رأي الميرزا

رأي الميرزا
وذهب الميرزا(1) إلى أنّ المردّد واجب بالوجوب النفسي، وأنّ الصّلاة مجرى البراءة. وتوضيح ذلك: إنّه إذا تردّد أمر الوضوء بين النفسيّة والغيريّة، وكان على تقدير الغيريّة شرطاً لواجب غير فعلي، كما لو تيقّن بالنذر وتردّد بين أن يكون قد نذر الصّلاة أو نذر الوضوء، فإنْ كان متعلّق نذره هو الوضوء فهو واجب نفسي، وإن كان الصّلاة كان الوضوء واجباً غيريّاً. إذن، لا فعليّة لوجوب الصّلاة، بل إنّه فعلي على تقدير كون الوضوء واجباً غيريّاً لا نفسيّاً. فيقول الميرزا: بأنّ الوضوء واجب قطعاً، بالوجوب النفسي أو الغيري، وأمّا الصّلاة فهي مجرى البراءة، لجريانها فيها بلا معارض، وذلك: لأنّ معنى دوران أمر الوضوء بين النفسيّة والغيريّة هو تحقّق علم إجمالي بأنّ الواجب عليه بالوجوب النفسي إمّا هو الصّلاة وإمّا هو الوضوء، وهذا العلم مؤثر في التنجيز، ولابدّ من الإتيان بالوضوء والصّلاة معاً، غير أنّ الوضوء يؤتى به قبل الصّلاة، حاله حال الواجب الغيري… لكنّ هذا العلم منحل… لأنّ أحد الطرفين ـ وهو الوضوء ـ يقطع باستحقاق العقاب على تركه، إمّا لكونه واجباً نفسيّاً وإمّا لأن تركه يؤدّي إلى ترك الواجب المشروط به، ومع القطع باستحقاق العقاب على تركه لا تجري البراءة فيه، ويبقى الطرف الآخر محتمل الوجوبيّة، فالشبهة فيه بدويّة، وتجري البراءة فيه بقسميها.
ثمّ ذكر في نهاية الكلام أنّ المقام من صغريات التفكيك والتوسّط في التنجيز.
وتوضيح المراد من ذلك هو: إنّ الوقائع منها هو منجّز على كلّ تقدير، ومنها ما هو غير منجّز على كل تقدير. والأوّل: هو الحكم المعلوم بالإجمال، والثاني: هو الحكم المشكوك فيه شبهةً بدوية. وهذا القسمان واضحان. والثالث منها هو: ما إذا كان العلم الإجمالي مردّداً بين الأقل والأكثر، وهذا مورد التوسّط في التنجيز، كما لو حصل العلم بوجوب مركب تردّدت أجزاؤه بين كونها عشرة أو أحد عشر مثلاً، فإنّه مع ترك الجزء الحادي عشر لا يقين باستحقاق العقاب، بخلاف الأجزاء العشرة، فلو تركها استحق العقاب… إذن، فالواجب الواحد والوجوب الواحد قابل للتفكيك من حيث استحقاق العقاب وعدمه… وهذا مراده من التوسّط والتفكيك في التنجيز.
الإشكال على رأي الميرزا
إنّما الكلام في اختصاص ذلك بمورد المركّب ذي الأجزاء الخارجيّة ـ كما ذكر ـ أو أنّه ينطبق على المركّب ذي الأجزاء التحليليّة أيضاً ؟
إن حال المركّب من الأجزاء الخارجيّة هو أنّ وجوده بتحقّق أجزاءه كلّها، فهو وجود واحد، أمّا عدمه فيتعدّد بعدد الأجزاء، ويتّصف بالعدم إذا عدم الجزء الأوّل، وبعدم آخر إذا عدم الجزء الثاني، وهكذا… فإذا دار أمره بين الأقل والأكثر، فأيّ مقدار من الأعدام بقي تحت العلم كان العلم منجزّاً بالنسبة إليه.
وهل هذا الحال موجود في الأجزاء التحليليّة كما في محلّ البحث ؟
مقتضى الدقّة في كلام الميرزا: جريان التوسيط في التنجيز في الأجزاء التحليليّة أيضاً، لأنّه كما يحصل للمركب من الأجزاء أعدام بعدد أجزائه، كترك الصّلاة بترك القراءة، وتركها بترك الركوع… وهكذا… فإنّه يحصل له ذلك بترك كلٍّ من قيوده وشروطه، فالصّلاة المقيَّدة بالطهارة والإستقبال و… يحصل لها تروك بعدد تلك الأُمور، فكما ينتفي المركب بانتفاء جزئه، كذلك ينتفي بانتفاء قيده… وليس تعدّد الترك منحصراً بالأجزاء الخارجيّة المحقّقة للمركّب….
وعلى هذا، فترك الصّلاة من ناحية ترك الوضوء منجّز، لأنّ المفروض تحقّق العلم بوجوب الوضوء سواء كان نفسيّاً أو غيريّاً، وإذا تعلّق العلم بالوضوء كان ترك الصّلاة من جهة ترك الوضوء مورداً للمؤاخذة، لقيام الحجة من ناحية المولى عليه، بخلاف ما لو تركت الصّلاة من جهة غير الوضوء، لعدم وجود البيان والحجّة منه، وعلى الجملة، فقد تحقّق التنجيز بالنسبة إلى الصّلاة من حيث الوضوء، أمّا بالنسبة إلى الصّلاة فلا، بل الشبهة فيها بدويّة، فالبراءة جارية في الصّلاة، لكن وجوب الوضوء نفسي.
وتحصّل: أنّ التفكيك في التنجّز يجري في أجزاء المركب، ويجري في القيود والشرائط، ولا يختص بالأجزاء.
فلا يرد على الميرزا الإشكال بذلك(2).
وأورد عليه: بأن موردنا من قبيل دوران الأمر بين المتباينين، وليس من الأقلّ والأكثر، لأن طرفي العلم الإجمالي هما الوضوء والصّلاة، والنسبة بينهما هو التباين.
وفيه: إنّه منقوض بالموارد التي تكون نسبة الجزء إلى الكلّ بحيث لا يطلق على الجزء عنوان الكلّ ـ كما هو في الإنسان والرقبة مثلاً ـ فلو علمنا بمقدار من الأجزاء هي في العرف في مقابل المركب لا بعضه، وتردّد الأمر بينه وبين سائر الأجزاء، كان لازم ما ذكر عدم جريان البراءة. مثلاً: الصّلاة مركّبة من أجزاء أوّلها التكبير وآخرها التسليم، فلو تعلّق العلم بالتكبير وحده وشكّ في الزائد تجري البراءة عنه، مع أنّ النسبة بين التكبير والصّلاة هو التغاير والتباين، إذ لا يصدق عنوان الصّلاة على التكبير وحده.
وأمّا حلّ المطلب فهو: أنّ ملاك انحلال العلم ليس خصوصيّة الأقل والأكثر، حتى لا ينحل ولا تجري البراءة إذا كانت النسبة التباين، بل الملاك على التحقيق ـ وعليه الميرزا ـ هو كون أحد الطرفين مجرى الأصل دون الطرف الآخر، فإذا كان أحد الطرفين فقط مجرى الأصل ـ سواء كانا متباينين أو أقل وأكثر ـ جرت البراءة. وفيما نحن فيه: الوضوء وإنْ لم يكن جزءً من الصّلاة بل هو شرط لها، إلاّ أنّ الأصل لا يجري في الوضوء وهو جار في الصّلاة، لأنّ الوضوء معلوم الوجوب على كلّ تقدير، دون الصّلاة فإنّها مشكوكة الوجوب.
وأورد عليه: بأنّه يعتبر في انحلال العلم الإجمالي وجود السنخيّة بين المعلوم بالإجمال والمعلوم بالتفصيل، وذلك كما في مثال أجزاء الصّلاة، فلو علم إجمالاً بالوجوب النفسي، وتردّد بين أن يكون عشرة أجزاء من المركب أو أحد عشر، فإن عنوان « الوجوب النفسي » ينطبق على العشرة، الذي أصبح المعلوم بالتفصيل.
أمّا فيما نحن فيه، فلا توجد هذه المسانخة، لأنّ المعلوم بالإجمال أوّلاً هو « الوجوب النفسي » إذ تردّد بين الصّلاة والوضوء، لكن المعلوم بالتفصيل في طرف الوضوء هو الجامع بين النفسيّة والغيريّة، فهو غير المعلوم بالإجمال الأوّلي.
وفيه: إنّه ليس الملاك ذلك، بل الملاك ما ذكرناه من كون أحد الطرفين موضوعاً للأصل دون الطرف الآخر.
وأورد عليه: بأنّ المفروض هو العلم الإجمالي بوجوب الوضوء، مردّداً بين كونه نفسيّاً أو غيريّاً، فإن كان في الواقع نفسيّاً استحقّ العقاب على تركه، وأمّا إن كان وجوبه غيريّاً فلا يستحقّه، لكنّ انحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي في طرف وشك بدوي في طرف آخر، إنّما هو حيث يكون العلم التفصيلي متعلّقاً بتكليف منجّز موجب لاستحقاق العقاب، وقد تقدّم أنّ الوضوء على تقدير كون وجوبه غيريّاً لا يستحق العقاب على تركه، فالعلم الإجمالي المردّد بين النفسيّة والغيريّة باق على حاله، لعدم استلزام مخالفته لاستحقاق العقاب على كلّ تقدير.
وفيه: إنّه إن كان المقصود إثبات استحقاق العقاب على ترك الوضوء نفسه فالإشكال وارد، للشك في كونه واجباً نفسيّاً، والوجوب الغيري لا تستتبع مخالفته استحقاق العقاب. لكنّ المقصود من إجراء البراءة هو رفع التكليف والتوسعة على المكلّف، وهذه التوسعة لا تكون في طرف الوضوء للعلم التفصيلي بوجوبه، فلا يمكن الترخيص في تركه، لكون وجوبه إمّا نفسيّاً فلا يجوز تركه، وإمّا غيريّاً فكذلك لأنّه يؤدي إلى ترك الصلاة، أمّا في طرف الصّلاة فهي حاصلة بأصالة البراءة.
والحاصل: إنّ المهم كون المورد مجري لأصالة البراءة وترتّب أثر هذا الأصل، أعني التوسعة والمرخصيّة للمكلّف، وهذا حاصل، لوجود مناط الانحلال الحكمي للعلم الإجمالي، وهو جريان البراءة في طرف وهو الصّلاة، لوجود المقتضي لجريانه وعدم المانع عنه، دون الآخر وهو الوضوء للعلم التفصيلي المتعلّق به.
الإشكال الأخير:
إنّ هذا العلم الإجمالي لا ينحلّ، لأنّه يلزم من إنحلاله عدم الإنحلال. وهو الإشكال الذي اعتمده الأُستاذ في الدّورة السابقة في ردّ رأي الميرزا في المقام.
وتوضيح ذلك: إنّ الغرض هو حلّ مشكلة دوران أمر الوضوء بين النفسيّة والغيريّة، ونتيجة انحلال هذا العلم الإجمالي هو الإشتغال بالنسبة إلى الوضوء والبراءة عن الصّلاة. لكنّ البراءة إنّما تجري حيث يقطع بجريانها ـ وإلاّ فالظن بجريانها لا يفيد فضلاً عن الشك فيه ـ والقطع بجريان البراءة في الصّلاة يستلزم القطع بعدم المؤاخذة على ترك الوضوء، لكونه مقدّمةً لها، لأنّ القطع بعدم المؤاخذة على ترك ذي المقدّمة يستلزم القطع بعدمها على ترك مقدّمته، وإذا حصل القطع بعدم المؤاخذة على ترك الوضوء، حصل العلم بتعلّق التكليف به على تقدير، والعلم بعدم المؤاخذة به على تقدير، فلم يحصل العلم التفصيلي بالنسبة إليه، فلا تجري قاعدة الإشتغال، بل يكون الوضوء مجرى أصالة البراءة.
وفيه: إن كان المقصود من الإنحلال هو الإنحلال العقلي، فالإشكال وارد، لكن المقصود هو انحلال العلم الإجمالي بحكم الشارع، والحكم العقلي هنا معلّق على عدم الانحلال الشرعي، فإنّ العقل حاكمٌ بضرورة ترتيب الأثر على العلم الإجمالي بين الوضوء والصّلاة مادام لم يصل مؤمّن من قبل الشارع، ومع وصوله يرتفع موضوع حكم العقل، والمؤمّن هنا حديث الرفع، إذ المقتضي لجريانه موجود والمانع عنه مفقود، وهذا المعنى متحقّق في طرف الصّلاة إذ شك في وجوبها النفسي، فتمّ المقتضي لجريان أصل البراءة، ومع وجود العلم التفصيلي في طرف الوضوء لا موضوع لجريان الأصل فيه، فلا معارض لأصالة البراءة في الصّلاة.
أقول:
كان هذا ملخّص ما استفدناه من كلامه دام بقاه في الدّورة اللاّحقة. ولكنّ الإستدلال بحديث الرفع هنا يبتني على أن يكون المرفوع فيه هو المؤاخذة من جهة العمل نفسه أو من جهة غيره المترتّب عليه، فإنّه على هذا المبنى يكون الوضوء مشمولاً لحديث الرفع، إذ بتركه يترتّب العقابُ على ترك الصّلاة لكونه مقدمةً لها.
وأمّا على القول بأنّ المرفوع هو المؤاخذة على خصوص العمل ـ كما هو مختار السيد الأُستاذ ـ فلا يتم الاستدلال به، فراجع(3).

(1) أجود التقريرات 1 / 250.
(2) منتقى الأُصول2 / 231.
(3) منتقى الأُصول 2 / 226 ـ 227.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *