ما اعترف بصحّته وأنكر كونه من الخصائص/1- حديث الراية

ممّا اعترف بصحّته وأنكر كونه من الخصائص

1 ـ حديث الرّاية يوم خيبر
فحديث الرّاية لم ينكر صحّته، بل قال: «وكذلك قوله: لأُعطينَّ الرّاية رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، قال: فتطاولنا، فقال: أُدعوا لي عليّاً، فأتاه وبه رمد فبصق في عينيه ودفع الراية إليه، ففتح الله على يديه.
وهذا الحديث أصح ما روي لعلي من الفضائل، أخرجاه في الصحيحين من غير وجه.
وليس هذا الوصف مختصّاً بالأئمة ولا بعلي، فإنّ الله ورسوله يحبُّ كلّ مؤمن تقي، وكلّ مؤمن تقي يحبُّ الله ورسوله»(1).
فالرجل لا ينكر صحّة هذا الحديث، بل يدّعي كونه أصحّ ما روي(2)، لكنّه ينكر كونه ممّا اختص به علي عليه السّلام; فيقول: ليس من الخصائص(3).
ولكنّ كلامه التفصيلي حول هذا الحديث ـ في مقام الجواب(4) عن استدلال العلاّمة الحلي به ـ مضطرب جدّاً، لأنّ العلاّمة أورد الحديث ـ كما سنذكره ـ وفيه أخذ أبي بكر الرّاية ثم أخذ عمر، ورجوعهما، ثم قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «جيئوني بعلي» ثم وصفه بأنه «يحب الله ورسوله…» «ففتح الله على يديه» قال العلامة: «ووصفه ـ عليه السّلام ـ بهذا الوصف يدل على انتفائه عن غيره، وهو يدل على أفضليّته، فيكون هو الإمام».
فيقول ابن تيمية: «والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بتصحيح النقل. وأما قوله: «رواه الجمهور» فإن الثقات الذين رووه لم يرووه هكذا، بل الذي في الصحيح… ولم تكن الرّاية قبل ذلك لأبي بكر ولا لعمر، ولا قربها واحد منهما، بل هذا من الأكاذيب…
وكان هذا التخصيص جزاء مجىء عليّ مع الرمد، وكان إخبار النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك ـ وعليّ ليس بحاضر، لا يرجونه ـ من كراماته صلّى الله عليه وسلّم. فليس في الحديث تنقيص بأبي بكر وعمر أصلا».
فهنا يعترف بكون الحديث من (الخصائص) لكن ليس فيه بهما «تنقيص» واعترف مرةً اُخرى بكونه من (الخصائص) حيث قال بعد كلام له: «فإنه قال: لاُعطينّ الراية.. فهذا المجموع اختصّ به».
ولمّا اعترف بكونه من (الخصائص) إلتفت إلى أن ذلك يوجب أفضليّته وهذا ما لا يريد الإقرار به، لأنه يرى وجوب إمامة الأفضل، فقال: «إنه لو قدّر ثبوت أفضليته في ذلك الوقت، فلا يدل ذلك على أن غيره لم يكن أفضل منه بعد ذلك»!!
فانظر إلى كلمات هذا الرجل بعد ضمّ بعضها إلى البعض الآخر، فأوّل شيء ينكر كونه من الخصائص، ثم يضطر إلى الإعتراف، ثم يتنبّه إلى لازم كلامه ـ وهو ضرورة الإعتراف بالأفضلية فالإمامة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بلا فصل ـ فيقول: إن ذلك لا يدل على أن غيره لم يكن أفضل منه بعد ذلك!! لكن ما المراد من «بعد ذلك»؟ وبأيّ دليل يكون غيره أفضل حينذاك؟
وكأنّ الرّجل نفسه غير مقتنع بما يقول، فيضيف وجهاً رابعاً:
«الرابع: إنه لو قدّرنا أفضليته، لم يدل ذلك على أنه إمام معصوم منصوص عليه، بل كثير من الشيعة الزيدية ومتأخّري المعتزلة وغيرهم، يعتقدون أفضليّته وأنّ الإمام هو أبو بكر، وتجوز عندهم ولاية المفضول…».
وهنا قد حكم على نفسه بنفسه.. لأنّا لو سلّمنا أنّ طائفةً من المسلمين «تجوز عندهم ولاية المفضول» لكنّ «ابن تيميّة» يرى أنّ هذا باطل وظلم، وهذا ما ينصُّ عليه غير مرّة ويؤكّده، فالجواب بأنّ فلاناً وفلاناً «تجوز عندهم ولاية المفضول» لا ينفعه أبداً.
وبعد، فالحديث (صحيح) سنداً، وهو من (الخصائص) فيدل على (الأفضلية) والأفضل هو (الإمام).
لكنّ من الضروري تتميم البحث بذكر اُمور:
الأمر الأوّل
إنه قد أخرج النسائي حديث الراية المشتمل على فرار الشيخين وقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم «سأعطي الراية رجلا…» معاً، في (خصائص) أميرالمؤمنين عليه السلام، وكذا غيره من أئمّة الحديث، ولكنّ البخاريّ ومسلماً اختصراه!!:
قال الحافظ ابن حجر بشرحه: «وقع في هذه الرواية اختصار، وهو عند أحمد، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، من حديث بريدة بن الحصيب قال: لمّا كان يوم خيبر، أخذ أبو بكر اللواء فرجع ولم يفتح له، فلما كان الغد أخذه عمر، فرجع ولم يفتح له ـ وقتل محمود بن سلمة(5) ـ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لأدفعنَّ لوائي غداً إلى رجل. الحديث. وعند ابن إسحاق نحوه من وجه آخر. وفي الباب عن أكثر من عشرة من الصحابة، سردهم الحاكم في الإكليل وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل»(6).
أقول:
لم يختصر البخاري ومسلم الحديث، وإنما أرادا أن لا يروياه على واقعه، لما فيه من تفضيل أميرالمؤمنين وتنقيص بأبي بكر وعمر، بل إنّ ابن حجر العسقلاني نفسه أيضاً لم يروه كما جاء في تلك الكتب الّتي أشار إليها، فعند الحاكم مثلا: «عن جابر رضي الله عنه; إن النبي صلّى الله عليه وسلّم دفع الراية يوم خيبر إلى عمر ـ رضي الله عنه ـ، فانطلق، فرجع يجبّن أصحابه ويجبّنونه(7).
هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»(8).
وقد أشكل الذّهبي على هذا الحديث الذي فيه تصريح باسم عمر فقال: «قلت: القاسم واه».
ولكنّه وافق الحاكم لمّا أخرجه مرةً اُخرى ـ وأبهم الرجل الذي رجع باللواء وجبن، فلم يُدرَ هو أبو بكر أو عمر ـ وهو عن جابر أيضاً قال: «لمّا كان يوم خيبر بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم رجلا فجبن…»(9).
وأيضاً: لم يذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني ما في رواية بعض من أشار إليهم، من وصف النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحديث علياً عليه السلام بأنّه «ليس بفرار»، والسبب في ذلك واضح، لأن كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم تعريضٌ بأبي بكر وعمر:
فعند النسائي: «لأعطينّ الراية رجلا… ليس بفرّار»(10).
وعند الحاكم ـ مع تهذيب الكلمة ـ: «.. لا يولّي الدبر…»(11).
هذا، وفي بعض المصادر: «كرّار غير فرّار»(12).
الأمر الثّاني
لفظ الحديث: «يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله»(13).
لكنّ بعض الرواة حاول النقص من الحديث بإسقاط الجملة الثانية «ويحبّه الله ورسوله»، وهكذا هو عند البخاري ومسلم أيضاً، وابن تيمية ذكر اللفظ المنقوص في موردين، وفي مورد ثالث توجد الجملة الثانية في بعض نسخ كتابه دون بعض، كما ذكر محقّقه في الهامش.
وأمّا معنى كلام النبيّ هذا، فقد اعترف ببعضه الحافظ ابن حجر بشرحه حيث قال: «وقوله ـ في الحديثين ـ: «إن علياً يحب الله ورسوله..» أراد بذلك وجود حقيقة المحبّة، وإلاّ فكلّ مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه الصفة. وفي الحديث تلميح بقوله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) فكأنّه أشار إلى أن عليّاً تام الإتّباع لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتى اتّصف بصفة محبّة الله له، ولهذا كانت محبّته علامة الإيمان وبغضه علامة النفاق، كما أخرجه مسلم من حديث علي نفسه، قال: والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق. وله شاهد من حديث أُم سلمة عند أحمد»(14).
إذن، فقد اختص علي دون غيره بهذه الصّفة، فكان أحبّ الناس لله ورسوله، وأحبّهم إلى الله ورسوله.. وهذه الصّفة تقتضي الأفضلية، والأفضلية تستلزم الإمامة كما أقرّ ابن تيمية.
الأمر الثالث
أخرج مسلم في الحديث: «إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال يوم خيبر: لاُعطينّ هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله. قالت: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها. قال: فلمّا أصبح الناس غدوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كلّهم يرجون أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟…»(15).
هكذا أخرجه مسلم ـ ولا يهمّنا محاولة بعضهم لإسقاط بعض الجمل أو الكلمات من لفظ الحديث، فإنّها محاولات يائسة ـ… وهذه الفقرة من الحديث أيضاً دالّة على كونه من (خصائص) أميرالمؤمنين، وإلاّ فما الذي تطاول إليه القوم ورجوه؟ وما الذي جعل هذا الحديث ممّا هو أحبّ إلى سعد بن أبي وقاص من حمر النّعم، وامتنع بذلك من أن يسبّ عليّاً عندما أمره معاوية بالسبّ؟(16)، فيدلّ هذا الحديث من هذه الناحية كذلك على (الأفضلية) وتتمّ (الإمامة) والحمد لله على ذلك.

(1) منهاج السنة 5/44.
(2) هذا بغض النظر عن كلامه في الجزء الأخير من كتابه (8/123) الذي ناقض نفسه حيث قال في جواب قول العلامة: «وفي غزوة خيبر كان الفتح فيها على يد أمير المؤمنين، ودفع الراية إلى أبي بكر فانهزم ثم إلى عمر فانهزم…» قال: «والجواب ـ بعد أن يقال: لعنة الله على الكاذبين ـ أن يقال: من ذكر هذا من علماء النقل؟ وأين أسناده وصحّته؟ وهو من الكذب…».
فنحن نغض النظر عن هذا ونقول: لعنة الله على الكاذبين!!
(3) منهاج السنّة 7/367.
(4) منهاج السنة 7/365ـ368.
(5) كذا، والصحيح «مسلمة» ولا يهمّنا التحقيق في هذا.
(6) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ـ كتاب المغازى، باب غزوة خيبر 7/476.
(7) وفي كنز العمال ـ كتاب الغزوات، غزوة خيبر، مسند علي الحديث 30119ـ10/462 عن ابن أبي شيبة والبزار، قال «وسنده حسن»: «فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه، فجاء يجبّنهم ويجبّنونه، فساء ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: لأبعثنّ عليهم رجلا… ليس بفرّار…».
(8) المستدرك على الصحيحين، كتاب المغازي والسرايا، الحديث 4341، 3/40.
(9) المستدرك على الصحيحين، كتاب المغازي والسرايا، الحديث 4342، 3/40.
(10) خصائص أمير المؤمنين ـ ذكر عبادة علي رضي الله عنه، الحديث 14: 38.
(11) المستدرك على الصحيحين كتاب المغازي والسرايا، الحديث 4342، 3/40.
(12) منتخب كنز العمال.. هامش مسند أحمد 5/45 عن الخطيب وابن عساكر.
(13) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة، الباب 4 فضائل علي رضي الله عنه الحديث 2404، 4/1871. صحيح البخاري ـ كتاب فضائل أصحاب النبي باب مناقب علي بن أبي طالب 5/80.
(14) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ـ كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب 7/72.
(15) صحيح مسلم ـ كتاب فضائل الصحابة الباب 4، فضائل علي بن أبي طالب الحديث 2406ـ4/1872.
(16) صحيح مسلم ـ كتاب فضائل الصحابة الباب 4، فضائل علي بن أبي طالب 2404ـ4/1871.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *