تكذيب ابن تيميّة قصّة توبة بشر على يد الإمام

الشرح:
وكذَّب ابن تيمية هذه الحكاية كسابقتها، وعلّل تكذيبه للعلاّمة هذه المرّة بقوله المضحك المبكي: «وأما قوله: تاب على يده بشر الحافي، فمن أكاذيب من لا يعرف حاله ولا حال بشر، فإن موسى بن جعفر لما قدم به الرشيد إلى العراق حبسه، فلم يكن ممن يجتاز على دار بشر وأمثاله من العامة»(1).
فإذا كان العلاّمة لا يعرف حال الإمام فمن العارف؟ إنه ليس لهذا الرجل أن يدّعي المعرفة بأحوال أئمة أهل البيت بقدر ما يعرفه أفراد العوام من شيعتهم… وأصدق شاهد على جهله بأحوالهم نفس هذا الكلام ـ إن سلّمنا صدوره عن الجهل لا العناد للأئمة عليهم السّلام ـ لأن الإمام عليه السلام قد أطلق سراحه من السجن بأمر من هارون، وكان في بغداد مدّة من الزمن، ثم عاد هارون فسجنه حتى لحق بآبائه مسموماً، وهذا مما اتفق عليه المؤرخون وفيه كرامة من كرامات الإمام عليه السلام.
فقد قال ابن خلكان بترجمته عليه السلام: «قال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي في كتاب مروج الذهب في أخبار هارون الرشيد: إن عبد اللّه بن مالك الخزاعي كان على دار هارون الرشيد وشرطته، فقال: أتاني رسول الرشيد وقتاً ما جاءني فيه قط، فانتزعني من موضعي، ومنعني من تغيير ثيابي، فراعني ذلك، فلمّا صرت إلى الدار سبقني الخادم فعرف الرشيد خبري، فأذن لي في الدخول عليه فدخلت، فوجدته قاعداً في فراشه، فسلّمت عليه، فسكت ساعة، فطار عقلي، وتضاعف الجزع علي، ثم قال:
يا عبد اللّه، أتدري لم طلبتك في هذا الوقت؟
قلت: لا واللّه يا أمير المؤمنين.
قال: إني رأيت الساعة في منامي كأن حبشياً قد أتاني ومعه حربة فقال: إن خلّيت عن موسى بن جعفر الساعة وإلا نحرتك في هذه الساعة بهذه الحربة، فاذهب فخلّ عنه.
قال: فقلت: يا أمير المؤمنين أطلق موسى بن جعفر، ثلاثاً؟
قال: نعم، إمض الساعة حتى تطلق موسى بن جعفر، وأعطه ثلاثين ألف درهم وقل له: إن أحببت المقام قبلنا فلك عندي ما تحب، وإن أحببت المضي إلى المدينة فالإذن في ذلك لك.
قال: فمضيت إلى الحبس… وخلّيت سبيله وقلت له: لقد رأيت من أمرك عجباً.
قال: فإني أخبرك، بينما أنا نائم، إذ أتاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال: يا موسى، حبست مظلوماً فقل هذه الكلمات، فإنك لا تبيت هذه الليلة في الحبس. فقلت: بأبي وأمي ما أقول؟ قال: قل: يا سامع كلّ صوت ويا سابق كلّ فوت ويا كاسي العظام لحماً ومنشرها بعد الموت، أسألك بأسمائك الحسنى وباسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطّلع عليه أحد من المخلوقين، يا حليماً ذا أناة لا يقوى على أناته، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ولا يحصى عدداً، فرّج عني، فكان ما ترى»(2).
ولقد كانت هذه الفترة فرصة لاستفادة المستفيدين منه، وهداية المسترشدين على يده، ومنهم بشر الحافي، الذي تاب حتى كان من خيرة الصّالحين على ما ذكروا بتراجمه.
وإذ سمعت هذا، فاحكم على هذا المعترض على العلاّمة بما شئت.

(1) منهاج السنة 4 / 57 .
(2) وفيات الأعيان 5 / 309 ـ 310.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *