دلالته على المسح لا الغَسل باعتراف غير واحدٍ من العلماء

وأمّا فقه الحديث ومدلوله، فيتوقف النظر فيه على ذكر متنه في الكتابين:
قال البخاري: «حدّثنا موسى قال: حدّثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد اللّه بن عمرو قال: تخلّف النبي صلّى اللّه عليه وآله عنّا في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار. مرتين أو ثلاثاً».
وقال مسلم: «حدّثني زهير بن حرب، حدّثنا جرير، وحدّثنا إسحاق، أخبرنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد اللّه بن عمرو قال: رجعنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر فتوضأوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء».
ولا يخفى: أن في لفظ مسلم ما يبيّن الإجمال الموجود في لفظ البخاري، ففي البخاري: «فجعلنا نتوضّأ..» وليس فيه ذكر للأعقاب، لكنه عند مسلم «فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول اللّه: ويل للأعقاب من النار» فلفظ مسلم يكون قرينة على المراد من لفظ الحديث عند البخاري.
بل في رواية ابن حجر للفظ مسلم كلمة تزيد المعنى وضوحاً، قال: «وفي أفراد مسلم: فانتهينا إليهم وأعقابهم بيض تلوح لم يمسّها الماء...»(1).
وحينئذ يكون الحديث دالاً على (المسح) لا (الغسل) ولذا تمسّك به من يقول بإجزاء المسح.
قال الحافظ ابن حجر: «فتمسّك بهذا الحديث من يقول بإجزاء المسح»(2).
وقد اعترف بدلالته على المسح: ابن رشد بقوله: «فهو أدلّ على جوازه منه على منعه، لأن الوعيد إنما تعلّق فيه بترك التعميم لا بنوع الطهارة، بل سكت عن نوعها، وذلك دليل على جوازها. وجواز المسح هو أيضاً مروي عن بعض الصحابة والتابعين»(3).
وإليه أشار القسطلاني أيضاً(4).
وقال صاحب المنار، بعد أن قال بأن هذا الحديث أصح أحاديث المسألة، ما نصه: «وقد يتجاذب الاستدلال بهذا الحديث الطرفان، فللقائلين بالمسح أن يقولوا: إن الصحابة كانوا يمسحون، فهذا دليل على أن المسح كان هو المعروف عندهم، وإنما أنكر النبي عليهم عدم مسح أعقابهم»(5).
أقول:
وهذا ما دعا بعضهم إلى التصرف في لفظ الحديث، وإسقاط القصة منه أو عدم ذكرها كاملة. فراجع وقارن(6).
ومنهم من حرّفه حتى جاء ظاهراً في الغسل!! قال النسفي: «وقد صحّ أن النبي صلّى اللّه عليه وآله رأى قوماً يمسحون على أرجلهم فقال: ويل للأعقاب من النار»(7).
وأفرط الزمخشري في التحريف فجعل لفظ (الوضوء) بدل (المسح) قال: «وعن ابن عمر: كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فتوضأ قوم وأعقابهم بيض تلوح فقال: ويل للأعقاب من النار»(8).
ومن عجائب الأمور: أن أحمد يروي هذا الحديث بنفس سند مسلم بلفظين آخرين غير لفظه، كي يخرج عن دلالته على المسح(9).


(1) فتح الباري في شرح البخاري 1 / 232.
(2) فتح الباري في شرح البخاري 1 / 232.
(3) بداية المجتهد 1 / 17.
(4) إرشاد الساري في شرح البخاري 1 / 248.
(5) تفسير المنار 6 / 228.
(6) سنن أبي داود 1 / 15، صحيح الترمذي 1 / 58، سنن النسائي 1 / 89 ، سنن ابن ماجة 1 / 154.
(7) تفسير النسفي 1 / 271.
(8) الكشاف في تفسير القرآن 1 / 598 .
(9) مسند أحمد بن حنبل 2 / 193، 2 / 201.

شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة (2) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=28&mid=385&pgid=4527