بل إنه موضوع كما اعترف الحافظ ابن خراش

أقول: هذا كلّه بغض النظر عمّا جرى على لسان بعض كبار أئمتهم في الحديث والرجال، من أن الخبر من أصله موضوع، فاستمع إلى ما قاله الذهبي بترجمة الحافظ ابن خراش:
«ابن خراش الحافظ البارع الناقد أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش المروزي ثم البغدادي، سمع… حدّث عنه: أبو سهل القطان وأبو العباس بن عقدة وبكر بن محمد الصيرفي وغيرهم.
قال بكر بن محمد: سمعته يقول: شربت بولي في هذا الشأن خمس مرات. وقال أبو نعيم: ما رأيت أحداً أحفظ من ابن خراش. قال ابن عدي الجرجاني: ذكر بشيء من التشيع وأرجو أنه لا يتعمّد الكذب، سمعت ابن عقدة يقول: كان ابن خراش عندنا إذا كتب شيئاً من باب التشيّع يقول: هذا لا ينفق إلا عندي وعندك. وسمعت عبدان يقول: حمل ابن خراش إلى بندار كان عندنا جزئين صنّفهما في مثالب الشيخين، فأجازه بألفي درهم بنى له بها حجرة، فمات إذ فرغ منها.
وقال أبو زرعة محمد بن يوسف: خرّج ابن خراش مثالب الشيخين، وكان رافضياً.
وقال ابن عدي: سمعت عبدان يقول: قلت لابن خراش: حديث ما تركنا صدقة؟ قال: باطل، أتّهم مالك بن أوس بالكذب.
ثم قال عبدان: وقد روى مراسيل وصلها ومواقيف رفعها.
قلت: جهلة الرافضة لم يدروا الحديث ولا السيرة ولا كيف ثم! فأمّا أنت ـ أيّها الحافظ البارع الذي شربت بولك إن صدقت في الترحال ـ فما عذرك عند اللّه مع خبرتك بالأمور؟ فأنت زنديق معاند للحق، فلا رضي اللّه عنك. مات ابن خراش إلى غير رحمة اللّه سنة 283»(1).
وقال بترجمته أيضاً بعد أن أورد ما تقدّم: «قلت: هذا معثر مخذول، كان علمه وبالاً وسعيه ضلالاً، نعوذ باللّه من الشقاء»(2).
وقال أيضاً: «قلت: هذا واللّه الشيخ المعثر الذي ضلّ سعيه، فإنه كان حافظ زمانه، وله الرحلة الواسعة والاطلاع الكثير والإحاطة، وبعد هذا فما انتفع بعلمه، فلا عتب على حمير الرافضة وحواثر جزين ومشغرا»(3).
تنبيه
ترجم الحافظ الخطيب ابن خراش، فذكر مشايخه والرواة عنه، وقال في وصفه:
«وكان أحد الرحّالين في الحديث إلى الأمصار بالعراق والشام ومصر وخراسان، وممن يوصف بالحفظ والمعرفة».
فلم ينقل كلامه في حديث: نحن معاشر الأنبياء، وإنما أورد ما رواه الذهبي عن ابن عدي عن عبدان، ولكنه حرّف الكلام، فقال: «أنبأنا أبو سعد الماليني أخبر أن عبد اللّه بن عدي قال: سمعت عبدان يقول: أجاز بندار ابن خراش بألفي درهم، فبنى بذلك حجرة ببغداد ليحدّث بها، فما متّع بها ومات حين فرغ منها»(4).
وابن الجوزي لم يورد لا هذا ولا ذاك، وإنما قال في ترجمته: «وكان أحد الرحّالين في الحديث إلى الأمصار، وممن يوصف بالحفظ والمعرفة، إلا أنه ينبز بالرفض»(5).
وترجم له السيوطي أيضاً، فأورد كلامه في الحديث لكن محرّفاً، قال: «قال عبدان: قلت له: حديث ما تركنا صدقة؟ قال: باطل. قال: وقد روى مراسيل…»(6).
فأسقط من الكلام: «اتّهم مالك بن أوس بالكذب».
أقول: ويشهد بكذب رواية أبي بكر عدم قبول الزهراء عليها السلام، وتكذيب علي عليه السلام والعباس كما ستعرف، وكذا عدم علم زوجات النبي صلّى اللّه عليه وآله به، حيث أرسلن عثمان إلى أبي بكر يسألن ميراثهنّ من النبي صلّى اللّه عليه وآله، وأخرجه أرباب الصحاح(7).
بل منه يستفاد عدم علم عثمان أيضاً، وإلا لردّهنّ ولم يبلّغ طلبهنّ إلى أبي بكر، وكذا من سكوته في حديث آخر سنذكره.
بل إن أبا بكر قد كذّب نفسه بكتابته بفدك… كما عرفت.
وما أجود قول الفخر الرازي: «إن المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلاّ فاطمة وعلي والعباس، وهؤلاء كانوا من أكابر الزهّاد والعلماء وأهل الدّين، وأمّا أبو بكر فإنه ما كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة ألبتة، لأنه ما كان ممن يخطر بباله أنه يرث من الرسول، فكيف يليق بالرسول أن يبلّغ هذه المسألة إلى من لا حاجة له إليها، ولا يبلّغها إلى من له إلى معرفتها أشدّ الحاجة»(8).

(1) تذكرة الحفاظ 2 / 684 ـ 685.
(2) سير أعلام النبلاء 13 / 510 .
(3) ميزان الاعتدال 2 / 600.
(4) تاريخ بغداد 10 / 279.
(5) المنتظم 12 / 362.
(6) طبقات الحفاظ: 301.
(7) صحيح مسلم، كتاب الجهاد 5 / 153.
(8) التفسير الكبير 9 / 210.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *