الحديث الثالث عشر

الحديث الثالث عشر
وأخرج العلامة إبراهيم بن محمد الصنعاني في كتابه إشراق الإصباح(1)، عن محمد بن علي الباقر عليه السلام عن آبائه عنه صلّى اللّه عليه وآله من حديث طويل، وفيه: «وهو ـ يعني عليّاً ـ وصيي ووليي»(2).

قال المحب الطبري بعد أن ذكر حديث الوصية إلى علي عليه السلام:
والوصية محمولة على ما رواه أنس من قوله: «وصيي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب». أو على ما أخرجه ابن السراج من قوله صلّى اللّه عليه وآله: «يا علي، أوصيك بالعرب خيراً»(3). أو على ما رواه حسين بن علي عليه السلام عن أبيه عن جدّه قال: أوصى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله علياً أنْ يغسله. فقال: يا رسول اللّه أخشى أنْ لا أطيق. قال: «إنك ستعان عليه»(4). انتهى.
والحامل له على هذا الحمل حديث عائشة السابق.
والواجب علينا الإيمان بأنّ عليّاً عليه السلام وصي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولا يلزمنا التعرض للتفاصيل الموصى بها، فقد ثبت أنّه أمره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وعيّن له علاماتهم، وأودعه جملا من العلوم، وأمره بأمور خاصة كما سلف.
فجعل الموصى بها فرداً منها ليس من دأب المنصفين.
وأورد بعضهم ـ على القائلين بأنّ علياً عليه السلام وصي رسول اللّه ـ سؤالا، فقال: إنْ كانت الوصاية إخباره بما لم يخبر به غيره من الملاحم ونحوها، فقد شاركه في ذلك حذيفة، فإنه خصّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بمعرفة المنافقين، واختصّه بعلم الفتن، وإن حملت على الوصاية بالعرب كما ذكر الطبري، فقد أوصى صلّى اللّه عليه وآله المهاجرين بالأنصار، وأوصى أصحابه بأصحابه.
وأنت تعلم أنّا لم نقصر الوصية بالعرب، ولم نتعرّض للتفصيل; بل قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إنّه وصيّه، فقلنا: إنّه وصيّه. فلا يرد علينا شيء من ذلك.
تنبيه:
اعلم أنّ جماعة من المبغضين للشيعة عدّوا قولهم إنّ عليّاً عليه السلام وصي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، من خرافاتهم، وهذا إفراط وتعنت يأباه الإنصاف، وكيف يكون الأمر كذلك، وقد قال بذلك جماعة من الصحابة، كما ثبت في الصحيحين أنّ جماعة ذكروا عند عائشة أنّ عليّاً وصي، وكما في غيرهما، واشتهر الخلاف بينهم في المسألة وسارت به الركبان، ولعلّهم تلقنوا قول عائشة في أوائل الطلب وكبر في صدورهم حتّى ظنّوه مكتوباً في اللوح المحفوظ، وسدّوا آذانهم عن سماع ما عداه وجعلوه كالدليل القاطع، وهكذا، فليكن الاعتساف والتنكب عن مسالك الإنصاف، وليس هذا بغريب بين أرباب المذاهب، فإنّ كلَّ طائفة ـ في الغالب ـ لا تقيم لصاحبتها وزناً، ولا تفتح لدليلها وإن كان في أعلى رتبة الصحة اُذناً، إلا من عصم اللّه وقليل ما هم.
وقد اكتفينا بإيراد هذا المقدار من الأدلة الدالة على المراد، وإن كان المقام محتملا للإكثار لكثرة الآثار والأخبار، فمَنْ رام الإستيفاء فليراجع الكتب المصنفة في مناقب علي عليه السلام.
حرره المجيب غفراللّه له:
محمد بن علي الشوكاني
ختم اللّه له ولوالديه بالحسنى
في اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان 1205
ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم.


(1) إبراهيم بن محمد بن نزار الصنعاني، من أعلام القرن الثامن الهجري، صاحب كتاب (إشراق الإصباح في مناقب الخمسة الأشباح) هم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وذريتهم (عليهم الصلاة والسلام). أنظر: مصادر الفكر العربي الإسلامي في اليمن ص 114.
(2) يأتي البحثُ مفصلا ـ تحت الحديث الثاني وما بعده ـ حول أحاديث الوصية والدراسة في متونها وأسانيدها، ولا ينكرها إلاّ مكابرٌ، فراجع.
(3) أنظر: مجمع الزوائد 10 / 52.
(4) كنز العمّال 7 / 249، رقم 18780.

الحق المبين تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني)

تم السحب من: http://al-milani.com/naqd/lib-pg.php?booid=2&mid=2&pgid=23