في كيفيّة تظاهره بالإسلام وذلك قبل موت النّبي بخمسة أشهر

قال قدس سرّه: مع أن معاوية لم يزل مشركاً مدّة كون النبي صلّى اللّه عليه وآله مبعوثاً يكذّب بالوحي ويهزأ بالشرع! وكان باليمن يوم الفتح يطعن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ويكتب إلى أبيه صخر بين حرب يعيّره بإسلامه، ويقول له: أصبوت إلى دين محمد، وكتب إليه:
يا صخرُ لا تُسلمنْ طوعاً فتفضحنا *** بعد الذين ببدر أصبحوا فرقا
جدّي وخالي وعمّ الأم ثالثهم *** قوماً وحنظلة المهدي لنا الأرقا
فالموتُ أهون من قول الوشاة لنا *** خلى ابن هند عن العزى كذا فرقا
والفتح كان في شهر رمضان لثمان سنين من قدوم النبي صلّى اللّه عليه وآله المدينة، ومعاوية حينئذ مقيمٌ على الشرك هاربٌ من النبي صلّى اللّه عليه وآله لأنه قد هدر دمه فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوىً صار إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله مضطراً فأظهر الإسلام، وكان إسلامه قبل موت النبي صلّى اللّه عليه وآله بخمسة أشهر، وطرح نفسه على العباس فسأل فيه رسول اللّه فعفا عنه، ثم شفع إليه أن يشرفه ويضيفه إلى جملة الكتاب، فأجابه وجعله واحداً من أربعة عشر.
فكم كان يخصّه من الكتابة في هذه المدّة لو سلّمنا أنه كان كاتب الوحي حتّى استحقّ أنّ يوصف بذلك دون غيره.
الشرح:
وهذه الاُمور الثابتة يقيناً، كلّها قرائن على كذب تسمية معاوية بكاتب الوحي، وأنّ هذه التسمية من البدع الباقية حتى الآن، وما زال بعضهم يصرّ عليها تعصّباً ومتابعةً للهوى.
ولقد تكلّم ابن تيميّة في هذا الموضع وأطنب بما لا حاجة إلى إيراده، فإنّ العلاّمة طاب ثراه قد اقتدى بالإمام أبي محمد الحسن السبط الأكبر عليه الصّلاة والسّلام في الإستدلال بأشعار معاوية على موقفه من النبي والإسلام ـ فيما رواه الزبير بن بكار، في مفاخرة جرت بين الإمام بين رجالات من قريش، في مجلس معاوية ـ فإنه بعد أن تكلّم عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وجعلوا يسبّون عليّاً عليه السلام، قال الإمام أبو محمد:
«... أما بعد، يا معاوية، فما هؤلاء شتموني ولكنك شتمتني... أتذكر يوماً جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه وأخوك عتبة يقوده، فرآكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال: اللهم العن الراكب والقائد والسّائق؟ أتنسى ـ يا معاوية ـ الشعر الذي كتبته إلى أبيك لما همّ أن يسلم تنهاه عن ذلك:
يا صخر لا تسلمن يوماً فتفضحنا... .
فواللّه لما أخفيت من أمرك أكبر مما أبديت»(1).
هذا، ومن المعلوم أن أبا سفيان لم يهم بالإسلام قبل الفتح، فمعاوية قد كتب إليه بذلك بعد الفتح وهو هارب، ولا يكون تظاهره بالإسلام إلا بعد مدّة مديدة من هذا الشعر.
ولا يخفى، أن الزبير بن بكار ـ الراوي للخبر ـ من ذريّة الزبير بن العوام، وعداده في المنحرفين عن علي أمير المؤمنين عليه السلام.


(1) شرح نهج البلاغة 6 / 288 ـ 289.

شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة (2) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=28&mid=385&pgid=4622