الكتب والرسل

الفصل الأول

في الكـتب والرسل


قال ابن كـثير(1):
«قالوا: لمّا بايع الناس معاوية ليزيد، كان حسـين ممّن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إليه، يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كلّ ذلك يأبى عليهم، فقدم منهم قوم...».
يفيـد هذا الخبر:
1 ـ إنّ المكاتبة كانت في زمان حكومة معاوية.
2 ـ وكانت لمّا بايع الناس معاوية ليزيد، والإمام ممّن لم يبايع..
3 ـ ولم تكن مرّةً واحدة، بل كانوا «يكـتبون» إليه(2)...
4 ـ ولم يكتفوا بالكتابة، بل أرسلوا من قبلهم قوماً إلى المدينة ليرضوه عليه السلام بالخروج إليهم..
5 ـ ووسّطوا محمّـد بن الحنفـيّـة أيضـاً..
فماذا قال الإمام عليه السلام؟
قـال: «إنّ القوم إنّما يريدون أن يأكلوا بنا، ويسـتطيلوا بنا، ويسـتنبطوا دماء الناس ودماءنا»(3).
وماذا كـتب إليهم؟
كتب إليهم: «فالصقوا بالأرض، وأخفوا الشخص، واكتموا الهوى واحترسوا... ما دام ابن هند حيّـاً...»(4).

كـتب أهل الكوفة إلى مكّـة
قال الشـيخ المفيد:
«وبلغ أهل الكوفة هلاك معاوية فأرجفوا بيزيد، وعرفوا خبر الحسـين عليه السلام وامتناعه من بيعته، وما كان من ابن الزبير في ذلك، وخروجهما إلى مكّـة، فاجتمعت الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن صُرَد، فذكروا هلاك معاوية، فحمدوا الله عليه، فقال سليمان: إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسـيناً قد تقـبَّضَ(5) على القوم ببـيعته، وقد خرج إلى مكّـة، وأنتم شـيعته وشـيعة أبيه، فإن كـنتم تعلمون أنّـكم ناصروه ومجاهدو عدوِّه فأعلموه، وإن خفتم الفشل والوهن فلا تغـرّوا الرجل في نفسـه.
قالوا: لا، بل نقاتل عدوّه، ونقتل أنفسنا دونه.
قال: فكـتبوا:
بســم الله الرحمن الرحيـم
للحسـين بن عليّ عليهما السلام، من: سليمان بن صُرد، والمسيّب ابن نجبة، ورفاعة بن شدّاد، وحبيب بن مظاهر، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة..
سلامٌ عليك، فإنّا نحمد إليك الله الّذي لا إله إلاّ هو.
أمّا بعدُ، فالحمد لله الذي قصمَ عدوَّكَ الجبّار العنيد، الذي انتزى على هذه الأُمّة فابتزَّها أمرها، وغصبها فيئَها، وتأمّر عليها بغير رضىً منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولةً بين جبابرتها وأغنيائها، فبُعداً له كما بعدت ثمود.
إنّه ليس علينا إمام، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ.
والنعمان بن بشـير في قصـر الإمـارة، لسـنا نُجمِّعُ معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنّك أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نُلحقه بالشام إن شاء الله.
ثمّ سرّحوا الكتاب مع عبـد الله بن مسمع الهمدانيّ وعبـد الله بن وال، وأمروهما بالنجاء، فخرجا مسرعَين، حتّى قدما على الحسـين عليه السلام بمكّة، لعشر مضينَ من شهر رمضان.
ولبث أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب، وأنفذوا قيسَ بن مسهر الصيداويّ وعبـد الرحمن بن عبـد الله الأرحبيّ وعمارة بن عبد السلوليّ إلى الحسـين عليه السلام، ومعهم نحوٌ من مئة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة.
ثمّ لبثوا يومين آخرين، وسرّحوا إليه هانئ بن هانئ السبيعيّ وسعيد ابن عبـد الله الحنفيّ، وكتبوا إليه:
بســم الله الرحمن الرحيـم
للحسـين بن عليّ من شـيعته من المؤمنين والمسلمين.
أمّا بعد، فحيَّ هلا، فإنّ الناس ينتظرونك، لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل، ثمّ العجل العجل; والسلام.
وكتب شبث بن ربعيّ وحجّارُ بن أبجرَ ويزيدُ بن الحارث بن رُوَيْم وعروةُ بن قيس(6) وعمرو بن الحجّاج الزبيديّ ومحمّـد بن عمرو التميمي(7):
أمّا بعد، فقد اخضرَّ الجَناب، وأينعت الثمار، فإذا شـئتَ فأقدمْ على جُند لك مجنَّـد; والسلام.
وتلاقت الرُسُلُ كلّها عنده، فقرأ الكتب وسأل الرُسُلَ عن الناسِ، ثمّ كتبَ مع هانئ بن هانئ وسعيد بن عبـد الله، وكانا آخر الرُّسُلِ:
بســم الله الرحمن الرحيـم
من الحسـين بن عليّ إلى الملأ من المسلمين والمؤمنين.
أمّا بعد، فإنّ هانئاً وسعيداً قَدما علَيَّ بكتبكم، وكانا آخرَ من قدم علَيَّ من رسلكم، وقد فهمت كلَّ الذي اقتصصتم وذكرتم; ومقالة جُلّكم: أنّه ليسَ علينا إمامٌ فأقبلْ لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحقِّ.
وإنّي باعثٌ إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي، فإن كـتب إليَّ أنّه قد اجتمع رأيُ مَلَئِكم وذوى الحجا والفضل منكم على مثل ما قدمتْ به رُسُلُكم وقرأتُ في كتبكم، أقدِم عليكم وشيكاً إن شاءَ اللهُ. فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائمُ بالقسطِ، الدائنُ بدين الحقِّ، الحابـسُ نفسه على ذات الله; والسلام»(8).

***

(1) البداية والنهاية 8 / 129، وقد تقـدّم في الصفحة 155.
(2) انظر كذلك: أنساب الأشراف 3 / 370، تاريخ الطبري 3 / 277، البداية والنهاية 8 / 121 و 127.
(3) البداية والنهاية 8 / 129، وانظر: الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ 6 / 422، بغية الطلب 6 / 2606، سير أعلام النبلاء 3 / 294.
(4) انظر: أنساب الأشراف 3 / 366، الأخبار الطوال: 222.
(5) تـقـبَّـضَ: زَواه، وقَـبَّـضْـتُ الشيءَ تقبيضاً: جَمَعْـتُه وزَوَيْتُـه; انظر مادّة «قبض» في: لسان العرب 11 / 13، تاج العروس 10 / 134.
(6) كذا في المصدر، والصحيح: عزرة بن قيس اليحمدي الأزدي البصري، وقيل: الأحمسي البجلي.
انظر: الجرح والتعديل 7 / 21 رقم 109، ميزان الاعتدال 5 / 83 رقم 5622، لسان الميزان 4 / 166 رقم 405، تاريخ الطبري 3 / 278، البداية والنهاية 8 / 142 و 143.
(7) كذا في المصدر، والصحيح: محمّـد بن عمير التميمي، كان له شرف وقدر بالكوفة، وولي أذربيجان.
انظر: تاريخ الطبري 3 / 278، جمهرة أنساب العرب: 232 و 233، لسان الميزان 5 / 330 رقم 1094.
(8) الإرشاد 2 / 36 ـ 39.
وانظر عن كتاب الإمام عليه السلام إلى أهل الكوفة وما قاله لمسلم ممّا يدلّ على عدم وثوقه بأهل الكوفة: أنساب الأشراف 3 / 370 ـ 371، تاريخ الطبري 3 / 277 ـ 278، المنتظم 4 / 142، سير أعلام النبلاء 3 / 293 ـ 294، الأخبار الطوال: 229 ـ 230، مقاتل الطالبيّين: 99، تهذيب الكمال 4 / 487، الإصابة 2 / 78، الفتوح ـ لابن أعثم ـ 5 / 35 ـ 36، الكامل في التاريخ 3 / 385 ـ 386، تـاريـخ ابـن خـلـدون 3 / 26 ـ 27، مـروج الـذهـب 3 / 54، مـقـتـل الـحـســيـن ـ للخوارزمي ـ 1 / 281 ـ 284.

من هم قتلة الحسين عليه السلام؟ شيعة الكوفة؟ تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=26&mid=339&pgid=3930