجْراً على أنه مفعول بفعل مضمر أي قال: هُجْراً، والهُجْرُ: الهذيان، والمراد به هنا ما يقع من كلام المريض الذي لا ينتظم، ولا يعتد به لعدم فائدته، ووقوع ذلك من النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم مستحيل لأنه معصوم في صحته ومرضه، لقوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى)ولقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «إني لا أقول في الغضب والرضا إلاّ حقاً» وإذا عرف ذلك، فإنما قاله من قاله ـ أنظر إلى دقة التعبير ـ منكراً على من توقف في امتثال أمره بإحضار الكتف والدواة، فكأنّه قال: كيف تتوقف، أتظن أنه كغيره يقول الهذيان في مرضه؟ امتثل أمره، وأحضر ما طلب، فإنه لا يقول إلاّ الحق، قال: هذا أحسن الأجوبة، قال: ويحتمل أن بعضهم قال ذلك عن شك عرض له، ولكن يبعد أن لا ينكره الباقون عليه مع كونهم من كبار الصحابة، ولو أنكروه عليه لنقل، ويحتمل أن يكون الذي قال ذلك صدر منه عن دهش وحيرة، كما أصاب كثيراً منهم عند موته عليه الصّلاة والسلام.
قال ابن حجر بعد ذلك قلت: ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات التي ذكرها القرطبي، ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام، وكان يعهد أن من اشتد عليه الوجع قد يشتغل به عن تحرير ما يريد أن يقوله لجواز وقوع ذلك. انتهى (فتح الباري 8 : 133).
رابعاً: ثم إن الموسوي اتهم علماء الحديث بعدم الأمانة في النقل عندما قال: «وقد تصرّفوا في الحديث إذ نقلوه بالمعنى، تهذيباً للعبارة، وتقليلاً لما يستهجن منها» وفي مكان آخر يقول أيضاً: «ويدلّك على هذا أيضاً أن المحدّثين حيث لم يصرّحوا باسم المعارض يومئذ نقلوا المعارضة بعين لفظها». ومفهوم كلامه أنه يقرر أن المحدّثين يتلاعبون بألفاظ الحديث، فإذا ذكر اسم الفاروق رضي اللّه عنه نقلوا كلامه في هذا الموطن بالمعنى، وإذا لم يذكروا اسمه نقلوا كلامه بعين لفظه. والجواب على هذا:
1 ـ إنه اتّهام باطل لا دليل عليه ولا مكان له في كتاب معتبر عن أهل العلم بالحديث.
2 ـ ولمّا لم يكن لاتهاماته دليل تنهض بها، فلنا أن نقول بضدّها، لأن الأصل بالإنسان العدالة حتى يثبت خلاف ذلك، هذا في الإنسان العادي، فما بالك بأئمة أجمعت الأمة على عدالتهم، حتى بلغوا مبلغاً من الشهرة لا ينازع فيه.
3 ـ ليس هناك من دواع تدعو هؤلاء العدول الثقات إلى التلاعب بهذا الحديث أو غيره، فلو قدّر أن بعضهم فعل هذا خوفاً من الفاروق، كما يعتقد الرافضة، فما حجتهم في رواة هذا الحديث ممن حمله بعد وفاة عمر، ولو قدّر أن بعضهم فعل هذا تعصّباً فلن ينسحب هذا على عموم حملته ونقلته، ولو قدّر ذلك لعرف لهم معارض.
4 ـ ثم يقال للموسوي: كيف تحتج بروايتهم ثم تطعن بعدالتهم، إن هذا من أقبح التعارض والتناقض.

أقول:
إنّه لابدّ من النظر في أخبار هذه القضية بشيء من الدقّة والتأمّل، فإنّ الكتاب الكريم يقول:
(ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(6).
(إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثمّ أمين * وما صاحبكم بمجنون)(7).
(إنه لقول رسول كريم * وما هو بقولِ شاعر قليلاً ما تؤمنون...)(8).
(ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحيٌ يوحى * علمه شديد القوى)(9).
وهذه الآيات ـ وقد ذكرها السيّد أيضاً ـ دالةٌ على وجوب امتثال أوامر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ونواهيه في جميع الأحوال، وفي أيّ شيء، وفي أيّ وقت من الأوقات... وهذا هو الأصل والأساس الذي بنى عليه العلماء في مختلف العلوم والمسائل... ودليلهم على ذلك: هذه الآيات وأدلة أُخرى من الكتاب والسنّة والعقل.
وأمّا نصوص أخبار القضية، فإنّا نوردها لنفهم هل فيها ما يجوز رفع اليد عن الأصل المذكور أو لا؟(10)
* لقد أخرجوا عن ابن عباس أنه قال: «لمّا حضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي: هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تصّلّوا بعده. فقال عمر: إنّ النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه... فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة...».
وهذا الحديث ذكره السيّد، وهو في كتابي البخاري ومسلم وفي مسند أحمد، وغيرها....
* وأخرجوا عن ابن عباس أنه قال: «يوم الخميس، وما يوم الخميس... فقالوا: هجر رسول اللّه، قال: دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه...».
وأورده السيّد كذلك....
* وأخرجوا عن ابن عباس قال: «يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه حتى رؤيت على خدّيه كأنها نظام اللؤلؤ... فقالوا: إنّ رسول اللّه يهجر...».
وأورده السيّد كذلك أيضاً.
* وأخرجوا عن عمر قال: «كنّا عند النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم وبيننا وبين النساء حجاب، فقال رسول اللّه: اغسلوني بسبع قرب، وايتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً، فقال النسوة: ائتوا رسول اللّه. بحاجته. قال عمر فقلت: أسكتن فإنكنّ صواحبه، إذا مرض عصرتنّ أعينكنّ وإذا صحّ أخذتنّ بعنقه. فقال رسول اللّه: هن خير منكم»(11).
* وأخرجوا عن جابر بن عبداللّه قال: «دعا النبي عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لأُمّته لا يضلّوا ولا يُضلّوا. فلغطوا عنده حتى رفضها النبي»(12).
* وأخرجوا عن ابن عباس قال: «لما حضر رسول اللّه قال: آتوني بكتف أكتب لكم فيه كتاباً لا يختلف منكم رجلان بعدي، قال: فأقبل القوم في لغطهم، فقالت المرأة: ويحكم! عهد رسول اللّه»(13)!
* وأخرجوا: «... فلمّا كثر اللغط والاختلاف وغمّوا رسول اللّه، فقال: قوموا عني»(14).
* وأخرجوا: «... فقال بعض من كان عنده: إن نبي اللّه ليهجر، قال: فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟ قال: أَوَ بعد ماذا؟»(15).
وعلى ضوء هذه النصوص المعتبرة نقول:
1 ـ ليس في هذه النصوص ما يصلح لأن يكون قرينةً على رفع اليد عن الأصل المقرّر، بل بالعكس، فقد جاء فيها: «أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده» أو «كتاباً لا يَضلّون ولا يُضلّون» أو «لا يختلف منكم رجلان بعدي»... ثم بكاء ابن عباس، وتسمية ذلك بـ«الرزيّة».
لا يقال: إنّه لو كان واجباً لما تركه بمجرَّد مخالفتهم.
لأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمّا قيل له: «ألا نأتيك بما طلبت؟» قال: «أو بعد ماذا؟» فإنّه ظاهر في علمه بعدم الفائدة للكتابة بعد المخالفة، على أنّ تركه للكتابة كان بعد مخالفتهم لأمره، وقد كان واجباً عليهم امتثال أمره، كما هو مقتضى الأدلّة.
2 ـ لقد جاء في الأحاديث: «فلما أكثروا اللغط وغمّوا رسول اللّه...» وأنه قال في جواب كلام عمر للنسوة: «هن خير منكم» وأنه لما خالفوه طردهم... وكلّ ذلك ينفي احتمال أن يكون امتناعهم من الامتثال شفقةً عليه... على أنّ مجرد الاحتمال لا يكفي لرفع اليد عن الأصل.
وتلخّص: أن القوم قد خالفوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعصوا أمره، ومن عصى رسول اللّه فقد عصى اللّه، ويكونون قد آذوه، ومن آذى رسول اللّه فقد آذى اللّه....
3 ـ لكنّ القوم الذين منعوه من الكتابة كانوا تابعين لعمر، فهو الذي منع، ولذا جاء في الأحاديث: «فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر» وهو الذي قال للنسوة «أُسكتن» وهو الذي قال: «إن النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه» ومن كان مطروداً من قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كيف يصلح لأن يقوم مقامه من بعده وخليفةً له؟
4 ـ لكن لفظة «قد غلب عليه الوجع» تهذيب للعبارة، وما صرّح أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة ـ وأورده السيد ـ وأيضاً: ما ذكره السيّد من أن المحدثين حيث لم يذكر اسم المعارض، نقلوا المعارضة بعين لفظها... من أحسن الأدلّة على ذلك... بل لقد جائت الكلمة نفسها في بعض كتب القوم منسوبةً إلى عمر....
وما يقال: من أنّ اللفظة منسوبة في بعض الأحاديث إلى الجمع... تأكيد للإشكال، فإنّ الحاضرين لمّا اختصموا كان منهم من يقول ما قال عمر، فأصبحوا جماعةً....
5 ـ وأمّا أنّ سبب المنع هو الحيلولة دون الوصيّة لعلي كتابةً، فهذا ليس إخباراً عن الغيب، بل استظهار من هذه الأخبار وسائر الأحاديث المتعلّقة بباب الإمامة، واستشهد السيّد لذلك بالكلام الذي دار بين عمر وبين ابن عبّاس.
6 ـ وأمّا أنه كيف يغيّر الرواة اللفظة... فهذا ليس بغريب، فقد رأينا عن قريب كيف يجعلون كلمة «كذا وكذا» في مكان اللفظ الصريح، وكيف يبدلون الكلام بجملة «لأفعلنّ ولأفعلنّ» وأمثال ذلك كثيرة جدّاً... فنحن متى ما نستدلّ بنقل هؤلاء المحدثين والمؤلّفين فإنما هو من باب الإلزام والاحتجاج، وإلاّ فنحن غير واثقين حتى بالبخاري ومسلم فضلاً عن غيرهما، وكأنّ الخصم لا يفهم هذا فيتوهّمه تناقضاً!!

تنبيه:
قد أكثر الخصم هنا من تكرار وصف عمر بن الخطّاب بـ«الفاروق» فرأينا من المناسب أن نذكر أنّ كبار القوم يصرّحون بعدم ورود هذا اللقب في حقّه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، بل في بعض المصادر أنّ هذا اللقب له إنما هو من «أهل الكتاب» والمقصود هم «اليهود»!!

(1) سورة الأحزاب: 36.
(2) سورة الأنعام: 38.
(3) سورة المائدة: 3.
(4) وأنت ـ نصر اللّه بك الحق ـ تعلم أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يقل: إن مرادي أن أكتب الأحكام، حتى يقال في جوابه حسبنا في فهمها كتاب اللّه تعالى: ولو فرض أن مراده كان كتابة الأحكام، فلعل النص عليها منه كان سبباً للأمن من الضلال، فلا وجه لترك السعي في ذلك النص اكتفاء بالقرآن، بل لو لم يكن لذلك الكتاب إلاّ الأمن من الضلال بمجرده لما صح تركه والإعراض عنه، إعتماداً على أن كتاب اللّه تعالى وإن كان جامعاً مانعاً، لأن الإستنباط منه غير مقدور لكل أحد، ولو كان الكتاب مغنياً عن بيان الرسول ما أمر اللّه تعالى ببيانه للناس إذ قال عز من قائل: (وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزل إليهم).
(5) سورة النور: 55.
(6) سورة الحشر: 7.
(7) سورة التكوير: 19 ـ 22.
(8) سورة الحاقة: 40 ـ 41.
(9) سورة النجم: 2 ـ 5.
(10) مع الإلتزام بالإختصار، وقد فصّلنا الكلام على حديث القرطاس في بعض مؤلّفاتنا كشرح منهاج الكرامة. ولنا فيه رسالة خاصّة أيضاً.
(11) الطبقات الكبرى 2 : 243.
(12) الطبقات الكبرى 2 : 244.
(13) مسند أحمد 1 : 483، المعجم الكبير 11 : 36، سبل الهدى 12 : 248.
(14) الطبقات الكبرى 2 : 244.
(15) الطبقات الكبرى 2 : 242.

تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات (4) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=17&mid=190&pgid=2100