الردّ على بقية كلام ابن تيميّة

ورابعاً: قوله: «فأهل السنّة... فهذا لا يرد عليهم» واضح البطلان، فأهل السنّة متفقون على تعظيم أرباب البدع في الدّين، والإقتداء بهم في الأصول والفروع، وتقديمهم على الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وأمر باتّباعهم والتمسّك بهم والاهتداء بهديهم، وهم العترة الطاهرة وأهل بيت النبوة عليهم السلام... فالطعن وارد على المبدعين وأتباعهم.
والقسم الثاني، وهو من قوله: «وإن أراد بالتمتع فسخ الحج إلى العمرة...» يشتمل على أمور كلّها خارجة عن المقصود، إذ ليس (فسخ الحج إلى العمرة) مراداً لا لعمر وعثمان ومعاوية وغيرهم الذين حرّموا متعة الحج، ولا لأمير المؤمنين وغيره من عيون الصّحابة المدافعين عن السنّة النبويّة والدّاعين النّاس إلى العمل بالكتاب والسنّة... وهذا واضح كلّ الوضوح من الروايات التي ذكرناها، فإن الموضوع فيها هو التمتع بالعمرة إلى الحج، مضافاً إلى قول الصحابة: «صنعها رسول اللّه» والنبي صلّى اللّه عليه وآله لم يفسخ أبداً... .
هذا تمام الكلام على جوابه الأوّل.
قال: «ويقال ثانياً: إن عمر رضي اللّه عنه لم يحرّم متعة الحج، بل يثبت عنه أن الصبي بن معبد لما قال له: إني أحرمت بالحج والعمرة جميعاً، فقال له عمر: هديت لسنّة نبيّك صلّى اللّه عليه وآله. رواه النسائي وغيره. وكان عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما يأمر بالمتعة، فيقولون له: إن أباك نهى عنها. فيقول: إن أبي لم يرد ما تقولون، فإذا ألحّوا عليه أن أباك نهى عنها، قال: أمر رسول اللّه أحق أن تتبعوا أم عمر؟ وقد ثبت عن عمر أنه قال: لو حججت لتمتعت.
وإنما كان مراد عمر رضي اللّه عنه أن يأمر بما هو أفضل، وكان الناس لسهولة المتعة تركوا العمرة في غير أشهر الحج، فأراد أن لا يعرى البيت طول السنة، فإذا أفردوا الحج اعتمروا في سائر السنة، والإعتمار في غير أشهر الحج مع الحج في أشهر الحج أفضل من المتعة، باتفاق الفقهاء الأربعة وغيرهم.
ولذلك قال عمر وعلي رضي اللّه عنهما أن يسافر للحج سفراً وللعمرة سفراً، وإلاّ فهما لم ينشئا الإحرام من دويرة الأهل، ولا فعل ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولا أحد من خلفائه.
والإمام إذا اختار لرعيّته الأمر الفاضل، فالأمر بالشيء نهي عن ضدّه. فكان نهيه عن المتعة على وجه الاختيار لا على وجه التحريم.
وهو لم يقل: «أنا اُحرّمها».
وقد قيل: إنه نهى عن الفسخ، والفسخ حرام عند كثير من الفقهاء، وهو من مسائل الإجتهاد، فالفسخ يحرّمه أبو حنيفة ومالك والشافعي، لكن أحمد وغيره من فقهاء الحديث لا يحرّمون الفسخ، بل يستحبّونه، بل يوجبه بعضهم، ولا يأخذون بقول عمر في المسألة، بل بقول علي وعمران بن حصين وابن عباس وابن عمر وغيرهم من الصحابة رضي اللّه عنهم»(1).
أقول:
وهذا الكلام يتلخّص في مطلبين:
أحدهما: «أن عمر لم يحرّم متعة الحج» «وهو لم يقل أنا أحرمهما» «وإنما كان مراد عمر أن يأمر بما هو أفضل» «والإمام إذا اختار لرعيّته الأمر الفاضل فالأمر بالشيء نهي عن ضدّه» «فكان نهيه عن المتعة على وجه الاختيار لا على وجه التحريم».
والثاني: «قيل إنه نهى عن الفسخ».
أمّا المطلب الثاني، فلا مورد له أصلاً كما تقدّم. وكأنه بنفسه ملتفت إلى سقوط هذا المطلب، لأنه ذكره تارة بعنوان «وإن أراد بالتمتع فسخ الحج إلى العمرة» وأخرى بعنوان «وقد قيل: إنه نهى عن الفسخ».
وأمّا المطلب الأول فهو كذب محض:
أما أوّلاً: فلأنه قد ثبت عن عمر قوله: «وأنا أحرّمهما وأعاقب عليهما» أو «أضرب عليهما». وقد ذكرنا جماعة ممن رواه من الأعلام في كتبهم المعتبرة في العلوم المختلفة، وقد نصّ ابن القيّم على ثبوت هذا القول من عمر.
وفي (المحلّى) رواه عن: أحمد بن محمد الطلمنكي بسنده عن أبي قلابة قال: قال عمر بن الخطاب... .
و(الطلمنكي) هذا هو الذي اعتمد ابن تيمية على روايته قصّة ضبَّة بن محصن مع أبي موسى الأشعري.
وأمّا ثانياً: فلقوله فيما رواه جماعة ذكرنا بعضهم «إن اللّه كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فافصلوا حجّكم من عمرتكم، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلا رجمته بالحجارة».
وأمّا ثالثاً: فلقول عبد اللّه بن عمر للشامي الذي سأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج: «هي حلال. فقال الشامي: إن أباك قد نهى عنها! فقال عبد اللّه بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول اللّه...»(2).
وأمّا رابعاً: فلقول عمر: «واللّه إني لأنهاكم عن المتعة وإنها لفي كتاب اللّه، ولقد فعلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، يعني العمرة بالحج»(3).
هذا; ولا يعارض هذه الأخبار ما رواه عن النسائي عنه في قصّة الصبيّ بن معبد، لضعفه، ولا ما ذكره عن عمر من قوله: «لو حججت لتمتعت» إذ لم يعرف راويه، ولا ما نسبه إلى عبد اللّه من قوله: «إن أبي لم يرد ما تقولون» مع أنه تحريف للحديث الوارد عنه في الصحاح، وقد نقلناه آنفاً.
مضافاً إلى ما ذكره ابن كثير قال: «وكان ابنه عبد اللّه يخالفه فيقال له: إن أباك كان ينهى عنها: فيقول: خشيت أن يقع عليكم حجارة من السماء، قد فعلها رسول اللّه، أفسنّة رسول اللّه نتّبع أم سنّة عمر بن خطاب»؟!(4)
ولو سلّمنا اعتبار هذه الأخبار الموضوعة قطعاً، أمكن الجمع بينها وبين الأخبار المتواترة بحملها على صدورها قبل صدر التحريم منه، فإن التمتع بالعمرة إلى الحج كان يفتى به ويعمل كما أمر اللّه ورسوله به، حتى فترة من توليّه أمر الخلافة، ثم حرّمه من بعد، يشهد به ما جاء عن أبي موسى الأشعري: أنه كان يفتي بالمتعة على عهد عمر. فقال له رجل: رويدك، فإنك لا تدري ما أحدث عمر... .
نعم، لقد (أحدث) عمر.. وما أكثر ما أحدثوا! ولذا قال صلّى اللّه عليه وآله: «إنه ليذادنّ عن الحوض رجال من أصحابي... فأقول: يا ربّ أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا من بعدك»(5).
وبالجملة.. فإن الرجل نهى عن المتعة هذه نهي تحريم، وإنكار ذلك من أيّ كان كذب.. وحينئذ، يسقط ما زعمه من أن مراد عمر كان كذا وكذا.. بل إن عمر قد ذكر بنفسه السبب الذي دعاه إلى النهي، حيث قال لأبي موسى، بعد اعترافه بالمخالفة للّه والرسول: «كرهت أن يظلّوا بهنّ معرّسين في الأراك ثم يروحون بالحج تقطر رؤوسهم».
ولقائل أن يقول: إن هذا الذي تذرّع به عمر هو ظاهر القضيّة، وأما في الحقيقة، فإنه قد أراد إحياء سنّة الجاهلية; فإنهم (كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض) كما في كتاب الحج من صحيح البخاري وصحيح مسلم.
وفي سنن البيهقي عن ابن عبّاس: «واللّه ما أعمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك»(6).
ولذا صحّ عنه صلّى اللّه عليه وآله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول اللّه هي لنا أو للأبد؟ لا بل للأبد» أخرجه أرباب الصحاح كلّهم، وعقد له البخاري في صحيحه باباً.
هذا تمام الكلام في متعة الحج بقدر الضرورة.


(1) منهاج السنّة 4 / 186.
(2) صحيح الترمذي 2 / 159.
(3) صحيح النسائي 5 / 153.
(4) تاريخ ابن كثير 5 / 159.
(5) صحيح البخاري 5 / 191 و 240، 7 / 195 و 206 و 207، 8 / 87 .
(6) سنن البيهقي 4 / 345.

شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة (2) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=28&mid=385&pgid=4540