انكار عائشة الوصية

انكار عائشة الوصية
ثمّ قال السيّد:
«أبيت ـ أيّدك اللّه ـ إلاّ التفصيل، حتّى اضطررتني إليه، وأنت عنه في غنية تامّة؛ لعلمك بأنّا من ها هنا أُتينا، وإنّ هنا مصرع الوصيّة ومصارع النصوص الجليّة، وهنا مهالك الخمس والإرث والنحلة، وها هنا الفتنة، ها هنا الفتنة، ها هنا الفتنة(1)، حيث جابت في حرب أمير المؤمنين الأمصار، وقادت في انتزاع ملكه وإلغاء دولته ذلك العسكر الجرّار.
وكان ما كان ممّا لست أذكره *** فظُن خيراً ولا تسأل عن الخبرِ
فالاحتجاج على نفي الوصيّة إلى عليّ بقولها ـ وهي من ألدّ خصومه ـ مصادرة لا تُنتظر من منصف، وما يوم عليّ منها بواحد….
وهل إنكار الوصيّة إلاّ دون يوم الجمل الأصغر(2)، ويوم الجمل الأكبر، اللّذين ظهر بهما المضمر، وبرز بهما المستتر؟!
ومثل بهما شأنها من قبل خروجها على وليّها ووصيّ نبيّها، ومن بعد خروجها عليه، إلى أن بلغها موته فسجدت للّه شكراً، ثمّ أنشدت(3):
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى *** كما قرّ عيناً بالإياب المسافر
وإن شئت ضربت لك من حديثها مثلاً يريك أنّها كانت في أبعد الغايات….
قالت(4): لمّا ثقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم واشتدّ به وجعه، خرج وهو بين رجلين، تخطّ رجلاه في الأرض، بين عبّاس بن عبدالمطّلب ورجل آخر.. قال المحدّث عنها ـ وهو عبيداللّه بن عبداللّه بن عتبة بن مسعود ـ: فأخبرت عبداللّه بن عبّاس عمّا قالت عائشة، فقال لي ابن عبّاس: هل تدري مَن الرجل الذي لم تسمّ عائشة؟
قال: قلت: لا.
قال ابن عبّاس: هو عليّ بن أبي طالب. ثمّ قال(5): إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير. انتهى.
قلت: إذا كانت لا تطيب له نفساً بخير، ولا تطيق ذكره في مَن مشى معه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خطوة، فكيف تطيب له نفساً بذكر الوصيّة وفيها الخير كلّه؟
وأخرج الإمام أحمد من حديث عائشة في ص 113 من الجزء السادس من مسنده: عن عطاء بن يسار، جاء رجل فوقع في عليّ وفي عمّار عند عائشة، فقالت: أمّا عليّ، فلست قائلة لك فيه شيئاً، وأمّا عمّار، فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول فيه: لا يخيّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما. انتهى.
وَي! وَي! تحذّر أمّ المؤمنين من الوقيعة بعمّار لقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: لا يخيّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما، ولا تحذّر من الوقيعة في عليّ، وهو أخو النبيّ، ووليّه، وهارونه، ونجيّه، وأقضى أُمّته، وباب مدينته، ومن يحبّ اللّه ورسوله، ويحبّه اللّه ورسوله، أوّل الناس إسلاماً، وأقدمهم إيماناً، وأكثرهم علماً، وأوفرهم مناقب….
وَي! كأنّها لا تعرف منزلته من اللّه عزّ وجلّ، ومكانته من قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ومقامه في الإسلام، وعظيم عنائه، وحسن بلائه، وكأنّها لم تسمع في حقّه من كتاب اللّه وسُنّة نبيّه شيئاً يجعله في مصاف عمّار.
ولقد حار فكري ـ واللّه ـ في قولها: لقد رأيت النبيّ وإنّي لمسندته إلى صدري، فدعا بالطست، فانخنث فمات، فما شعرت، فكيف أوصى إلى عليّ؟
وما أدري في أي نواحي كلامها هذا أتكلّم، وهو محلّ البحث من نواحي شتّى، وليت أحداً يدري كيف يكون موته ـ بأبي وأمّي ـ وهو على الحال التي وصفتها، دليلاً على أنّه لم يوصِ؛ فهل كان من رأيها أنّ الوصيّة لا تصحّ إلاّ عند الموت؟!
كلاّ، ولكن حجّة مَن يكابر الحقيقة داحضة، كائناً مَن كان، وقد قال اللّه عزّ وجلّ مخاطباً لنبيّه الكريم، في محكم كتابه الحكيم: (كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصيّة)(6).
فهل كانت أُمّ المؤمنين تراه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لكتاب اللّه مخالفاً، وعن أحكامه صادفاً؟!
معاذ اللّه وحاشا للّه، بل كانت تراه يقتفي أثره ويتّبع سوَره، سبّاقاً إلى التعبّد بأوامره ونواهيه، بالغاً كلّ غاية من غايات التعبّد بجميع ما فيه.
ولا أشكّ في أنّها سمعته يقول(7): ما حقّ أمرئ مسلم له شيء يوصي فيه أن يبيت ليلتين، إلاّ وصيّته مكتوبة عنده. انتهى..
أو سمعت نحواً من هذا؛ فإنّ أوامره الشديدة بالوصيّة ممّا لا ريب في صدوره منه، ولا يجوز عليه ولا على غيره من الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين، أن يأمروا بالشيء ثمّ لا يأتمروا به، أو يزجروا عن الشيء ثمّ لا ينزجروا عنه، تعالى اللّه عن إرسال مَن هذا شأنه علوّاً كبيراً.
أمّا ما رواه مسلم وغيره عن عائشة، إذ قالت: ما ترك رسول اللّه ديناراً ولا درهماً ولا شاةً ولا بعيراً، ولا أوصى بشيء؛ فإنّما هو كسابقه.
على أنّه لا يصحّ أن يكون مرادها أنّه ما ترك شيئاً على التحقيق، وأنّه إنّما كان صفراً من كلّ شيء يوصي به.
نعم، لم يترك من حطام الدنيا ما يتركه أهلها، إذ كان أزهد العالمين فيها، وقد لحق بربّه عزّ وجلّ وهو مشغول الذمّة بدَيْن(8) وعدات، وعنده أمانات تستوجب الوصيّة، وترك ممّا يملكه شيئاً يقوم بوفاء دينه وإنجاز عداته، ويفضل عنهما شيء يسير لوارثه، بدليل ما صحّ من مطالبة الزهراء عليها السلام بإرثها(9).
على أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد ترك من الأشياء المستوجبة للوصيّة ما لم يتركه أحد من العالمين….
وحسبك أنّه ترك دين اللّه القويم في بدء فطرته وأوّل نشأته، ولهو أحوج إلى الوصيّ من الذهب والفضّة، والدار والعقار، والحرث والأنعام، وأنّ الأُمّة بأسرها ليتاماه وأياماه المضطرّون إلى وصيّه؛ ليقوم مقامه في ولاية أُمورهم وإدارة شؤونهم الدينية والدنيوية.
ويستحيل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يوكل دين اللّه ـ وهو في مهد نشأته ـ إلى الأهواء، أو يتّكل في حفظ شرائه على الآراء، من غير وصيّ يعهد بشؤون الدين والدنيا إليه، ونائب عنه يعتمد في النيابة العامّة عليه.
وحاشاه أن يترك يتاماه ـ وهم أهل الأرض في الطول والعرض ـ كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، ليس لها من يرعاها حقّ رعايتها.
ومعاذ اللّه أن يترك الوصيّة بعد أن أُوحي بها إليه، فأمر أُمّته بها، وضيّق عليهم فيها، فالعقل لا يصغي إلى إنكار الوصيّة مهما كان منكرها جليلاً.
وقد أوصى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى عليّ في مبدأ الدعوة الإسلاميّة قبل ظهورها في مكّة، حين أنزل اللّه سبحانه: (وأنذر عشيرتك الأقربين)(10) ـ كما بيّناه في المراجعة 20 ـ ولم يزل بعد ذلك يكرّر وصيّته إليه، ويؤكّدها المرّة بعد المرّة، بعهوده التي أشرنا في ما سبق من هذا الكتاب إلى كثير منها، حتّى أراد وهو محتضر ـ بأبي وأمّي ـ أن يكتب وصيّته إلى عليّ، تأكيداً لعهوده اللفظية إليه، وتوثيقاً لعرى نصوصه القوليّة عليه، فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً. فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع، فقالوا: هجر رسول اللّه(11). انتهى.
وعندها علم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه لم يبقَ ـ بعد كلمتهم هذه ـ أثر لذلك الكتاب إلاّ الفتنة، فقال لهم: قوموا، واكتفى بعهوده اللفظية.
ومع ذلك فقد أوصاهم عند موته بوصايا ثلاث: أن يولّوا عليهم عليّاً، وأن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأن يجيزوا الوفد بنحو ما كان يجيزه. لكن السلطة والسياسة يومئذ ما أباحتا للمحدّثين أن يحدّثوا بوصيّته الأُولى، فزعموا أنّهم نسوها..
قال البخاري ـ في آخر الحديث المشتمل على قولهم: هجر رسول اللّه(12) ـ ما هذا لفظه: وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزه. ثمّ قال: ونسيت الثالثة.
وكذلك قال مسلم في صحيحه، وسائر أصحاب السُنن والمسانيد.
أمّا دعوى أُمّ المؤمنين بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لحق بربّه تعالى وهو في صدرها، فمعارضة بما ثبت من لحوقه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالرفيق الأعلى وهو في صدر أخيه ووليّه عليّ بن أبي طالب؛ بحكم الصحاح المتواترة عن أئمّة العترة الطاهرة، وحكم غيرها من صحاح أهل السُنّة، كما يعلمه المتتبّعون»(13).

فقيل:
«لا شكّ في فضل عائشة رضي اللّه عنها، فهي زوج النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، وأمّ المؤمنين، وكذا سائر أزواجه عليه الصّلاة والسلام.
كما أنّه لا شكّ في فضل السيّدة خديجة رضي اللّه عنها، فهي أوّل مَن أسلم من النساء، وهي التي وقفت إلى جانبه عليه الصلاة والسلام في بداية دعوته في مكّة، مؤيّدة ومناصرة ومواسية، حتّى انتقلت إلى الرفيق الأعلى، فسمّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذلك العام عام الحزن.
وأهل السنّة والجماعة يقدّرون لكلّ واحدة من أمّهات المؤمنين قدرها وفضلها، وكتبهم شاهدة، سواء في ذلك الصحاح منها، وكتب السنّة والمسانيد.
أمّا من حيث أفضليّة بعضهنّ على بعض، فلا شكّ في فضل خديجة؛ لما قدّمته للدعوة الإسلاميّة، وللنبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، ولهذا كان يكنّ لها عليه الصلاة والسلام الحبّ والتقدير، حتّى بعد مماتها رضي اللّه عنها.
ومن المعلوم أنّه عليه الصّلاة والسلام، لم يتزوّج بغيرها إلاّ بعد مماتها رضي اللّه عنها، فلا يمكن مقارنتها مع غيرها، أمّا إذا ما قارنّا السيّدة عائشة مع غيرها من أمّهات المؤمنين اللواتي اجتمعن معها في بيت النبوّة، فإنّ السيّدة عائشة تفوقهنّ فضلاً، يدرك ذلك كلّ من له معرفة بفضائل أمّهات المؤمنين، التي ساقتها لنا الصحاح والمسانيد.
أمّا الرافضة ـ والموسوي واحد منهم ـ فإنّهم لا ينطلقون في حبّهم وكرههم وتفضيلهم لأحد على الآخر، إلاّ من منطلق التعصّب والهوى. فأحاديث البخاري في فضل خديجة رضي اللّه عنها، لا يستدلّ بها الموسوي إيماناً منه بصحّتها، وإنّما لأنّها وافقت مذهبه وهواه، وإلاّ فلماذا لا يقول بفضل عائشة، وقد أخرج البخاري أحاديث كثيرة في فضلها، بل نراه على العكس من ذلك، يضرب بهذه الأحاديث عرض الحائط، لا لشيء إلاّ لأنّها تخالف عقيدته ومذهبه، فلا يذكر عنها الاّ المثالب.
ومنطلق الرافضة في القول بفضل خديجة رضي اللّه عنها، أنّها أمُّ فاطمة وجدّة الحسن والحسين رضي اللّه عنهما ليس إلاّ.
ومنطلق رفضهم لأحاديث عائشة في الوصيّة، إنّما هو عدم موافقتها لمذهبهم ومعتقدهم أيضاً، لذا قال الموسوي مبيّناً سبب إعراضهم عن حديثها: «أمّا إعراضنا عن حديثها في الوصيّة؛ فلكونه ليس بحجّة».
ولو سألنا الرافضة ـ والموسوي واحد منهم ـ لماذا تركتم الاحتجاج بحديث عائشة في الوصيّة؟ لَما استطاعوا أن يأتوا بجواب يطعن بحجّيته؛ لأنّه حديث لا مرية في صحّته عند أهل العلم بالحديث، وله شواهد من غير طريق عائشة، كما سبق بيانه في الردّ على المراجعات السابقة، عند ذلك لا يبقى سبب لعدم الاحتجاج بهذا الحديث الصحيح إلاّ التعصّب والهوى، وهو الأساس الذي تعتمده الرافضة في قبول وردّ الرواية. فتأمّل هذا تجده واضحاً.
أمّا الأحاديث التي ساقها الموسوي في المراجعة 68، 70، فلا حجّة له فيها؛ لأنّها أحاديث هالكة عند أهل العلم بالحديث، وقد سبق بيان ذلك، وبالتالي فإنّه لا يصحّ أن يعارض بها حديث عائشة في الوصيّة؛ إذ لا يصحّ أن يعارض الحديث الصحيح بأُخرى بواطيل.
وفي المراجعة رقم 73 تعجّب ممّا جاء فيها على لسان شيخ الأزهر من المداهنة والمجاملة على حساب الحقّ، حيث أثنى على الموسوي بما ليس له أهل، فشهد له بعدم الخداع والسلامة من الغشّ والنفاق، وواللّه إنّ الموسوي ما ترك من الخداع والنفاق والغشّ شيئاً لأحد من الناس، وهل أتى الموسوي في مراجعاته بغير الغشّ والنفاق والخداع، حتّى يكون بريئاً من ذلك؟
وفي المراجعة رقم 74 استجاب الموسوي إلى ما طلب منه من التفصيل في سبب الإعراض عن حديث عائشة. فليته ذكر سبباً من الأسباب التي تردّ بها الرواية عادة، وتعدّ عند أهل العلم مطعناً يفقد الرواية حجّيتها، لكنّه ردّ ذلك الإعراض إلى خصومة بينها وبين عليّ رضي اللّه عنه، والتي دفعتها إلى إنكار وصيّة النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم لعليّ رضي اللّه عنه بالخلافة، وجوابنا على ذلك من وجوه:
الأوّل: المطالبة بصحّة هذا الإدّعاء، فهو اتّهام خطير لم يثبت بشيء من الكتب المعتمدة عند أهل العلم بالرواية، ولم تنقل لنا أنّ أحداً من العلماء اتّهم عائشة بهذا الاتّهام، ولو كان ما زعمه الموسوي حقّاً لأوضح ذلك الصحابة وبيّنوه أوضح بيان، ولكن إقرارهم لحديثها وسكوتهم عليه مع توفّر الدواعي للإنكار عليها ولو من أهل البيت أنفسهم بما فيهم عليّ بن أبي طالب أيّام خلافته أو قبلها، لدليل على كذب مدّعى الموسوي.
الثاني: لو سلّمنا جدلاً بما ادّعاه الموسوي من أنّ الخصومة هي التي دفعت عائشة لإنكار وصيّة النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم استخلاف عليّ، فما جواب الرافضة على الروايات الأُخرى الصحيحة التي نفت أن يكون النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم قد أوصى لأحد بشيء عن ابن عبّاس، وابن أبي أوفى، فهل كان هؤلاء خصوماً لعليّ بن أبي طالب؟! بل وما جوابهم على قول عليّ يوم الجمل: «يا أيّها الناس، إنّ النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئاً»، أخرجه الإمام أحمد، والبيهقي في الدلائل.
الثالث: أنّه نقل كلاماً مغلوطاً مبالغاً فيه، في خبر ما كان في موقعة الجمل، متّهماً عائشة وطلحة والزبير، أنّهم خرجوا لقتال عليّ، وأنّها أظهرت بذلك ما كانت تضمره من عداء له، وأنّها سجدت شكراً للّه عند موت عليّ بن أبي طالب.
في حين أنّ كتب التاريخ والرواية متّفقة على أنّها خرجت ومن معها من الصحابة مطالبين بدم عثمان، واتّجهوا إلى البصرة ليثأروا لعثمان من قتلته الّذين لجأوا للبصرة آنذاك.
ولو أرادوا قتال عليّ كما تزعم الرافضة، لتوجهوا إلى عليّ رضي اللّه عنه، الذي كان متوجّهاً بجيشه إلى بلاد الشام.
ولمّا لم يُخَلِّ عثمان بن حنيف بينهم وبين قتلة عثمان، كان ما كان من القتال في بداية الأمر، وعندما قدم عليّ بن أبي طالب إلى البصرة تاركاً بلاد الشام، دعا طلحة والزبير إلى الصلح، فمالوا إليه جميعاً، بما فيهم السيّدة عائشة، وقرّر الطرفان الارتحال عن البصرة والعودة إلى المدينة، عند ذلك سارع قتلة عثمان بقيادة عبداللّه بن سبأ اليهودي المعروف بابن السوداء إلى إشعال نار الفتنة بين الطرفين، وليس فيهم من الصحابة أحد وللّه الحمد والمنّة، فكان ما من الاقتتال الذي ذهب ضحيّته آلاف القتلى. انظر تفصيل ذلك في البداية والنهاية لابن كثير 7 : 230 ـ 246.
أمّا استدلال الموسوي على كره عائشة لعليّ بحديث البخاري عن عائشة: «لمّا ثقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، واشتدّ وجعه خرج وهو بين رجلين تخطّ رجلاه في الأرض، بين عبّاس بن عبدالمطّلب ورجل آخر، قال عبيداللّه: فأخبرت عبداللّه بالذي قالت عائشة، فقال لي عبداللّه بن عبّاس: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تُسمّ عائشة؟ قال: قلت: لا قال ابن عبّاس: هو عليّ». هذه رواية البخاري. الفتح 8 / 141.
لكنّ الموسوي زعم أنّ رواية البخاري هذه ناقصة، وأنّ البخاري ترك من كلام ابن عبّاس قوله: «إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير». واتّهم البخاري أنّه تعمّد تركها جرياً على عادته.
والجواب على ذلك: أنّ البخاري رحمه اللّه له شروط دقيقة وشديدة في الرواية والراوي معاً، لابدّ من تحقّقها حتّى يخرّج الرواية أو يخرّج للراوي، وهذا أمر لا يجهله أحد من أهل العلم، وليس هنا مجال بسطه، وهذه ميزة امتاز بها البخاري عن غيره من علماء الحديث، الأمر الذي جعل كتابه في الحديث أصحّ كتاب بعد كتاب اللّه.
ولمّا لم تتحقّق شروطه في هذه الزيادة التي اتّهمه الموسوي بتركها، أعرض عنها ولم يخرّجها، ولا حجّة في تخريج ابن سعد لها؛ لأنّ ابن سعد لا يشترط ما اشترطه البخاري من الشروط.
وإذا ما طبّقنا شروط البخاري على هذه الرواية، نجدها غير صحيحة؛ ففي سندها يونس بن يزيد الأيلي، قال عنه ابن سعد الذي أخرج هذه الزيادة: ليس بحجّة، وقال وكيع: سيّء الحفظ، وكذا فقد استنكر له أحمد بن حنبل أحاديث، وقال الأثرم: ضَعّف أحمد أمر يونس، وقال الذهبي: ثقة حجّة. الميزان 4 : 484.
وقال ابن حجر العسقلاني في التقريب: ثقة إلاّ أنّ في روايته عن الزهري وهماً، وفي غير الزهري خطأ.
وفي سندها أيضاً معمر بن راشد، قال ابن حجر في التقريب بعد أن وثّقه: إلاّ أنّ في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئاً، وكذا فيما حدّث به بالبصرة، وروايته للحديث هذا كانت في البصرة. تأمّل هذا أخي المسلم؛ يتّضح لك سبب ترك البخاري لهذه الزيادة، وكذب الموسوي على البخاري وظلمه له.
أمّا الرواية التي ساقها الموسوي، والتي أخرجها الإمام أحمد في صفحة 113 من الجزء السادس، عن عطاء بن يسار، قال: جاء رجل فوقع في عليّ وفي عمّار عند عائشة… الرواية.
ففي سندها حبيب بن أبي ثابت بن قيس، كان كثير الإرسال والتدليس. (انظر ترجمته في تقريب التهذيب). وفي سنده أيضاً أبو أحمد محمّد بن عبداللّه بن الزبير. قال العجلي: يتشيّع، وقال أبو حاتم: له أوهام. انظر ترجمته في الخلاصة ص 344.
ثمّ إنّ الرواية لم تبيّن لنا مَن هذا الرجل الذي وقع في عليّ وعمّار، ولم توضّح لنا كلامه فيهما، فكيف فهم الموسوي من هذه الرواية أنّ عائشة تبيح وتجيز الوقيعة بعليّ رضى اللّه عنه؟ على أنّه قد يكون في كلام الرجل ما يبرّر لعائشة رضي اللّه عنها مثل هذه الإجابة، نقول هذا على فرض صحّة الرواية، وقد قدّمنا ما ينفي عنها ذلك.
أمّا إنكار الموسوي حجّية حديث عائشة الصحيح: «ولقد رأيت النبيّ وإنّي لمسندته إلى صدري، فدعا بالطشت فانخنث فمات، فما شعرت، فكيف أوصى إلى عليّ».
فجوابه: أنّ عائشة نفت أن يكون النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم أوصى لعليّ بالخلافة؛ لأنّها تعلم كما يعلم كلّ الصحابة بما فيهم عليّ بن أبي طالب أنّه لم يوص لأحد بالخلافة قبل مرضه، ويوم أن مرض كانت رضي اللّه عنها تمرّضه في بيتها، ولم تفارقه حتّى مات عليه الصّلاة والسلام دون أن يوصي بذلك، فمتى كانت هذه الوصيّة المزعومة؟! تأمّل هذا تجده واضحاً.
أمّا ما رواه مسلم وغيره عن عائشة: «ما ترك رسول اللّه درهماً ولا شاةً ولا بعيراً… الحديث» فقد ردّه الموسوي، كما ردّ الحديث الذي سبقه، ثمّ قال: على أنّه لا يصحّ أن يكون مرادها أنّه ما ترك شيئاً على التحقيق. وزعم بأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ترك مالاً بعد مماته، فقال: «وترك ممّا يملكه شيئاً يقوم بوفاء دينه، وإنجاز عداته، ويفضل عنهما شيء يسير لوارثه»، واستدلّ على قوله هذا بمطالبة فاطمة الزهراء بإرثها.
فجواب ذلك: أنّ الأحاديث الصحيحة الثابتة متضافرة على أنّه عليه الصّلاة والسلام لم يترك من حطام الدنيا شيئاً، والأحاديث هذه ليست من طريق عائشة وحدها، بل جاءت من طرق أُخرى، فقد أخرج البخاري بسنده عن عمرو بن الحارث ختن رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، أخي جويريّة بنت الحارث، قال: «ما ترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم عند موته درهماً ولا ديناراً ولا عبداً ولا أمةً ولا شيئاً، إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضاً جعلها صدقة». فتح الباري 5 : 356.
والمراد ممّا جاء في الحديث من نفي الوصيّة «ولا أوصى بشيء» إنّما هو نفي لوصيّة مخصوصة، وهي الوصيّة بالخلافة، وليس المقصود بنفي الوصيّة مطلقاً، يوضّح ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث طلحة بن مُصَرِّف، قال: «سألت عبداللّه بن أبي أوفى رضي اللّه عنهما: هل كان النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم أوصى؟ فقال: لا. فقلت: كيف كتب على الناس الوصيّة أو أُمِروا بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب اللّه».
أمّا بشأن مطالبة فاطمة بإرثها من أبيها عليه الصّلاة والسلام، فجوابه من وجوه:
الأوّل: إنّ الموسوي كعادته يمتنع عن سرد كلّ رواية صحيحة إذا كانت تخالف مذهبه، ويكتفي بالإشارة إليها بطريقة توهم القارىء بصحّة مدّعاه، وهذا ما فعله في أمر مطالبة فاطمة رضي اللّه عنها بإرثها من أبيها صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم. انظر إلى قوله: (بدليل ما صحّ من مطالبة الزهراء بإرثها)، وفي التعليق على هذه العبارة اكتفى بعزوها إلى صحيحي البخاري ومسلم. وأعرض عن سرد الرواية؛ لأنّها بتفصيلاتها تتعارض تماماً مع ما ادّعاه.
ونحن نسوق هنا رواية البخاري؛ ليتّضح للقارىء صحّة ما قلناه في الموسوي.
قال البخاري حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي اللّه عنها: «أنّ فاطمة عليها السلام بنت النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة، وفدك، وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم قال: لا نورّث ما تركناه صدقة، إنّما يأكل آل محمّد صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم من هذا المال، وإنّي واللّه لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم. فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً.
فوجَدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت، وعاشت بعد النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ستّة أشهر. الفتح 7 : 493 كتاب المغازي.
ورواه البخاري في كتاب فرض الخمس أيضاً بلفظه، وزاد: وقالت ـ يعني عائشة راوية الحديث ـ: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها ممّا ترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركاً شيئاً كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم يعمل به إلاّ عملت به، فإنّي أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ، فأمّا صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى عليّ وعبّاس، وأمّا خيبر وفدك فأمسكها عمر وقال: هما صدقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى ولي الأمر، قال ـ يعني الزهري وهو أحد رواة الحديث ـ: فهما على ذلك إلى اليوم». الفتح 6 : 197.
ورواه البخاري أيضاً في كتاب الفرائض بمثله، إلاّ أنّه ذكر هنا أنّ العبّاس أتى مع فاطمة إلى أبي بكر يلتمسان ميراثهما.
وروى بسنده إلى ابن شهاب الزهري، قال: «أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان ـ وكان محمّد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذِكراً من حديثه ذلك ـ فانطلقتُ حتّى دخلت عليه فسألته فقال: انطلقت حتّى أدخل على عمر فأتاه حاجبه يَرْفأ، فقال: هل لك في عثمان وعبدالرحمن والزبير وسعد؟ قال: نعم، فأذن لهم ثمّ قال: «هل لك في عليّ وعبّاس؟ قال: نعم، قال عبّاس: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا، قال أنشدكم باللّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم قال: «لا نورّث ما تركنا صدقة»؟ يريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم نفسه، فقال الرهط: قد قال ذلك، فأقبل على عليّ وعبّاس فقال: هل تعلمان أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك… الفتح 12 : 5 ـ 6.
من خلال استعراض هذه الروايات، يتبيّن لنا الحقائق التالية:
1 ـ أنّ فاطمة قد طلبت إلى أبي بكر أن يعطيها ميراثها من أبيها صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم.
2 ـ أنّ فاطمة عليها السلام قد أخطأت في طلبها لهذا الميراث؛ لما في ذلك من معارضة لصريح قوله عليه الصّلاة والسلام: لا نورّث ما تركناه صدقة.
ولا شكّ أنّ لفاطمة عليها السلام عذرها في ذلك؛ لما تعلمه من عموم آيات الميراث التي شملت كلّ وارث على الإطلاق، ولم تستثنِ ورثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسلام من هذا الحقّ؛ ولعدم علمها بهذا الحديث الذي خصّص عموم آيات الميراث، واستثنى من حكمها ورثة الأنبياء، كما استثنى القاتل من أن يرث مقتوله، بحديث: «لا يرث القاتل».
3 ـ إنّ أبا بكر رضي اللّه عنه كان محقّاً يوم لم يستجب لطلب فاطمة، ووجه ذلك أنّه لم يغتصب تركة النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم لنفسه أو لأحد من أهله، بل إنّه حرم منه ابنته عائشة زوج النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، وجعله في آل البيت ينفقون منه حاجتهم ويتصدّقون بالباقي، كما كان الحال عليه فى حياة النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، وهو في هذا متمسّك ومتّبع لقوله عليه الصّلاة والسلام: لا نورّث ما تركناه صدقة. البخاري، فتح الباري 12 : 6.
ولصريح قوله عليه الصّلاة والسلام في الحديث الصحيح: لا تقسّم ورثتي ديناراً ولا درهماً، ما تركت بعد مؤنة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة. رواه البخاري، فتح الباري 12 : 6.
فلا يصحّ بعد ذلك أن يُعاب على أبي بكر موقفه هذا.
4 ـ إنّ ما تركه النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ما كان إرثاً كما فهمته فاطمة عليها السلام، إذ لو كان إرثاً لما كان منحصراً بفاطمة، بل هو إرث لجميع مستحقّيه، بما فيهم زوجاته صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم أُمّهات المؤمنين، وفي طليعتهنّ عائشة بنت أبي بكر التى توفّي النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ودفن في بيتها، وحفصة بنت عمر. فالذي وقع لفاطمة من أمر الإرث، وقع مثله لعائشة وحفصة وسائر أُمّهات المؤمنين، ووقع مثله أيضاً للعبّاس عمّ النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، فما بال الرافضة يتحدّثون عن فاطمة وينسون سائر الورثة؟! وما بالهم يذمّون أبا بكر على موقفه هذا الذي تمسّك فيه بالدليل، واتّبع وصيّة سيّد المرسلين، ولم يحاب في ذلك أحداً من العالمين.
ولو كان ما تركه النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ميراثاً، لسارعت أزواج النبيّ إلى طلبه، وفي مقدّمتهنّ عائشة وحفصة، لكنّه جاء في الصحيح أنّ عائشة لم توافق بقيّة أزواجه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم على طلب ميراثهنّ؛ لما تعلم من عدم مشروعيّة ذلك.
فقد أخرج البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها: أنّ أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم حين توفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر؛ يسألنه ميراثهنّ، فقالت عائشة: أليس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم: «لا نورّث ما تركناه صدقة؟». فتح الباري 12 : 7.
5 ـ أمّا قوله صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم: «يوصيكم اللّه في أولادكم»، فهي من قبيل العامّ المخصوص، أي أنّه عامّ في جميع الأولاد، مخصوص في أولاد الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم.
قال ابن حجر رحمه اللّه: وأمّا عموم قوله تعالى: (يوصيكم اللّه في أولادكم…)(14)الآية، فأجيب عنها بأنّها عامّة فيمن ترك شيئاً كان يملكه، وعلى تقدير أنّه عليه الصّلاة والسلام خلّف شيئاً ممّا كان يملكه، فدخوله في الخطاب قابل للتخصيص؛ لِما عرف من كثرة خصائصه، وقد اشتهر عنه: «أنّه لا يورّث»، فظهر تخصيصه بذلك دون الناس.
وقيل: الحكمة في كونه لا يورّث حسم المادّة في تمنّي الوارث موت المورّث من أجل المال. وقيل: لكون النبيّ كالأب لأُمّته، فيكون ميراثه للجميع، وهذا معنى الصدقة العامّة. انتهى. الفتح 12 : 9.
6 ـ أمّا ما زعمه الموسوي من وصيّة النبيّ إلى عليّ في مبدأ الدعوة الإسلاميّة حين أنزل اللّه: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، فقد مضى الردّ عليها مفصّلاً في الردّ على المراجعة رقم 20.
7 ـ أمّا وصيّته صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم التي أراد أن يكتبها في مرض موته وتنازع الصحابة عند ذلك، فقد زعم الموسوي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم أراد أن يوصي بولاية عليّ رضي اللّه عنه في حينها، ولكنّ الصحابة تنازعوا في ذلك عنده ليحولوا بينه وبين كتابة هذه الوصيّة.
ثمّ ادّعى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم قد أوصاهم بثلاثة أُمور: أوّلها، أن يوّلوا عليهم عليّاً، ثمّ اتّهم الشيخين أبي بكر وعمر بأنّهم منعوا المحدّثين أن يحدّثوا بالوصيّة الأُولى، بحكم سلطتهم السياسية، كما اتّهم المحدّثين بأمانتهم وعدالتهم يوم أن كتموا هذه الوصيّة استجابة للسلطة السياسية، متسلّحين بسلاح النسيان.
ولا شكّ في بطلان دعوى الموسوي، وأدلّة ذلك:
الأوّل: المطالبة بصحّة الرواية التي أوصى بها النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم للصحابة (أن يوّلوا عليهم عليّاً)، إنّ الموسوي لم يذكر لنا كتاباً واحداً من كتب السنّة أو الصحاح أو المسانيد أخرجت هذه الرواية، الأمر الذي يؤكّد كذبه.
بل إنّ كتب السنّة اتّفقت على ذكر وصيّتين فقط. فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما: أنّ ابن عبّاس قال: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ اشتدّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيّ نزاع، فقالوا: ما شأنه؟ أهَجَرَ؟ استفهموه، فذهبوا يردّون عليه، فقال: دعوني، فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه، وأوصاهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيها.
فإذا كانت كتب السنّة كلّها متّفقة على هذه الرواية الّتي اقتصرت على وصيّتين، فمن أين علم الموسوي الوصيّة الثالثة؟! تأمّل هذا تجده محض كذب وافتراء.
الثاني: إنّ كلام الموسوي يلزم منه القول بأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم كتم شيئاً من الوحي، عندما تراجع عن كتابة هذا الكتاب، بتأثير النزاع الذي حصل عنده، ولا يخفى بطلان هذ القول؛ لِما فيه من القدح بعصمة النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم.
الثالث: إنّ تراجع النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم عن الكتابة يدلّ على أنّ الذي أراد أن يكتبه لم يكن أمراً متحتّماً؛ لأنّه لو كان ممّا أمر بتبليغه لم يكن تركه لوقوع اختلافهم، بل ولعاقب اللّه من حال بينه وبين تبليغه، ولبلّغه لهم لفظاً، كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك.
كما أنّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم عاش بعدها أيّاماً ولم يكتبها، وحفظوا عنه أشياء لفظاً، فيحتمل أن يكون مجموعها ما أراد أن يكتبه. واللّه أعلم. الفتح 8 : 134.
الرابع: إنّ ما سمّاه بـ «بالسلطة»، ويعني بها: (أبي بكر وعمر)(15) قد منعت المحدّثين من الحديث بالوصيّة الأُولى ـ أن يولّوا عليّاً عليهم ـ، فهذا محض كذب واختلاق نابع من عقيدتهم الفاسدة في الصحابة عموماً، وفي الشيخين أبي بكر وعمر خصوصاً، حيث كفّروهم وحطّوا عليهم.
فليس بعجيب على الموسوي ـ وهذه عقيدته ـ أن يرمي خليفتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم بتهمة منع المحدّثين من رواية ما حفظوه عن النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، وإرغامهم على العبث بسُنّة النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، في الوقت الذي شهد لهم اللّه ورسوله بالطهارة، والعدالة، والنزاهة، والأمانة، وليس بعد شهادة اللّه ورسوله شهادة.
وممّا يؤكّد كذب الموسوي، أنّ اتّهامه هذا ليس له أصل في كتاب معتبر أو رواية صحيحة.
وهنا نسأل الرافضة ـ والموسوي واحد منهم ـ: إن كان ما تزعمونه حقّ(16)، فلماذا سكت عليّ رضي اللّه عنه عن هذه الوصيّة التي تعزّز من موقفه وتمنحه الشرعيّة والحقّ في المطالبة بالخلافة؟ فهل تراه سكت خوفاً وجبناً أمام سلطة أبي بكر وعمر؟ أم أنّه سكت نفاقاً؟ إنّكم أيّها الرافضة لا ترضون هذا لعليّ ولا تقولونه فيه، وأهل السنّة يشاطرونكم الرأى في هذا، فإذا اتّفقنا جميعاً على هذا الرأي، فإنّ سكوت عليّ رضي اللّه عنه لا تفسير له إلاّ شيء واحد، هو يقينه بأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم لم يوص له بخلافة أو إمارة، كما صرّح بذلك رضي اللّه عنه يوم الجمل: «أيّها الناس، إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم لم يعهد إلينا في هذه الدنيا شيئاً»، أخرجه الإمام أحمد(17). والبيهقي في الدلائل(18).
وكان يكفي الإمام عليّ رضي اللّه عنه لو علم بهذه الوصيّة التي أنكرها عليه الشيخان أبي بكر وعمر، أن يقول كلمة واحدة ليجد من حوله المؤيّدين والأنصار بالحقّ، أو بغيره؛ لتوفّر الدوافع آنذاك. كلّ هذا وغيره يثبت كذب الموسوي.
الخامس: إنّ الموسوي اتّهم البخاري ومسلم بكتمان الوصيّة متعلّلين بالنسيان، وكذا سائر أصحاب السنن والمسانيد.
وجواب ذلك ـ وباللّه التوفيق ـ أن نقول: إنّ اتّهام الموسوي لأعلام أهل السُنّة بكتمان وصيّة النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم لا يخرج عن أمرين لا ثالث لهما:
1 ـ أن يكون اتّهامه جاء من غير نظر ولا بحث في الرواية وشروطها، كما هي عليه في كتب أهل السنن، ولا يخفى عندئد بطلان الاتّهام في هذه الحال؛ لجهل المتّهم وانعدام دليل الاتّهام. تأمّل هذا أخي المسلم تجده واضحاً، وسيزداد عندك الأمر وضوحاً إذا عرفت أنّ الأدلّة تكذّب المتّهم، وتتعارض مع الاتّهام، كما سنبيّنه قريباً إن شاء اللّه تعالى.
2 ـ أن يكون اتّهامه هذا جاء بعد بحث ونظر فيما جاء في كتب السنّة بخصوص هذه الرواية، فعندئذ يكون اتّهام الموسوي لأهل السنّة محض كذب وافتراء، بل يكون قد باء بهذا الاتّهام؛ لأنّه أنكر وكتم ما جاء فيها من بيان وإيضاح بدافع من الحقد والكراهية والتعصّب الممقوت.
وبالرجوع إلى كتب السنّة وشروطها يتأكّد ذلك الذي قلناه في الموسوي.
قال البخاري: حدّثنا قتيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، قال: «قال ابن عبّاس: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ اشتدّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيّ نزاع، فقالوا: ما شأنه؟ أهَجَر؟ استفهموه، فذهبوا يردّون عليه، فقال: دعوني، فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه، وأوصاهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة، أو قال فنسيتها».
وقد أخرج هذه الرواية الإمام مسلم، وسائر كتب السُنّة بمثله.
ولقد كانت حجّة الموسوي في ما نسبه إلى أعلام أهل السُنّة من اتّهام بكتمان الوصيّة، ما جاء في آخرها من القول: (… وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيتها)، فسند السكوت والتعلّل بالنسيان ـ على حدّ تعبيره ـ للبخارى ومسلم وأصحاب السنن، جهلاً منه أو تجاهلاً، يدفعه إلى ذلك كلّه الحقد والتعصّب، والحرص على الطعن بهؤلاء الأئمّة الأعلام، ليسقط عدالتهم ويسهل عليه بعد ذلك ردّ كلّ رواية لهم.
والحقيقة أنّ هذه العبارة التي اتّخذها الموسوي مطعناً وموطن اتّهام، إنّما تعكس عدالة وضبط وأمانة الرواة أيّاً كانوا، فعدالتهم وأمانتهم وضبطهم هو الذي منعهم من التقوّل على الرسول صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم بلا علم، وخوفهم من الوقوع بالكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم هو الذي دفعهم إلى التوقّف عن ذكر الوصيّة الثالثة، وهم غير ذاكرين لها، لكن عين الموسوي عين سخط، لا ترى إلاّ المساوئ، وطبعه طبع عقرب لا يعرف إلاّ الأذى، أتراه كيف حوّل الأمانة إلى خيانة؟ تأمّل هذا تجده جليّاً.
ثمّ إنّ الموسوي لام الرواة على نسيانهم، وآخذهم على ذلك، غير عالم أنّ النسيان من طبيعة الإنسان، حتّى قيل:
وما سمّي الإنسان إلاّ لنسيه *** وما القلب إلاّ لأنّه يتقلّب
وإنّ اللّه سبحانه لا يؤاخذ على النسيان، وقد علّمنا أن ندعوه بذلك (ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)(19).
كما أنّ الموسوي اعتبر هذا النسيان متعمّداً عندما قال: «.. فزعموا أنّهم نسوها».
والجواب على ذلك: أنّ التعمّد وعدمه أمر قلبي، لا يمكن لأحد من البشر الاطّلاع عليه، فكيف عرفته أنت حتّى تحكم عليه؟ هل شققت على قلوبهم؟!!
وبعد هذا كلّه، نسوق ما جاء في فتح الباري، عند شرح هذه الرواية التي اتّخذها الموسوي مطعناً؛ ليتبيّن لنا ظلمه لأعلام أهل السُنّة، وليتبيّن لنا أمانة هؤلاء في نقل الرواية، فالبخاري ومسلم وأصحاب السنن، ما سمعوا بالوصيّة الثالثة ولا سكتوا عنها، وإنّما سمعوا الرواية بهذه الصورة فأدّوها كما سمعوها.
قال ابن حجر: وقوله: (وسكت عن الثالثة، أو قال فنسيتها) يحتمل أن يكون القائل ذلك هو سعيد بن جبير، ثمّ وجدت عن الإسماعيلي التصريح بأنّ قائل ذلك هو ابن عيينة، وفي مسند الحميدي، ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج: قال سفيان، قال سليمان ـ أي ابن أبي مسلم ـ: لا أدري أذكر سعيد بن جبير الثالثة فنسيتها، أو سكت عنها، وهذا هو الأرجح. انتهى. الفتح 8 : 135.
وهذا كلام صريح بأنّ القائل لعبارة (وسكت عن الثالثة، أو قال فنسيتها) هو سعيد بن جبير، والساكت عنها إنّما هو ابن عبّاس رضي اللّه عنه، وقد طرأ على سعيد الشكّ في سكوت ابن عبّاس، فقال: (أو قال نسيتها)، وهذا دليل أمانة لا دليل خيانة كما زعم الموسوي، وعلى فرض صحّة زعمه واتّهامه، فما ذنب البخاري؟ وما علاقته في هذا القول؟! ولئن صحّ أن يكون دليل اتّهام لسعيد بن جبير، فهو دليل أمانة البخاري؛ لأنّه روى قول سعيد كما سمعه.
أرأيت إلى ظلم الموسوي وتعصّبه الأعمى؟
وإذا كانت هذه الروايات الصحيحة متّفقة على السكوت على الوصيّة الثالثة أو نسيانها، فكيف عرفها الموسوي بعد سكوت ابن عبّاس عنها أو نسيان سعيد بن جبير لها بأنّها الوصيّة لعليّ بن أبي طالب بالخلافة؟ على حين أنّ أحداً من علماء الحديث لم يقل ذلك، بل إنّهم صرّحوا بخلافه.
قال الداودي: الثالثة الوصيّة بالقرآن، وبه جزم ابن التين، وقال المهلّب: بل هو تجهيز جيش أُسامة، وقوّاه ابن بطّال، بأنّ الصحابة لمّا اختلفوا على أبي بكر في تنفيذ جيش أُسامة قال لهم أبو بكر: إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم عهد بذلك عند موته. وقال عياض: يحتمل أن تكون هي قوله: «ولا تتّخذوا قبري وثناً»، فإنّها ثبتت في الموطأ مقرونة بالأمر بإخراج اليهود، ويحتمل أن يكون ما وقع في حديث أنس أنّها قوله: «الصلاة وما ملكت أيمانكم». انتهى. الفتح 8 : 135.
أمّا دعوى الموسوي، بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم لحق بربّه وهو في صدر عليّ بن أبي طالب، فهذا محض كذب وافتراء، ولم يثبت بكتاب معتبر، بل إنّه معارض بالأحاديث الصحيحة المتّفقة على أنّه مات عليه الصّلاة والسلام بين سحر ونحر عائشة وفي صدرها، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل».

أقول:
إنّ في مقدمة كلام هذا المفتري ملاحظات لابُدّ من التنبيه عليها قبل الورود في البحث:
1 ـ لقد كان عليه التصريح بأفضليّة سيّدتنا خديجة أُمّ المؤمنين من سائر أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، لكنّه قال: «أمّا من حيث أفضليّة بعضهنّ على بعض، فلا شكّ في فضل خديجة»، ثمّ قال: «فلا يمكن مقارنتها مع غيرها»، ولعلّه يريد المتابعة أو المجاملة مع من زعم أفضليّة عائشة، أو توقّف في المسألة، من أسلافه النواصب للنبيّ وآله.
2 ـ لقد اتّهم الرافضة للمتقدّمين على أمير المؤمنين، بالتعصّب والهوى؛ لأنّهم يستدلّون بما رواه البخاري في فضل خديجة، ويضربون عمّا رواه في فضل عائشة عرض الحائط.
وهذا منه جهلٌ أو تجاهل بقواعد البحث وأُصول المناظرة؛ لأنّ المفروض هو وثاقة البخاري وصحّة رواياته عند جمهور أهل السُنّة، فلمّا يحتجّ الإمامي بحديث من هذا الكتاب، يريد إلزام القوم بما التزموا به، فلا يدلّ على قبول للبخاري وثقته برواياته حتّى يقال: «فلماذا لا يقول بفضل عائشة وقد أخرج البخاري أحاديث كثيرة في فضلها…؟».
3 ـ لقد غفل أو تغافل عن أنّ للإماميّة منهجاً معيّناً في القول بفضل أحد والحبّ له، أو الطعن فيه والبغض له، وهذا المنهج مستمدّ من الكتاب العظيم والسُنّة الثابتة، وعلى هذا الأساس تقول بأفضليّة سيّدتنا خديجة من سائر الأزواج، وإن كان كونها أُمّاً لفاطمة بضعة النبيّ، وجدّةً للحسنين سيّدي شباب أهل الجنّة فضلاً كبيراً لها..
وعلى هذا الأساس أيضاً تقول الإماميّة بأفضليّة أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة ـ بعد خديجة ـ مع عدم كونها أُمّاً أو جدّةً لأحد من أهل البيت، بل وعدم كونها من بني هاشم، الّذين هم أفضل الناس في قريش، كما في الأحاديث المتواترة الثابتة.
فالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله لمّا أعلن أنّ بغض عليّ علامة النفاق، وأنّ اللّه يغضب لغضب فاطمة، وقد قال تعالى: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحي يوحى)(20)، كان المنطلق في عقيدة الإماميّة هو «الوحي»، وكان ما جاء به هو «الأساس» عندهم للحبّ والبغض… ولا يهمّهم ـ بعد ذلك ـ السخط واللّغط من هذا وذاك!!
4 ـ وبناءً على ما ذكرنا ـ في الملاحظة الثانية ـ يتبيّن صحّة احتجاج السيّد ـ رحمه اللّه ـ بالأحاديث المذكورة في المراجعة: 68 ـ 70 لإثبات الوصيّة لأمير المؤمنين عليه السلام.
وأمّا المناقشة في أسانيدها، فقد اتّضح اندفاعها على ضوء كلمات علماء الجرح والتعديل من القوم؛ إذ ليس من شرط الصحّة أن لا يكون الراوي متكلّماً فيه أصلاً، وإلاّ لزم سقوط البخاري نفسه؛ لتكلّم غير واحد من أئمّتهم فيه، ولذا أورده الذهبي في كتاب المغني في الضعفاء(21)، ولزم سقوط كتابه كلّه عن الصحّة؛ لتكلّم أئمّتهم في عدّة كبيرة من رجاله، ولذا عقد ابن حجر العسقلاني فصلاً في مقدّمة فتح الباري للدفاع عنهم….
5 ـ وقفز هذا المفتري إلى المراجعة 73؛ تغافلاً عمّا جاء في الأحاديث التي أوردها السيّد، من الجسارة والطعن من عائشة في سيّدتنا خديجة، كقولها: «فتناولتها فقلت: عجوز كذا وكذا»، حتّى أنّها كانت تغضِب رسول اللّه بكلماتها. وكذا ما اشتملت عليه من فضل لسيّدتنا فاطمة بضعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، إلاّ أنّه اتّهم السيّد وهو يحلف: «واللّه، إنّ الموسوي ما ترك من الخداع والنفاق والغشّ شيئاً لأحد من الناس»!!
ثمّ قال: «وفي المراجعة 74 استجاب الموسوي إلى ما طلب منه من التفصيل في سبب الإعراض عن حديث عائشة، فليته ذكر سبباً من الأسباب التي تردّ بها الرواية عادة، وتعدّ عند أهل العلم مطعناً يفقد الرواية حجّيتها، لكنّه ردّ ذلك الإعراض إلى خصومة بينها وبين عليّ رضي اللّه عنه، والتي دفعتها إلى إنكار وصيّة النبيّ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم لعليّ رضي اللّه عنه بالخلافة».

أقول:
أوّلاً: إنّ الكلام في الإعراض وعدم الاعتبار بالحديث المروي عن عائشة في إنكار الوصيّة، وكما يصحّ أن يكون السبب في الإعراض عدم صحّة سند الحديث لعدم وثاقة رواته، كذلك يصحّ أن يكون السبب فيه عدم الوثوق بالمروي عنه ـ على فرض صحّة السند ـ بسبب وجود الخلاف بينه وبين الطرف الآخر..
وكأنّ هذا المفتري جاهل أو يتجاهل القاعدة المقرّرة في الجرح والتعديل في هذا الموضوع؛ قال ابن حجر العسقلاني: «وممّن ينبغي أن يتوقّف في قبول قوله في الجرح: مَن كان بينه وبين مَن جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإنّ الحاذق إذا تأمّل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب، وذلك لشدّة انحرافه في النصب، وشهرة أهلها بالتشيّع…»(22).
ثانياً: هل يمكن للنواصب والمفترين أن يدّعوا أنّ عائشة كانت من المحبّين لعليّ أمير المؤمنين ولبضعة النبيّ الطاهرة؟ وأنّه لم يكن بينها وبينهما عداوة وخصومة؟!
هذا عمدة الكلام على مقدّمة كلام المفتري.
فلننظر في ما قيل في الردّ على ما ذكره السيّد في بيان الأسباب في إعراضنا عن إنكار عائشة وصيّة النبيّ لأمير المؤمنين عليهما وآلهما الصّلاة والسلام….

قال السيّد:
«فالاحتجاج على نفي الوصيّة إلى عليّ بقولها ـ وهي من ألدّ خصومه ـ مصادرة لا تُنتظر من منصف، وما يوم عليّ منها بواحد، وهل إنكار الوصيّة إلاّ دون يوم الجمل الأصغر ويوم الجمل الأكبر؟!»(23)….

وقيل:
وجوابنا عن ذلك بوجوه:
الأوّل: المطالبة بصحّة هذا الادّعاء….
الثاني: لو سلّمنا جدلاً بما ادّعاه الموسوي… فما جواب الرافضة على الروايات الأُخرى الصحيحة، التي نفت أن يكون النبي صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم قد أوصى لأحد بشيء، عن ابن عبّاس وابن أبي أوفى….

أقول:
إنّه بعد قيام الدليل على الوصيّة عقلاً ونقلاً، ومن ذلك حديث الثقلين؛ إذ أوصى بالتمسّك بالكتاب والعترة، وأمر باتّباعهما وإطاعتهما إطاعة مطلقة، والذى نصّ غير واحد من أعلام القوم بشرحه على أنّه وصيّة منه إلى الأُمّة إلى يوم القيامة(24).
وفي بعض ألفاظه ـ كما في رواية أحمد وابن أبي عاصم والطبراني وغيرهم ـ التصريح بأنّهما الخليفتان من بعده، قال: «إنّي تركت فيكم خليفتين: كتاب اللّه وأهل بيتي، وإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض»..
قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات»(25).
وبيّن المناوي بشرحه: أنّ المراد من «أهل البيت» فيه «هم أصحاب الكساء الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً»(26).
نعم، فإنّه بعد قيام الدليل على الوصيّة، لا يُصغى إلى إنكار منكر مثل عائشة وأمثالها…!
وأمّا حديثهم عن أبن أبي أوفى بأنّه قد أوصى بكتاب اللّه، فقد أجاب السيّد: بأنّه «حقّ، غير أنّه أبتر؛ لأنّه صلّى اللّه عليه وآله أوصى بالتمسّك بالثقلين معاً…»(27).
على أنّ ابن أبي أوفى من الصحابة الرواة لحديث: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه»(28).
وأمّا خبر إنكار ابن عبّاس الوصيّة فمكذوب عليه قطعاً:
أمّا أوّلاً: فلأنّ ابن عبّاس من رواة «حديث الثقلين» و«حديث الغدير»، وغيرهما من أحاديث خلافة أمير المؤمنين عليه السلام.
وأمّا ثانياً: فلأنّه بعد أن منع الحاضرون من أن يكتب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وصيّته قائلين: «هجر رسول اللّه»، كان يبكي ويقول: «إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، وبين كتابه»(29).
وأمّا أنّ الإمام عليه السلام قال يوم الجمل: «يا أيّها الناس…» وأنّه قد رواه أحمد والبيهقي في الدلائل، فقد راجعنا المسند، وهذا هو الحديث فيه بالسند:
«حدّثنا عبداللّه، حدّثني أبي، ثنا عبدالرزّاق، أنبأنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن رجل، عن عليّ رضي اللّه عنه، أنّه قال يوم الجمل: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] لم يعهد إلينا عهداً نأخذ به في إمارة، ولكنّه شيء رأيناه من قبل أنفسنا، ثمّ استخلف أبو بكر ـ رحمة اللّه على أبي بكر ـ فأقام واستقام، ثمّ استخلف عمر ـ رحمة اللّه على عمر ـ فأقام واستقام حتّى ضرب الدين بجرانه»(30).
وهذا الحديث ساقط؛ لأنّ الراوي عن الإمام عليه السلام مجهول، وقد ذكر بترجمة «الأسود بن قيس» عن ابن المديني أنّه «روى عن عشرة مجهولين لا يُعرفون»(31). وابن المديني ـ كما هو معروف ـ شيخ البخاري وإمامه الكبير الذي يقتدي به.
ثمّ لماذا لم يذكر عثمان بعد أبي بكر وعمر؟ ألم يكن قد أقام واستقام مثلهما فاستحقّ الرحمة؟!
لكنّا لمّا راجعنا كتاب دلائل النبوّة وجدنا أنّ الحديث يشتمل على ذيل، فيه طعن شديد على عثمان وطلحة والزبير… وهو: «ثمّ إنّ أقواماً طلبوا الدنيا، فكانت أُمور يقضي اللّه فيها»(32).
ثمّ إنّ بعضهم لمّا رأى شدّة هذه العبارة في الذيل، أبدلها بعبارة خفيفة، فوضعها باللفظ التالي: «ثمّ إنّ أقواماً طلبوا الدنيا، يعفو اللّه عمّن يشاء ويعذّب مَن يشاء»(33).
وكما وقع التلاعب في المتن، فقد وقع الاضطراب في السند؛ فالراوي في المسند مجهول..
وفي كتاب الضعفاء: «عن الأسود بن قيس العبدي، عن سعيد بن عمرو بن سفيان، عن أبيه، قال: خطب عليّ…».
وفي تاريخ دمشق رواه تارةً عن طريق أحمد، والراوي مجهول كذلك، وأُخرى بإسناده عن الثوري، عن الأسود بن قيس العبدي، عن عمرو بن شقيق، قال: لمّا فرغ عليّ من الجمل…(34).
قالوا: وكان الثوري يضطرب فيه ولا يثبت إسناده(35).

وقيل:
الثالث: إنّه نقل كلاماً مغلوطاً مبالغاً فيه، في خبر ما كان في موقعة الجمل، متّهماً عائشة وطلحة والزبير أنّهم خرجوا لقتال عليّ، وأنّها أظهرت بذلك ما كانت تضمره من عداء له، وأنّها سجدت شكراً للّه عند موت عليّ بن أبي طالب.

(1) بحكم صحاح السُنّة؛ فراجع من صحيح البخاري باب ما جاء في بيوت أزواج النبيّ، من كتاب فرض الخمس 341 / 2 تجد التفصيل.
(2) كانت فتنة الجمل الأصغر في البصرة لخمس بقين من ربيع الثاني سنة 36 قبل ورود أمير المؤمنين إلى البصرة، حيث هاجمتها أُمّ المؤمنين ومعها طلحة والزبير، وفيها عامله عثمان بن حنيف الأنصاري، فقتل أربعون رجلاً من شيعة عليّ عليه السلام في المسجد، وسبعون آخرون منهم في مكان آخر، وأُسر عثمان بن حنيف، وكان من فضلاء الصحابة، فأرادوا قتله، ثمّ خافوا أن يثأر له أخوه سهل والأنصار، فنتفوا لحيته وشاربيه وحاجبيه ورأسه وضربوه وحبسوه، ثمّ طردوه من البصرة….
وقابلهم حكيم بن جبلّة في جماعة من عشيرته عبدالقيس وهو سيّدهم، وكان من أهل البصائر والحفاظ والنهى، وتبعه جماعة من ربيعة، فما بارحوا الهيجاء حتّى استشهدوا بأجمعهم، واستشهد مع حكيم ابنه الأشرف، وأخوه الرعل، وفتحت البصرة….
ثمّ جاء عليّ، فاستقبلته عائشة بعسكرها، وكانت وقعة الجمل الأكبر.
وتفصيل الوقعتين في تاريخي ابن جرير وابن الأثير، وغيرهما من كتب السير والأخبار.
(3) في ما أخرجه الثقات من أهل الأخبار، كأبي الفرج الأصفهاني في آخر أحوال عليّ من كتابه مقاتل الطالبيّين.
(4) في ما أخرجه البخاري عنها في باب مرض النبيّ ووفاته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ص 155 ج 3 من صحيحه.
(5) هذه الكلمة بخصوصها ـ أعني قول ابن عبّاس: إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير ـ تركها البخاري، واكتفى بما قبلها من الحديث؛ جرياً على عادته في أمثال ذلك، لكن كثيراً من أصحاب السُنن أخرجوها بأسانيدهم الصحيحة..
وحسبك منهم: ابن سعد في ص 231 ـ 232 ج 2 من طبقاته؛ إذ أخرجها عن أحمد بن الحجّاج، عن عبداللّه بن مبارك، عن يونس ومعمر، عن الزهري، عن عبيداللّه بن عبداللّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عبّاس؛ ورجال هذا السند كلّهم حجج.
(6) سورة البقرة 2 : 180.
(7) في ما أخرجه البخاري في أوّل كتاب الوصايا من صحيحه ص 230 ج 2، وأخرجه مسلم في كتاب الوصيّة ص 127 ج 3 من صحيحه.
(8) فعن معمر، عن قتادة: أنّ عليّاً قضى عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أشياء بعد وفاته، كان عامّتها عدَة، حسبت أنّه قال: خمس مئة ألف درهم. الحديث..
فراجعه في ص 273 ج 7 من كنز العمّال، وهو الحديث 18853 من أحاديثه [وهو في المصنف لعبد الرزاق برقم 13235 وقد سقطت كلمة «الف» من هذه الطبعة من كنز العمال!].
(9) كما أخرجه البخاري في أواخر باب غزوة خيبر، من صحيحه ص 91 ج 3، وأخرجه مسلم في باب قول النبيّ: لا نورّث ما تركنا فهو صدقة، من كتاب الجهاد من صحيحه ص 285 ج 3.
(10) سورة الشعراء 26 : 214.
(11) أخرجه بهذه الألفاظ: محمّد بن إسماعيل البخاري، في باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير من صحيحه ص 325 ج 2..
وأخرجه: مسلم في صحيحه (3 : 137 / 1637)، وأحمد بن حنبل من حديث ابن عبّاس في مسنده (1 : 534 / 2983)، وسائر أصحاب السُنن والمسانيد.
(12) فراجعه في باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير ص 325 ج 2 من صحيحه.
(13) المراجعات: 212 ـ 217.
(14) سورة النساء 4 : 11.
(15) كذا.
(16) كذا.
(17) مسند أحمد 1 : 184 / 923.
(18) دلائل النبوة 7 : 223.
(19) سورة البقرة 2 : 286.
(20) سورة النجم 53 : 3 ـ 4.
(21) المغني في الضعفاء 2 : 268.
(22) لسان الميزان 1 : 16.
(23) المراجعات: 212 ـ 213.
(24) استجلاب ارتقاء الغرف ـ للحافظ السخاوي ـ 1 : 336 باب وصيّة النبيّ…، جواهر العقدين ـ للحافظ السمهودي ـ 1 : 72 ذكر حثّه الأُمّة على التمسّك بعده… الصواعق المحرقة: 229 ـ 230، شرح المواهب اللدنية 7 : 5، فيض القدير 2 : 174، مرقاة المفاتيح 5 : 601.
(25) مجمع الزوائد 9 : 163.
(26) فيض القدير شرح الجامع الصغير 3 : 14.
(27) المراجعة 70.
(28) مستدرك كتاب الغدير للعلاّمة المحقّق المغفور له السيّد عبدالعزيز الطباطبائي ـ مخطوط وهو قيد الإعداد للنشر.
(29) رواه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم، وسيُبحث عنه بالتفصيل في المراجعات الآتية.
(30) مسند أحمد 1 : 184 / 923.
(31) تهذيب التهذيب 1 : 298.
(32) تحفة الأحوذي 6 : 478 عن دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ 7 : 223.
(33) كتاب الضعفاء الكبير 1 : 178.
(34) تاريخ مدينة دمشق 30 : 291 ـ 292.
(35) تاريخ بغداد ـ للخطيب البغدادي ـ 3 : 165.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *