مجمل الوقائع في الطريق

الفصل الرابع

في مجمل الوقائع في الطريق


ونتعرّض في ما يلي لأهمّ الوقائع التي مرّ بها الإمام عليه السلام في طريقه من مكّة إلى العراق، كما ذكرها الرواة والمؤرّخون:

أخذه العِـيـر في التنعيم
قالوا: خرج الإمام عليه السلام من مكّة يوم التروية، وسار هو وأصحابه فمرّوا بالتنعيم، فرأى بها عِيراً قد أقبلت من اليمن بعث بها بَحير ابن رَيْسان من اليمن إلى يزيد بن معاوية، وكان عامله على اليمن، وعلى العِير الوَرْس والحُلل، فأخذها الحسـين وقال لأصحاب الإبل: مَنْ أحبّ منكم أن يمضي معنا إلى العراق أَوْفَينا كِراءه وأحسـنّا صُحْبته، ومَنْ أحبّ أن يفارقنا من مكاننا أعطيناه نصيبه من الكِراء; فمَن فارق منهم أعطاه حقّـه، ومن سار معه أعطاه كراءه وكساه(1).

الإمام والفرزدق في الصفاح
ثمّ سار، فلمّا انتهى إلى الصفاح.. قال ابن الأثير: لقيه الفرزدق الشاعر فقال له: أعطاك اللهُ سُؤلك وأملك في ما تحبّ.
فقال له الحسـين: بيّن لي خبر الناس خلفك.
قال: الخبيرَ سألتَ، قلوبُ الناس معك، وسيوفهم مع بني أُميّة، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء.
فقال الحسـين: صدقتَ، لله الأمرُ، يفعل ما يشاء، وكلّ يوم ربّنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتدِ مَنْ كان الحقّ نيّته، والتقوى سريرته(2).

وصول كـتاب عبـد الله بن جعفـر
وذكروا وصول كـتاب عبـد الله بن جعفر إلى الإمام عليه السلام; فروى الطبري عن عليّ بن الحسـين عليه السلام، قال:
لمّا خرجنا من مكّة، كتب عبـد الله بن جعفر بن أبي طالب إلى الحسـين بن عليّ مع ابنيه عون ومحمّـد:
أمّا بعد، فإنّي أسألك بالله لمّا انصرفت حين تنظر في كتابي، فإنّي مشفق عليك من الوجه الذي توجّه له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفئ نور الأرض، فإنّك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير فإنّي في أثر الكتاب; والسلام.
قال: وقام عبـد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلّمه، وقال: اكتب إلى الحسـين كتاباً تجعل له فيه الأمان، وتمنّيه فيه البرّ والصلة، وتوثّق له في كتابك، وتسأله الرجوع، لعلّه يطمئنّ إلى ذلك فيرجع.
فقال عمرو بن سعيد: اكـتب ما شئت وائتني به حتّى أختمه.
فكـتب عبـد الله بن جعفر الكتاب، ثمّ أتى به عمرو بن سعيد فقال له: اختمه وابعث به مع أخيك يحيى بن سعيد، فإنّه أحرى أن تطمئنّ نفسه إليه، ويعلم أنّه الجدّ منك; ففعل، وكان عمرو بن سعيد عاملَ يزيد ابن معاوية على مكّة.
قال: فلحقه يحيى وعبـد الله بن جعفر، ثمّ انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب، فقالا: أَقْـرَأْنَـاه الكتابَ، وجهدنا به، وكان ممّا اعتذر به إلينا أن قال: إنّي رأيت رؤيا فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأُمرت فيها بأمر أنا ماض له، علَيَّ كان أَوْ لي.
فقالا له: فما تلك الرؤيا؟
قال: ما حدّثت أحداً بها، وما أنا محدّث بها حتّى ألقى ربّي(3).
قال: وكان كـتاب عمرو بن سعيد إلى الحسـين بن عليّ:
بســم الله الرحمن الرحيـم
من عمرو بن سعيد إلى الحسـين بن عليّ.
أمّا بعد، فإنّي أسأل الله أن يصرفك عمّا يوبقك، وأن يهديك لِما يرشدك.
بلغني أنّك قد توجّهت إلى العراق، وإنّي أُعيذك بالله من الشقاق، فإنّي أخاف عليك فيه الهلاك، وقد بعثت إليك عبـد الله بن جعفر ويحيى ابن سعيد، فأقبل إليّ معهما، فإنّ لك عندي الأمان والصلة والبرّ وحسـن الجوار لك، الله علَيَّ بذلك شهيد وكفيلٌ، ومُراع ووكيل، والسلام عليك.
قال: وكتب إليه الحسـين:
أمّا بعد، فإنّه لم يشاقق الله ورسوله من دعا إلى الله عزّ وجل وعمل صالحاً وقال إنّني من المسلمين، وقد دعوت إلى الأمان والبرّ والصلة، فخير الأمان أمان الله، ولن يؤمن الله يوم القيامة من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافةً في الدنيا توجب لنا أمانَه يوم القيامة، فإن كنت نوبت بالكتاب صلتي وبرّي، فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة; والسلام»(4).
وقال الخوارزمي: «لقيه رجلٌ من بني أسد يقال له: بشر بن غالب، فقال له الحسـين: ممّن الرجل؟
قال: من بني أسد.
قال: فمن أين أقبلت؟
قال: من العراق.
قال: فكيف خلّفت أهل العراق؟
فقال: يا ابن رسول الله! خلّفت القلوب معك، والسيوف مع بني أُميّة.
فقال له الحسـين: صدقت يا أخا بني أسد، إنّ الله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
قال له الأسدي: يا ابن رسول الله! أخبرني عن قول الله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ)(5)؟
فقال له الحسـين عليه السلام: نعم يا أخا بني أسد، هما إمامان: إمام هدىً دعا إلى هدىً، وإمام ضلالة دعا إلى ضلالة، فهذا ومن أجابه إلى الهدى في الجنّـة، وهذا ومن أجابه إلى الضلالة في النار»(6).

كـتاب الإمام إلى الكوفة من الحاجر
قال ابن الأثير:
فلمّا بلغ الحسـين الحاجر، كتب إلى أهل الكوفة مع قيس بن مُسْهِر الصيداوي يعرّفهم قدومَه، ويأمرهم بالجدّ في أمرهم، فلمّا انتهى قيسٌ إلى القادسية أخذه الحصين فبعث به إلى ابن زياد، فقال له ابن زياد: اصعد القصر فسـبّ الكـذّابَ ابنَ الكـذّاب الحسـين بن عليّ!
فصعد قيسٌ فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ هذا الحسـين بن عليّ خيرُ خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، أنا رسوله إليكم، وقد فارقتُه بالحاجر، فأجيبوه; ثمّ لعن ابنَ زياد وأباه، واستغفر لعليّ.
فأمر به ابن زياد فـرُمي من أعلى القصر، فتقطّع فمات(7).
وقال الشيخ المفيد:
«بعث قيس بن مسهر الصيداوي ـ ويقال: بل بعث أخاه من الرضاعة عبـد الله بن يقطر ـ إلى الكوفة، ولم يكن عليه السلام علم بخبر مسلم بن عقيل رحمة الله عليهما، وكـتب معه إليهم:
بســم الله الرحمن الرحيـم; من الحسـين بن عليّ إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد، فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبر فيه بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقّنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصنيع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم، وجِدّوا، فإنّي قادم عليكم في أيّامي هذه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة، وكتب إليه أهل الكوفة أنّ لك ها هنا مئة ألف سيف ولا تتأخّر، فأقبل قيس بن مسهر إلى الكوفة بكتاب الحسـين عليه السلام، حتّى إذا انتهى إلى القادسية، أخذه الحُصين بن نمير فبعث به إلى عبيـد الله بن زياد، فقال له عبيـد الله: اصعد فسـبّ الكـذّاب الحسـين بن عليّ!
فصعد قيـس فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس! إنّ هذا الحسـين بن عليّ خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله إليكم، فأجيبوه! ثمّ لعن عبيـد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعليّ بن أبي طالب وصلّى عليه.
فأمر عبيـد الله أن يرمى به من فوق القصر، فرموا به فتقطّـع.
وروي أنّه وقع إلى الأرض مكتوفاً فتكسّرت عظامه وبقي به رمق، فجاء رجل يقال له: عبـد الملك بن عمير اللخمي، فذبحه، فقيل له في ذلك وعِيب عليه، فقال: أردت أن أُريحه»(8).
قال السـيّد ابن طاووس:
«وكتب الحسـين عليه السلام كتاباً إلى سليمان بن صرد والمسـيّب ابن نجبة ورفاعة بن شدّاد وجماعة من الشيعة بالكوفة، وبعث به مع قيس ابن مسهر الصيداوي، فلمّا قارب دخول الكوفة اعترضه الحصين بن نمير صاحب عبيـد الله بن زياد ليفتّشه، فأخرج قيس الكتاب ومزّقه، فحمله الحصين إلى ابن زياد، فلمّا مثل بين يديه قال له: من أنت؟
قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وابنه عليهما السلام.
قال: فلماذا مزّقت الكـتاب؟!
قال: لئـلاّ تعلم ما فيه.
قال: ممّن الكـتاب؟! وإلى من؟!
قال: من الحسـين بن عليّ عليهما السلام إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم.
فغضب ابن زياد، وقال: والله لا تفارقني حتّى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم، أو تصعد المنبر فتلعن الحسـين وأباه وأخاه، وإلاّ قطّعتك إرباً إرباً.
فقال قيس: أمّا القوم فلا أُخبرك بأسمائهم، وأمّا لعن الحسـين وأبيه وأخيه فأفعل.
فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وأكثر من الترحّم على عليّ ووُلده صلوات الله عليهم، ثمّ لعن عبيـد الله بن زياد وأباه، ولعن عتاة بني أُميّة عن آخرهم، ثمّ قال:
أيّها الناس! أنا رسول الحسـين بن عليّ عليهما السلام إليكم، وقد خلّفته بموضع كـذا وكـذا، فأجيبوه!
فأُخبر ابن زياد بذلك، فأمر بإلقائه من أعلى القصر، فأُلقي من هناك فمـات رحمه الله.
فبلغ الحسـين عليه السلام موته فاستعبر باكياً، ثمّ قال: اللّهمّ اجعل لنا ولشـيعتنا منزلا كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مسـتقرّ من رحمتك، إنّـك على كلّ شيء قدير»(9).

بين الإمام وعبـد الله بن مطيـع في ماء
قال ابن الأثير:
«ثمّ أقبل الحسـين يسـير نحو الكوفة، فانتهى إلى ماء من مياه العـرب، فإذا عليه عبـدُ الله بن مُطيـع، فلمّـا رآه قـام إليه فقال: بأبي وأُمّي يا ابنَ رسول الله! ما أقدمك؟!
فاحتمله فأنزله، فأخبره الحسـينُ، فقال له عبـد الله: أُذكِّرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تُنْتهك، أنشدك الله في حرمة قُريش، أنشدك الله في حرمة العرب، فوالله لئن طلبتَ ما في أيدي بني أُميّة ليقتلُنّك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً، والله إنّها لحرمة الإسلام ]تُـنْـتَـهـك [وحرمة قريـش وحرمة العرب، فلا تفعل، ولا تأتِ الكوفة، ولا تُعرّض نفسك لبني أُميّـة!
فأبى إلاّ أن يمضي»(10).

ما سمعته زينب بنت عليّ في الخزيميّـة
قال الخوارزمي:
«لمّا نزل الحسـين عليه السلام بالخزيميّة، أقام بها يوماً وليلة، فلمّا أصبح جاءت إليه أُخته زينب بنت عليّ فقالت له: يا أخي! ألا أُخبرك بشيء سمعته البارحة؟
فقال لها: وما ذاك يا أُختـاه؟
فقالت: إنّي خرجت البارحة في بعض الليل لقضاء حاجة، فسمعت هاتفاً يقول:
ألا يا عين فاحتفلي بجهدِ *** فمن يبكي على الشهداء بعدي
على قوم تسوقهـم المنايـا *** بمـقـدار إلى إنجـاز وعـدِ
فقال لها الحسـين: يا أُختـاه! كلُّ ما قضي فهو كائن»(11).

بين الإمام وزهير بن القين في زرود
قال الطبري: «فأقبل الحسـين حتّى كان بالماء فوق زَرُود»(12).
ثمّ روى الطبري عن رجل من بني فزارة، قال:
«لمّا كان زمن الحجّاج بن يوسف كنّا في دار الحارث بن أبي ربيعة، التي في التمّارين، التي أُقطعت بعدُ زهيرَ بن القين، من بني عمرو بن يشكر من بجيلة، وكان أهل الشام لا يدخلونها، فكـنّا مختبئين فيها، قال: فقلت للفزاري: حدّثني عنكم حين أقبلتم مع الحسـين بن عليّ.
قال: كنّا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكّة نساير الحسـين، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل، فإذا سار الحسـين تخلّف زهير بن القين، وإذا نزل الحسـين تقدّم زهير، حتّى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بُـدّاً من أن ننازله فيه، فنزل الحسـين في جانب ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغدّى من طعام لنا، إذ أقبل رسول الحسـين حتّى سلّم، ثمّ دخل فقال: يا زهير بن القين! إنّ أبا عبـد الله الحسـين بن عليّ بعثني إليك لتأتيه.
قال: فطرح كلّ إنسان ما في يده حتّى كأنّنا على رؤوسنا الطير.
قال أبو محنف: فحدّثتني دلهم بنت عمرو امرأة زهير بن القين، قالت: فقلت له: أيبعث إليك ابن رسول الله ثمّ لا تأتيه؟! سبحان الله! لو أتيته فسمعت من كلامه ثمّ انصرفت؟!
قالت: فأتاه زهير بن القين، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أسفر وجهه، قالت: فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فقُدِّم وحمل إلى الحسـين، ثمّ قال لامرأته: أنت طالق، إلحقي بأهلك! فإنّي لا أُحبّ أن يصيبك من سببي إلاّ خير.
ثمّ قال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد، إنّي سأُحدّثكم حديثاً; غزونا بلنجر، ففتح الله علينا، وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الباهلي: أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم؟
فقلنا: نعم.
فقال لنا: إذا أدركتم شباب آل محمّـد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم منكم بما أصبتم من الغنائم.
فأمّا أنا فإنّي أسـتودعكم الله.
قال: ثمّ والله ما زال في أول القوم حتّى قُـتل»(13).
وقال السـيّد ابن طاووس: «قال زهير: قد عزمت على صحبة الحسـين عليه السلام لأفديه بروحي وأقيه بنفسي.
ثمّ أعطاها مالها وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها، فقامت إليه وودّعته وبكت وقالت: كان الله لك عوناً ومعيناً، خار الله لك، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسـين»(14).

واختصر ابن الأثير الخبر فقال:
وكان زُهَير بن القَين البَجَليّ قد حجّ، وكان عثمانيّاً، فلمّا عاد جمعهما الطريقُ، وكان يساير الحسـين من مكّة إلاّ أنّه لا ينزل معه، فاستدعاه يوماً الحسـين، فشقّ عليه ذلك ثمّ أجابه على كره، فلمّا عاد من عنده نقل ثَقَله إلى ثَقَل الحسـين ثمّ قال لأصحابه: مَنْ أحبّ منكم أن يتبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد، وسأُحدّثكم حديثاً; غزونا بَلَنْجَر ففُتح علينا وأصبنا غنائم، ففرحنا، وكان معنا سلمان الفارسي فقال لنا: إذا أدركتم سيّد شباب أهل محمّـد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من الغنائم; فأمّا أنا فأستودعكم الله!
ثمّ طلّق زوجته وقال لها: الحقي بأهلك! فإنّي لا أُحبّ أن يصيبك في سـببي إلاّ خير.
ولزم الحسـين حتّى قُتل معه(15).

وصول خبر مقتل مسلم وهاني إلى الإمام بالثعلبيّة
وروى علماء الفريقين، عن عبـد الله بن سليمان والمنذر بن المشمعل الأسديّين، أنّهما لقيا في زَرُود رجلا من بني أسد قادماً من الكوفة، فاسـتخبراه، فأخبرهما باسـتشهاد سـيّدنا مسلم بن عقيل وهاني بن عـروة(16).
فرووا عن الأسديّين أنّهما قالا: «فأقبلنا حتّى لحقنا الحسـين صلوات الله عليه، فسايرناه حتّى نزل الثعلبية ممسـياً، فجئناه حين نزل، فسلّمنا عليه فردّ علينا السلام، فقلنا له: رحمك الله، إنّ عندنا خبراً، إن شئت حدّثناك علانيةً وإن شئت سرّاً.
فنظر إلينا وإلى أصحابه، ثمّ قال: ما دون هؤلاء سرّ.
فقلنا له: رأيتَ الراكب الذي استقبلته عشي أمس؟
قال: نعم، وقد أردتُ مسألته.
فقلنا: قد والله استبرأنا لك خبره وكفيناك مسألته، وهو امرؤ منّا ذو رأي وصدق وعقل، وإنّه حدّثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم وهاني، ورآهما يُجرّان في السوق بأرجلهما.
فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، رحمة الله عليهما، يردّد ذلك مراراً.
فقلنا له: ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلاّ انصرفت من مكانك هذا، فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوّف أن يكونوا عليك.
فنظر إلى بني عقيل فقال: ما ترون فقد قُتل مسلم؟
فقالوا: والله لا نرجع حتّى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق.
فأقبل علينا الحسـين وقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء.
فعلمنا أنّه قد عزم رأيه على المسير، فقلنا له: خار الله لك.
فقال: رحمكما الله.
فقال له أصحابه: إنّك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع.
فسكت، ثمّ انتظر حتّى إذا كان السحر قال لفتيانه وغلمانه: أكثروا من المـاء.
فاسـتقوا وأكـثروا، ثمّ ارتحلوا»(17).
وقال السـيّد ابن طاووس: «قال الراوي: ثمّ سار عليه السلام حتّى نزل الثعلبية وقت الظهيرة، فوضع رأسه فرقد، ثمّ استيقظ فقال: قد رأيت هاتفاً يقول: أنتم تسرعون والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة.
فقال له ابنه عليّ: يا أبة! أفلسـنا على الحقّ؟!
فقال: بلى يا بُني والذي إليه مرجع العباد.
فقال: يا أبة! إذاً لا نبالي بالموت.
فقال الحسـين عليه السلام: فجزاك الله يا بنيّ خير ما جزى ولداً عن والده.
ثمّ بات عليه السلام في الموضع، فلمّا أصبح فإذا برجل من أهل الكوفة يكنّى أبا هرّة الأزدي فلمّا أتاه سلّم عليه، ثمّ قال: يا ابن رسول الله! ما الذي أخرجك من حرم الله وحرم جدّك رسول الله؟!
فقال الحسـين: ويحك يا أبا هرّة! إنّ بني أُميّة أخذوا مالي فصبرت، وشـتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت; وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسـنّهم الله ذلاًّ شاملا وسـيفاً قاطعاً، وليسلّطنّ الله عليهم مَن يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ; إذ ملكتهم امرأة منهم فحكمت في أموالهم ودمائهم حتّى أذلّتهم»(18).

شعرٌ للإمام عليه السلام في الشقوق
قال ابن شهرآشوب:
فلمّا نزل شقوق، أتاه رجلٌ، فسأله عن العـراق، فأخبره بحاله، فقال: إنّ الأمر لله يفعل ما يشاء، وربّنا تبارك كلّ يوم هو في شأن; فإن نزل القضاء فالحمد لله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد من الحق نيّته; ثمّ أنشـد:
فإن تكن الدنيا تعدّ نفيسة *** فدار ثواب الله أعلى وأنبلُ
وإن تكن الأموال للترك جمعها *** فما بال متروك به الحرّ يبخلُ
وإن تكن الأرزاق قسماً مقدّراً *** فقلّة حرص المرء في الكسـب أجملُ
وإن تكن الأبدان للموت أُنشئت *** فقتل امرئ بالسيف في الله أفضلُ
علـيـكـم سـلام الله يـا آل أحمـد *** فإنّي أراني عنكم سوف أرحلُ(19)

وصول خبر مقتل عبـد الله بن يقطر في زبالة
قالوا:
حتّى انتهى عليه السلام إلى زبالة، فأتاه خبر مقتل أخيه من الرضاعة عبـد الله بن يقطر، وكان سرّحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق، فأخذه خيل الحصين... وقد تقـدّم خبر مقتله سابقاً(20).

الإذن بالانصـراف
قالوا:
فلمّا أتى الحسـينَ خبرُ قتل أخيه من الرضاعة ومسلم بن عقيل، أعلم الناسَ ذلك وقال: مَن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف، ليس عليه منّا ذِمام.
فتفرّق الناس عنه تفـرّقاً، فأخذوا يميناً وشمالا، حتّى بقي في أصحابه الّذين جاؤوا معه من مكّـة.
وإنّما فعل ذلك لأنّه علم أنّ الأعراب ظـنّوا أنّه يأتي بلداً قد اسـتقامت له طاعةُ أهلِه، فأراد أن يعلموا علامَ يَقدِمون(21).

بين الإمام ورجل من العرب في بطن العقبة
قال ابن الأثير:
«ثمّ سار حتّى نزل بطن العَقَبة، فلقيه رجل من العرب، فقال له: أنشدك الله لمّا انصرفتَ، فوالله ما تُقدِم إلاّ على الأسـنّة وحدّ السيوف، إنّ هؤلاء الّذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطّؤوا لك الأشياء فقدمتَ عليهم لكان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكرها فلا أرى لك أن تفعل.
فقال: إنّه لا يخفى علَيَّ ما ذكرتَ، ولكنّ الله عزّ وجلّ لا يُغْلَب على أمـره.
ثمّ ارتحـل منهـا»(22).
وفصّل الشـيخ المفيـد الخبر فقال:
«ثمّ سار حتّى مرّ ببطن العقبة، فنزل عليها، فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمرو بن لوذان، فسأله: أين تريد؟
فقال له الحسـين عليه السلام: الكوفة.
فقال الشيخ: أنشدك الله لمّا انصرفت، فوالله ما تُقدِم إلاّ على الأسنة وحدّ السـيوف، وإنّ هؤلاء الّذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطّؤوا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكر فإنّي لا أرى لك أن تفعل.
فقـال لـه: يـا عبـد الله! ليـس يخـفى علَيَّ الرأي، ولكـنّ الله تعـالى لا يُغلب على أمره.
ثمّ قال عليه السلام: والله لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الأُمم»(23).

رؤيـا الإمام عليه السلام
وروى ابن قولويه رحمه الله بإسناده عن أبي عبـد الله الصادق عليه السلام، أنّـه قال:
«لمّا صعد الحسـين بن عليّ عليه السلام عقبة البطن قال لأصحابه: ما أراني إلاّ مقـتولا.
قالوا: وما ذاك يا أبا عبـد الله؟!
قال: رؤيا رأيتها في المنام.
قالوا: وما هي؟
قال: رأيت كلاباً تنهشـني، أشدّها علَيَّ كلب أبقع»(24).

بين الإمام والحـرّ بن يزيد في ذي حسم
قالوا:
وسار الإمام عليه السلام حتّى نزل شراف، فلمّا كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا ماءً كثيراً ثمّ ساروا منها، فلمّا انتصف النهار كبّر رجلٌ من أصحابه... فقال له: مِمَّ كـبّرتَ؟
قال: رأيتُ النخل.
فقال رجلان من بني أسد: ما بهذه الأرض نخلة قطّ!
فقال الحسـين: فما هو؟!
فقالا: لا نراه إلاّ هوادي الخيل.
فقال: وأنا أيضاً أراه ذلك.
وقال لهما: أمَا لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟!
فقالا: بلى، هذا ذو حُسُم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد.
فمال إليه، فما كان بأسرع من أن طلعت الخيل وعدلوا إليهم، فسـبقهم الحسـين إلى الجبل، فنزل، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحُرّ ابن يزيد التميميّ ثمّ اليربوعي، فوقفوا مقابل الحسـين وأصحابه في حرّ الظهيرة، فقال الحسـين لأصحابه وفتيانه: اسقوا القوم ورشّفوا الخيل ترشـيفاً!
ففعلوا، وكان مجيء الحرّ من القادسيّة، أرسله الحُصَين بن نُمَير التميميّ في هذه الألف يستقبل الحسـين، فلم يزل مواقفاً الحسـين حتّى حضرت صلاة الظهر، فأمر الحسـين مؤذّنه بالأذان، فأذّن، وخرج الحسـين إليهم فحمـد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
أيّها الناس! إنّها معذرة إلى الله وإليكم، إنّي لم آتِكم حتّى أتتني كتبكم ورسلكم أن اقدمْ إلينا فليس لنا إمام لعلّ الله أن يجعلنا بك على الهدى; فقد جئتُكم، فإن تُعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم أقدِم مصركم، وإن لم تفعلوا أو كنتم لمقدمي كارهين انصرفتُ عنكم إلى المكان الذي أقبلتُ منه.
فسكتوا، وقالوا للمؤذّن: أقمْ! فأقام، وقال الحسـين للحُرّ: أتريد أن تصلّي أنت بأصحابك؟
فقال: بل صلّ أنت ونصلّي بصلاتك.
فصلّى بهم الحسـين، ثمّ دخل واجتمع إليه أصحابه، وانصرف الحرّ إلى مكانه، ثمّ صلّى بهم الحسـين العصر، ثمّ استقبلهم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
أمّا بعد، أيّها الناس! فإنّكم إن تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أَوْلى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقّنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كـتبكم ورسلكم انصرفتُ عنكم.
فقال الحرّ: إنّا والله ما ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر.
فأخرج خرجَين مملوءين صحفاً فنثرها بين أيديهم.
فقال الحرّ: فإنّا لسـنا من هؤلاء الّذين كتبوا إليك، وقد أُمرنا أنّا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتّى نُقْدمك الكوفة على عبيـد الله بن زياد.
فقال الحسـين: الموت أدنى إليك من ذلك!
ثمّ أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا، فمنعهم الحرّ من ذلك، فقال له الحسـين: ثكلتْك أُمّك! ما تريد؟!
قال له: أمَا والله لو غيرك من العرب يقولها ]لي[ ما تركت ذِكر أُمّه بالثكل كائناً مَنْ كان، ولكنّي والله ما لي إلى ذِكر أُمّك من سبيل إلاّ بأحسـن ما يُقدر عليه.
فقال له الحسـين: ما تريد؟!
قال الحرّ: أُريد أن أنطلق بك إلى ابن زياد.
قال الحسـين: إذاً والله لا أتبعك.
قال الحُرّ: إذاً والله لا أدَعُك.
فترادّا الكلام، فقال له الحـرّ: إنّي لم أُؤمـر بقتـالك، وإنّما أُمرت أن لا أُفارقك حتّى أُقدمك الكوفة، ]فإذا أَبَيتَ[ فخذْ طريقاً لا تُدْخلك الكوفة ولا تَرُدّك إلى المدينة، حتّى أكتب إلى ابن زياد، وتكتب أنت إلى يزيد أو إلى ابن زياد، فلعلّ الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أُبتلى بشيء من أمرك.
فتياسـرَ عن طريق العُذَيْب والقادسـيّة، والحـرّ يسايره.
ثمّ إنّ الحسـين خطبهم فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس! إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: مَنْ رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحُرَم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسُـنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر ما عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدْخله مُدخَله.
ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واسـتأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحَـقّ من غيري، وقد أتـتني كتبكم ورسلكم ببيعتـكم، وأنّـكم لا تُسلموني ولا تخذلوني، فإن أقمتم على بيعتكم تُصيبوا رشدكم، وأنا الحسـين بن عليّ بن فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهلكم، فلكم فيَّ أُسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتـم عهدي وخلعتم بيعتي، فلعمري ما هي لكم بنكير، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم بن عقيل، والمغرور من اغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم، ونصيبَكم ضيّعتم، (فَمَنْ نَكَثَ فَإنَّمَا يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ)وسـيغني الله عنكم; والسلام.
فقال له الحُرّ: إنّي أُذكّرك الله في نفسك، فإنّي أشهد لئن قاتلتَ لتُقْتَلنّ.
فقال له الحسـين: أبالموت تخوّفني؟! وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟! وما أدري ما أقول لك؟! ولكنّي أقول كما قال أخو الأوْسيّ لابن عمّه وهو يريد نُصرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أين تذهب؟! فإنّك مقتول! فقال:
سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى *** إذا ما نوى خيراً وجاهَدَ مُسلما
وواسى رجالا صالحينَ بنَفسِهِ *** وخالَفَ مثْبوراً وفارَقَ مُجرِما
فإنْ عشتُ لم أندَمْ وإنْ متُّ لم أُلمْ *** كفى بك ذُلاًّ أن تعيشَ وتُرْغَما
فلمّا سمع ذلك الحُرّ تنحّى عنه، فكان يسـير ناحيةً عنه(25).

خطبـة الإمـام
ورووا أنّ الإمام عليه السلام قام خطيباً بذي حسم، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
«إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، واسـتمرّت جَـذّاء فلم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء، وخسـيـس عيـش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أنّ الحقّ لا يعمل به، وأنّ الباطل لا يتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً.
فقام زهير بن القين البجلي فقال لأصحابه: تكلّمون أم أتكلّم؟!
قالوا: لا، بل تكلّم.
فحمد الله فأثنى عليه، ثمّ قال: قد سمعنا هَداك الله يا ابن رسول الله مقالتك، والله لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنّا فيها مخلّدين إلاّ أنّ فراقها في نصرك ومواساتك، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها.
قال: فدعا له الحسـين، ثمّ قال له خيراً»(26).
وقال السيّد ابن طاووس: «ووثب هلال بن نافع البجلي فقال: والله ما كرهنا لقاء ربّنا، وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا، نُوالي من والاك، ونعادي من عاداك.
قال: وقام برير بن خضير، فقال: والله يا ابن رسول الله، لقد منّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك فتقطّع فيك أعضاؤنا، ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة»(27).

بين الإمام والطرمّاح وأصحابه في عذيب الهِـجانات
فسار الإمام عليه السلام حتّى وصل عذيب الهجانات، كان بها هجائن النعمان ترعى هناك فنسـب إليها، قال ابن الأثير:
فإذا هو بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرساً لنافع بن هلال يقال له: الكامل، ومعهم دليلهم الطِّرِمّاح بن عديّ، فانتهوا إلى الحسـين، فأقبل إليهم الحُرّ وقال: إنّ هؤلاء النفر من أهل الكوفة وأنا حابسهم أو رادّهم.
فقال الحسـين: لأمنعنّهم ممّا أمنع منه نفسي، إنّما هؤلاء أنصاري، وهم بمنزلة من جاء معي، فإن تمّمتَ على ما كان بيني وبينك، وإلاّ ناجزتُـك.
فكـفّ الحُـرّ عنهم، فقال لهم الحسـين: أخبروني خبر الناس خلفكم؟
فقال له مجمّع بن عبيـد الله العامريّ ـ وهو أحدهم ـ : أمّا أشراف الناس فقد أُعظِمت رشوتهم، ومُلئت غرائرهم، فهم أَلْبٌ واحدٌ عليك.
وأمّا سائر الناس بعدهم، فإنّ قلوبهم تهوي إليك، وسيوفهم غداً مشهورة عليـك.
وسألهم عن رسوله قيس بن مُسْهِر، فأخبروه بقتله وما كان منه، فترقرقت عيناه بالدموع ولم يملك دمعته، ثمّ قرأ: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْديلا)(28); اللّهمّ اجعل لنا ولهم الجنّة، واجمعْ بيننا وبينهم في مسـتقرّ رحمتك، وغائب مذخور ثوابك.
وقال له الطرِمّاح بن عديّ: والله ما أرى معك كثيرَ أحد، ولو لم يقاتلك إلاّ هؤلاء الّذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم، ولقد رأيتُ قبل خروجي من الكوفة بيوم ظهرَ الكوفة وفيه من الناس ما لم ترَ عيناي جمعاً في صعيد واحد أكثر منه قطّ ليسيروا إليك، فأنشدك الله إن قدرتَ على أن لا تقدم إليهم شبراً فافعلْ.
فإن أردتَ أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتّى ترى رأيك ويسـتبين لك ما أنت صانع، فسِرْ حتّى أُنزلك جبلنا أجأ، فهو والله جبل امتنعنا به من ملوك غسّان وحِمْير والنعمان بن المنذر، ومن الأحمر والأبيض، والله ما إن دخل علينا ذُلّ قطّ، فأسـيرُ معك حتّى أُنزلك ]القُرَيَّـة[، ثمّ تبعث إلى الرجال ممّنْ بأجأ وسَلمى من طيّئ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيّام حتّى تأتيك طيّئ رجالا وركباناً، ثمّ أقمْ فينا ما بدا لك، فإن هاجك هَـيْجٌ، فأنا زعيـمٌ لـك بعشـرين ألـف طـائيّ يضـربـون بيـن يديـك بأسـيافهم، فوالله لا يُوصل إليك أبداً وفيهم عين تطرف.
فقال له: جزاك الله وقومك خيراً! إنّه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسـنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندري علامَ تتصرّف بنا وبهم الأُمور.
فودّعه وسار إلى أهله ووعده أن يوصل الميرة إلى أهله ويعود إلى نصره، ففعل، ثمّ عاد إلى الحسـين، فلمّا بلغ عُذيب الهِجانات لقيه خبر قتله، فرجع إلى أهله(29).
وقال الطبري:
«حتّى انتهوا إلى عذيب الهِجانات وكان بها هجائن النعمان ترعى هنالك، فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم، يجنبون فرساً لنافع بن هلال يقال له: الكامل، ومعهم دليلهم الطرمّاح بن عديّ على فرسه، وهو يقول:
يا ناقتي لا تذعري من زجري *** وشمّري قبل طلوع الفجرِ
بخير رُكبان وخير سفرِ *** حتّى تحلي بكريم النجرِ
الماجد الحرّ رحيب الصدرِ *** أتى به اللهُ لخير أمرِ
ثـمّـت أبـقـاه بـقــاء الـدهــرِ
قال: فلمّا انتهوا إلى الحسـين أنشدوه هذه الأبيات، فقال: أما والله إنّي لأرجو أن يكون خيراً ما أراد الله بنا، قُتلنا أم ظفرنا.
قال: وأقبل إليهم الحـرّ بن يزيد فقال:...»(30).

بين الإمام ورجل من الكوفة في الرهيمة
قال الشـيخ الصـدوق:
«ثمّ سار حتّى نزل الرهيمة، فورد عليه رجل من أهل الكوفة يكنّى أبا هرم، فقال: يا ابن النبيّ! ما الذي أخرجك من المدينة؟!
فقال: ويحك يا أبا هرم! شـتموا عرضي فصبرت، وطلبوا مالي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله ليقتلنّي، ثمّ ليلبسنّهم الله ذلاًّ شاملا، وسـيفاً قاطعاً، وليسلّطنّ عليهم مَن يذلّهم»(31).

بين الإمام وعبيـد الله بن الحرّ في قصر بني مقاتل
وسار الإمام عليه الصلاة والسلام حتّى انتهى إلى قصر بني مقاتل، فنزل به، فرأى فسطاطاً مضروباً فقال: لمَنْ هذا؟
فقيل: لعبيـد الله بن الحُرّ الجُعفيّ.
فقال: ادعوه لي.
فلمّا أتاه الرسول يدعوه قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والله ما خرجتُ من الكوفة إلاّ كراهية أن يدخلها الحسـين وأنا بها، والله ما أُريد أن أراه ولا يراني.
فعاد الرسولُ إلى الحسـين فأخبره، فلبس الحسـين نعلَيْه ثمّ جاء فسلّم عليه ودعاه إلى نصره، فأعاد عليه ابن الحُرّ تلك المقالة، قال: فإلاّ تنصرني فاتّـقِ الله أن تكون ممّن يقـاتلنا، فوالله لا يسمع واعيتَـنا أحـدٌ ثمّ لا ينصرنا إلاّ هلك.
فقال له: أمّا هذا فلا يكون أبداً إن شاء الله تعالى.
ثمّ قام الحسـين إلى رحله، ثمّ سار ليلا ساعةً فخفق برأسه خفقة ثمّ انتبه وهو يقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين.
فأقبل إليه ابنُه عليّ بن الحسـين، فقال: يا أبتِ جُعلتُ فداك! مِمّ حمدتَ واسـترجعتَ؟
قال: يا بنيّ إنّي خفقتُ ]برأسي[ خفقةً فعنّ لي فارس على فرس، فقال: القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم; فعلمتُ أنّ أنفسنا نُعيت إلينا.
فقال: يا أبتِ لا أراك اللهُ سُوءاً، ألسـنا على الحقّ؟!
قال: بلى والذي يرجع إليه العباد.
قال: إذاً لا نبالي أن نموت محقّين.
فقال له: جزاك الله من ولد خيراً ما جزى ولداً عن والده.
فلمّا أصبح نزل فصلّى ثمّ عجّل الركوبَ فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرّقهم، فأتى الحُرّ فردّه وأصحابه، فجعل إذا ردّهم نحو الكوفة ردّاً شديداً امتنعوا عليه وارتفعوا، فلم يزالوا يتياسرون حتّى انتهوا إلى نِينَوى»(32).

الإمام في نينوى وكـتاب ابن زياد للحـرّ
ووصل الإمام عليه السلام إلى نينوى، فلمّا نزل بها «إذا براكب مقبل من الكوفة، فوقفوا ينتظرونه، فسلّم على الحُرّ ولم يسلّم على الحسـين وأصحابه، ودفع إلى الحُرّ كتاباً من ابن زياد، فإذا فيه:
أمّا بعد، فجعجِعْ(33) بالحسـين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلاّ بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرتُ رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري; والسلام.
فلمّا قرأ الكتاب قال لهم الحُرّ: هذا كتاب الأمير يأمرني أن أُجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه، وقد أمر رسولَه أن لا يفارقني حتّى أُنفذ رأيه.
وأخذهم الحُرّ بالنزول على غير ماء ولا في قرية، فقالوا: دَعْنا ننزل في نينوى أو الغاضريّة أو شُفَـيّـة.
فقال: لا أستطيع، هذا الرجل قد بُعث عيناً علَيَّ.
فقال زُهير بن القَين للحسـين: إنّه لا يكون والله بعد ما ترون إلاّ ما هو أشدّ منه يا ابن رسول الله، وإنّ قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال مَن يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينّا من بعدهم ما لا قِبل لنا به!
فقال الحسـين: ما كنتُ لأبدأهم بالقتال.
فقال له زهير: سِرْ بنا إلى هذه القرية حتّى ننزلها فإنّها حصينة وهي على شاطئ الفرات، فإن منعونا قاتلناهم، فقتالهم أهون علينا مِن قتال مَن يجيء بعدهم.
فقال الحسـين: ما هي؟
قال: الـعَـقْر.
قال: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الـعَـقْر!
ثمّ نزل، وذلك يوم الخميس الثاني من محرّم سـنة إحدى وسـتّين.
فلمّا كان الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص من الكوفة في أربعة آلاف...»(34).
وقال الخوارزمي:
«وقال للحسـين رجل من شيعته، يقال له: هلال بن نافـع الجملي: يا ابن رسـول الله! أنت تعلم أنّ جدّك رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يقدر أن يُشرب الناس محبّته، ولا أن يرجعوا إلى ما كان أحبّ، فكان منهم منافقون يعدونه بالنصر ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل ويخلفونه بأمرّ من الحنظل، حتّى قبضه الله تبارك وتعالى إليه.
وإنّ أباك عليّـاً صلوات الله عليه قد كان في مثل ذلك، فقوم قد أجمعوا على نصرته وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين، وقوم قعدوا عنه وخذلوه، حتّى مضى إلى رحمة الله ورضوانه وروحه وريحانه.
وأنت اليوم يا ابن رسول الله على مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده وخلع بيعتـه فلن يضـرّ إلاّ نفسـه، والله تبـارك وتعـالى مغن عنه، فسـر بنا يا ابن رسول الله راشداً معافىً مشرّقاً إن شئت أو مغرّباً، فوالله الذي لا إله إلاّ هو ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربّنا، وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك.
قال: وقال للحسـين آخر من أصحابه، يقال له: برير بن خضير الهمداني: يا ابن رسول الله! لقد منّ الله تعالى علينا بك أن نقاتل بين يديك وتقطّع فيك أعضاؤنا، ثمّ يكون جدّك رسول الله صلّى الله عليه وآله شفيعاً يوم القيامة لنا، فلا أفلح قوم ضيّعوا ابن بنت نبيّهم، أُفّ لهم غداً ما يلاقون، سـينادون بالويل والثبور في نار جهنّم وهم فيها مخلّدون.
فجـزّاهم الحسـين خيـراً.
قال: وخرج وُلد الحسـين وإخوته وأهل بيته حين سمعوا الكلام فنظر إليهم وجمعهم عنده وبكى، ثمّ قال: اللّهمّ إنّا عترة نبيّك محمّـد صلواتك عليه وآله، قد أُخرجنا وأُزعجنا وطُردنا عن حرم جدّنا، وتعدّت بنو أُميّة علينا، اللّهمّ فخذ لنا بحقّنا وانصرنا على القوم الظالمين; ثمّ نادى بأعلى صوته في أصحابه: الرحيل! ورحل من موضعه ذلك»(35).
وروى السـيّد ابن طاووس، أنّ الإمام عليه السلام لمّا بلغ هذه الأرض، وكان ذلك في اليوم الثاني من المحرّم، قال: «ما اسم هذه الأرض؟
فقيل: كربلاء.
فقال: انزلوا! ها هنا محطّ ركابنا وسفك دمائنا، ها هنا مخطّ قبورنا، وها هنا والله سـبي حريمنا، بهذا حدّثني جدّي.
فنزلوا جميعاً، ونزل الحـرّ وأصحابه ناحية»(36).
وقال الشيخ المجلسي:
«فجمع الحسـين عليه السلام وُلده وإخوته وأهل بيته، ثمّ نظر إليهم، فبكى ساعةً، ثمّ قال: اللّهمّ إنّا عترة نبيّك محمّـد، وقد أُخرجنا وطُردنا وأُزعجنا عن حرم جدّنا، وتعدّت بنو أُميّة علينا، اللّهمّ فخذ لنا بحقّنا، وانصرنا على القوم الظالمين.
قال: فرحل من موضعه حتّى نزل في يوم الأربعاء أو يوم الخميس بكربلاء، وذلك في الثاني من المحرّم سـنة إحدى وسـتّين.
ثمّ أقبل على أصحابه، فقال: الناس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسـنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محصّوا بالبلاء قلّ الديّانون.
ثمّ قال: أهذه كربلاء؟
فقالوا: نعم يا ابن رسول الله.
فقال: هذا موضع كرب وبلاء، ها هنا مناخ ركابنا، ومحطّ رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا.
قال: فنزل القوم، وأقبل الحرّ حتّى نزل حذاء الحسـين عليه السلام في ألف فارس، ثمّ كـتب إلى ابن زياد يخبره بنـزول الحسـين بكربـلاء»(37).

***

(1) انظر: تاريخ الطبري 3 / 296، الكامل في التاريخ 3 / 401.
(2) الكامل في التاريخ 3 / 401 ـ 402.
(3) أورده ابن كثير ـ كذلك ـ في البداية والنهاية 8 / 134.
(4) تاريخ الطبري 3 / 297، الكامل في التاريخ 3 / 402.
(5) سورة الإسراء 17: 71.
(6) مقتل الحسـين 1 / 318.
(7) انظر: الكامل في التاريخ 3 / 402.
(8) الإرشاد 2 / 70 ـ 71.
(9) الملهوف على قتلى الطفوف: 135 ـ 136.
(10) الكامل في التاريخ 3 / 402 ـ 403، وانظر: تاريخ الطبري 3 / 301 ـ 302، الإرشاد 2 / 71 ـ 72.
(11) مقتل الحسـين 1 / 323 ـ 324.
(12) تاريخ الطبري 3 / 302.
(13) تاريخ الطبري 3 / 302.
(14) الملهوف على قتلى الطفوف: 133.
(15) الكامل في التاريخ 3 / 403.
(16) الإرشاد 2 / 74، مقتل الحسـين ـ للخولرزمي ـ 1 / 309.
(17) الإرشاد 2 / 74 ـ 75.
(18) الملهوف على قتلى الطفوف: 131 ـ 132.
(19) مناقب آل أبي طالب 4 / 103 ـ 104.
(20) انظر: تاريخ الطبري 3 / 303، الكامل في التاريخ 3 / 403; وقد تقـدّم في الصفحـتين 285 ـ 286.
(21) انظر: تاريخ الطبري 3 / 303.
(22) الكامل في التاريخ 3 / 404.
(23) الإرشاد 2 / 76.
(24) كامل الزيارات: 75 ب 23 ح 14.
(25) الكامل في التاريخ 3 / 407 ـ 409، تاريخ الطبري 3 / 305 ـ 307، الإرشاد 2 / 76 ـ 81.
(26) تاريخ الطبري 3 / 307.
(27) الملهوف على قتلى الطفوف: 138 ـ 139.
(28) سورة الأحزاب 33: 23.
(29) الكامل في التاريخ 3 / 409 ـ 410.
(30) تاريخ الطبري 3 / 307 ـ 308، وانظر: مقتل الحسـين ـ للخوارزمي ـ 1 / 333.
(31) الأمالي: 218 المجلس 30.
(32) انظر: الكامل في التاريخ 3 / 410 ـ 411، تاريخ الطبري 3 / 308 ـ 309.
(33) الـجَـعْـجَـعُ: الموضع الضيّق الخشـن، وقوله: «جَـعْـجِـع» أي: ضيّـق عليه المكان; انظر مادّة «جعع» في: لسان العرب 2 / 298، تاج العروس 11 / 67.
(34) الكامل في التاريخ 3 / 411 ـ 412، وانظر: الأخبار الطوال: 251، تاريخ الطبري 3 / 309 ـ 310، المنتظم 4 / 152.
(35) مقتل الحسـين 1 / 336 ـ 337 ف 11.
(36) الملهوف على قتلى الطفوف: 139.
(37) بحار الأنوار 44 / 383.

من هم قتلة الحسين عليه السلام؟ شيعة الكوفة؟ تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=26&mid=342&pgid=3933