نقد الإشكال في الاستدلال

نقد الإشكال في الاستدلال
أقول:
ظاهر الفقهاء عدم تأثير الإجازة بعد الردّ، لأنه بالردّ ينتفي الموضوع، إلاّ أنّ للبحث في ذلك مجالاً، كما سيأتي إنْ شاء الله.
والكلام فعلاً في الصغرى، بناءً على ما ذهبوا إليه، فهل الصّحيحة ظاهرة في الإجازة المسبوقة بالردّ من جهة المخاصمة في ذلك؟
الجواب: إنّ المخاصمة ظاهرة في عدم الإجازة، وعدم الإجازة ليس بردٍّ، لوجود الواسطة بين الرّضا والكراهة.
سلّمنا دلالة عدم الرّضا على الكراهة، لكنّ الكراهة الباطنيّة ليست ردّاً وفسخاً، لأن الفسخ أمر إنشائي إمّا بالقول وإمّا بالعمل.
على أنه يحتمل أنْ تكون مخاصمته لاسترجاع الثمن الذي أكله الولد، فلا دلالة فيها على الردّ والفسخ.
وتلخّص: سقوط استظهار كون الإجازة بعد الردّ من المخاصمة.
واستظهر ذلك أيضاً: من قول الإمام عليه السّلام: «الحكم أن تأخذ الوليدة» الظاهر في علمه بفسخ المالك بردّ البيع، وإلاّ لقال: خذ الوليدة إنْ لم ترد البيع.
وفيه: كان المالك يتوهّم عدم جواز أخذ الوليدة، والأمر مع توهّم الحظر يدلّ على الجواز، كما تقرّر في الاُصول، إذ للمالك ما لم يجز البيع أنْ يأخذ ملكه، فإمّا يجيز أوْ لا، فلا يدلّ إطلاق الحكم بالأخذ على أنه قد ردّ، بل كان الإمام على علم بأنه لم يرد، فأجاز له أخذ الوليدة لينظر في أمره.
واستظهر الردّ ثالثاً من أخذ الوليدة، فإنّه ردٌّ للبيع وفسخ له عملاً.
وفيه: ليس في الرّواية أخذ الوليدة. نعم، قد اُذن له بذلك. سلّمنا، لكنّه ليس بفسخ عملي، لأن الفسخ عملاً إنما يكون حيث توجد الملازمة بين ذاك العمل وانحلال العقد، بأن لا يعقل بقاؤه، كما لو باع المبيع في زمن الخيار، فإنّه ملازمٌ بالضّرورة مع انحلال العقد الأوّل، لأنّ ملكيّة الثاني للمبيع تضادّ ملكيّة الأوّل له، واجتماعهما غير معقول، وليس ما نحن فيه من هذا القبيل، لأنه لم يجز البيع ولم يفسخ، وأخذ الوليدة لا يلازم الفسخ، وإنما يأخذها ليتأمّل وينظر في الأمر. وبعبارة اخرى: أخذها لا ينافي بقاء العقد، لإمكان الإجازة بعد الأخذ.
ورابعاً: مناشدة المشتري للإمام عليه السّلام وإلحاحه عليه في فكاك ولده، يكشف عن فسخ العقد من قبل المالك.
وفيه: إنما ناشد الإمام عليه السّلام فكاك ولده، وهذا لا يكشف عن الفسخ، بل إنه أراد من الإمام أن يعلّمه ماذا يفعل حتى يجيز المالك البيع، ولذا قال الإمام: خذ ابنه حتى ينفذ البيع.
وخامساً: إنّ أخذ الولد مع عدم الردّ غير جائز، لأنه حرّ والحرّ لا يجوز حبسه، فكان الأخذ إمّا من جهة اطّلاع المالك على أنّ المشتري قد أقدم على الشراء ثم استيلاد الجارية، عالماً بكون البائع فضوليّاً، فيكون الوليد ابن زنا وهو رقّ فيرجع إلى المالك، أو من جهة كون الوليد نماءً للجارية مع فرض جهل المشتري والوطي شبهةً، وعليه حينئذ دفع قيمته يوم الولادة.
فالأخذ ـ ولو بجعله رهينةً للقيمة ـ كاشف عن ردّ البيع وبطلانه، وإلاّ لم يجز له أخذ الولد.
وفيه: إنه ما دام لم يجز البيع ولم يرد، فالوليدة ملك له، وكذا ابنها لكونه نماءً لها، فإن كانت الإجازة ناقلةً، استحقّ القيمة حتى بعدها، لضمان المشتري جميع التصرّفات إلى حين الإجازة، وإنْ كانت كاشفة، كان له أخذ الولد لكونه نماءً لملكه. وعلى كلّ حال، فإنّ أخذ المالك الوليدة من المشتري لا يكشف عن ردّ البيع.
وتلخّص: عدم تماميّة دعوى تحقّق الردّ، ولا دلالة في شيء مما ذكر على ذلك]1[.

]1[ وحاصل الكلام: دعوى ظهور الرواية في تأثير الإجازة المسبوقة بالردّ، وهذا خلاف الإجماع القائم على عدم التأثير. أمّا السيّد الجدّ، فلا يعتبر هذا الإجماع، ومختاره تأثير الإجازة بعد الرّد ـ كما سيأتي ـ . مضافاً إلى رفع الإشكال من ناحية ألفاظ الرّواية المستظهر منها المخالفة للإجماع. وأمّا غيره من الأكابر، فمنهم من دفع الإشكال: بأنّ المسلّم من كون الرّد مانعاً عن الإجازة هو ما إذا كان صريحاً، لا في مثل المقام الذي ليس إلاّ إظهار الكراهة. مع أن هذا الإجماع لايكون كاشفاً قطعاً.(1)
ففي هذه العبارة وجهان: أحدهما اعتبار الصّراحة في الرّد، والرواية ليست كذلك. والآخر إنكار كاشفيّة الإجماع عن رأي المعصوم عليه السّلام.
ومنهم: من ذكر الوجه الأوّل، وحَمَل الألفاظ على معنىً لاينافي الإجماع، من قبيل ما أفاد السيّد الجدّ، ثمّ قرب ذلك بوجه برهاني أيضاً.(2)
ومنهم: من اعتمد على الفقرتين الصريحتين في صحّة عقد الفضولي بالإجازة اللاّحقة، وهما: قوله عليه السّلام: «خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتّى ينفّذلك البيع» وجملة: «فلما رأى ذلك سيّد الوليدة أجاز بيع ابنه» ورفع اليد

(1) حاشية السيّد اليزدي 2 / 111.
(2) حاشية الإصفهاني 2 / 86 ـ 87 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *