في أنّ يزيد أمر بحمل رأس الإمام ورؤوس الشهداء وسبي العيال إلى الشام

الفصل الثاني

في أنّ يزيد أمر بحمل رأس الإمام ورؤوس الشهداء وسبي العيال إلى الشام



يقول ابن تيميّة:
«ولم يسـب له حريماً أصلا»(1)!!
«فما يُعرف في الإسلام أنّ المسلمين سبوا امرأةً يَعرفون أنّها هاشميّة، ولا سُبي عيال الحسـين...»(2)!!
«ولا طيف برأس الحسـين»(3)!!

حمل الرؤوس إلى الشام
وقد روى البلاذري:
«قالوا، ونصب ابن زياد رأس الحسـين بالكوفة، وجعل يُدارُ به فيها; ثمّ دعا زحر بن قيس الجعفي فسرّح معه برأس الحسـين ورؤوس أصحابه وأهل بيته إلى يزيد بن معاوية; وكان مع زحر: أبو بردة...»(4).
وروى ابن سعد، بإسـناده عن الشعبي:
«رأس الحسـين أوّل رأس حمل في الإسلام»(5).
وقال ابن كثير ـ وهو تلميذ ابن تيميّة ـ :
«ثمّ أمر ]ابن زياد[ برأس الحسـين، فنصب بالكوفة وطيف به في أزقّتها، ثمّ سيّره مع زحر بن قيس ومعه رؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية بالشام، وكان مع زحر جماعة من الفرسان، منهم أبو بردة بن عوف الأزدي وطارق بن أبي ظبيان الأزدي.
فخرجوا حتّى قدموا بالرؤوس كلّها على يزيد بن معاوية»(6).

حمل الرؤوس والعيال كان بأمر من يزيد
روى الطبري:
«وجاء كتاب بأن سرّح بالأُسارى إليّ.
قال: فدعا عبيـد الله بن زياد محفّز بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن، فقال: انطلقوا بالثقل والرأس إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية.
قال: فخرجوا حتّى قدموا على يزيد، فقام محفّز بن ثعلبة فنادى بأعلى صوته: جئنا برأس أحمق الناس وألأمهم.
فقال يزيد: ما ولدت أُمّ محفّز ألأم وأحمق، ولكنّه قاطع ظالم.
قال: فلمّا نظر يزيد إلى رأس الحسـين قال:
يفلّقن هاماً من رجال أعزّة *** علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما»(7)
وروى ابن سعد:
«قدم رسول من قبل يزيد بن معاوية يأمر عبيـد الله أنْ يرسل إليه بثقل الحسـين ومن بقي من ولده وأهل بيته ونسائه، فأسلفهم أبو خالد ذكوان عشرة آلاف درهم فتجهّزوا بها»(8).
وقال ابن الجوزي:
«وجاء رسول من قبل يزيد، فأمر عبيـد الله بن زياد أنْ يرسل إليه بثقل الحسـين ومن بقي من أهله»(9).

شعره عندما تطلّع إلى السبايا والرؤوس
قال الآلوسي:
«وفي تاريخ ابن الوردي وكتاب الوافي بالوفيات:
إنّ السبي لمّا ورد من العراق على يزيد، خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرّيّة عليّ والحسـين رضي الله تعالى عنهما، والرؤوس على أطراف الرماح، وقد أشرفوا على ثنيّة خيرون، فلمّا رآهم نعب غراب، فأنشأ يقول:
لمّا بدت تلك الحمول وأشرفت *** تلك الرؤوس على شفا جيرونِ
نعب الغراب فقلتُ: قل أو لا تقل *** فلقد قضيت من النبيّ ديوني
(قال الآلوسي): يعني إنّه قتل بمن قتله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر، كجدّه عتبة وخاله ولد عتبة وغيرهما; وهذا كفر صريح، فإذا صحّ عنه فقد كفر به.
ومثله تمثّله بقول عبـد الله بن الزبعرى قبل إسلامه:
ليت أشـياخي...»(10).

وصول رأس الإمام إلى يزيد
وقد سُـرّ يزيد بقتل الإمام ووصول رأسه الشريف إليه كما تقدّم.
ثمّ روى ابن سعد، قال: «وقدم برأس الحسـين محفّز بن ثعلبة العائذي ـ عائذة قريش ـ على يزيد، فقال: أتيتك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس وألأمهم.
فقال يزيد: ما ولدت أُمّ محفّز أحمق وألأم، لكنّ الرجل لم يقرأ(11) كتاب الله (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وتُذِلُّ مَن تَشَاء)(12).
ثمّ قال بالخيزرانة بين شفتَي الحسـين، وأنشأ يقول:
يفلّقن هاماً من رجال أعزّة *** علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
والشعر لحصين بن الحُمام المرّي.
فقال له رجل من الأنصار ـ حضره ـ : إرفع قضيبك هذا! فإنّي رأيت رسول الله بقبّل الموضع الذي وضعته عليه.
قال: أخبرنا كثير بن هشام، قال: حدّثنا جعفر بن برقان، قال: حدّثنا يزيد بن أبي زياد، قال: لمّا أُتي يزيد بن معاوية برأس الحسـين بن عليّ، جعل ينكت بمخصرة معه سِـنَّه ويقول: ما كنت أظنّ أبا عبـد الله يبلغ هذا السـنّ.
قال: وإذا لحيته ورأسه قد نصل من الخضاب الأسود»(13).
وروى الطبراني تمثّله بالشعر المذكور، وقد تقـدّمت روايته(14).
وقال البلاذري: «حدّثني عمرو الناقد وعمرو بن شبّة، قالا: ثنا أبو أحمد الزبيري، عن عمّه فضيل بن الزبير; وعن أبي عمر البزّار، عن محمّـد بن عمرو بن الحسـن، قال:
لمّا وضع رأس الحسـين بن عليّ بين يدي يزيد قال متمثّلا:
يفلّقن هاماً من رجال أعزّة *** علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما»(15)
قال: «قالوا: وجعل يزيد ينكت بالقضيب ثغر الحسـين حين وضع رأسه بين يديه»(16).
وروى ابن الجوزي: «فلمّا وصلت الرؤوس إلى يزيد جلس، ودعا أشراف أهل الشام فأجلسهم حوله، ثمّ وضع الرأس بين يديه وجعل ينكت بالقضيب على فيه ويقول:
يفلّقن هاماً من رجال أعزّة *** علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما»(17)
وقد روى ذلك بعدّة أسانيد...
ثمّ روى بإسـناده عن الليث، عن مجاهد، قال:
«جيء برأس الحسـين بن عليّ، فوضع بين يدي يزيد بن معاوية فتمثّل هذين البيتين:
ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل
فأهلّوا واستهلّوا فرحاً *** ثمّ قالوا لي بغيب لا تشل
قال مجاهد: نافق فيها. ثمّ والله ما بقي في عسكره أحد إلاّ تركه. أي عابـه وذمّـه»(18).
ورواه ابن كثير ـ ولم يطعن في سنده، إلاّ أنّه قال في محمّـد بن حميد الرازي: «هو شـيعي»، وذكر بيتين بعدهما:
حين حكت بفناء بركها *** واستحرّ القتل في عبـد الأسل
قد قتلنا الضعفَ من أشرافكم *** وعدلنا ميلَ بدر فاعتدل»(19)
أمّا الذهبي، فقد أسقط من الأخبار كلّ الأشعار(20)!!
لكنّ الأبيات في تاريخ الطبري ـ في كتاب المعتضد العباسي ـ خمسة، وخامسها الذي لم يذكروه:
ولعت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل(21)
وقال ابن أعثم الكوفي: إنّ يزيد زاد من نفسه:
لست من عتبة إنْ لم أنتقم *** من بني أحمد ما كان فعل(22)

دخولهم على يزيد موثَّقين بالحبال
قال ابن سعد:
«ثمّ أُتي يزيدُ بن معاوية بثَقَل الحسـين ومن بقي من أهله ونسائه، فأُدخلوا عليه قد قرنوا في الحبال، فوقّفوا بين يديه»(23).
وقال ابن الجوزي:
«ثمّ دعا يزيد بعليّ بن الحسـين والصبيان والنساء، وقد أُوثقوا بالحبال، فأُدخلوا عليه...»(24).
وقال الذهبي:
«قال يحيى بن بكير: حدّثني الليث بن سعد، قال: أبى الحسـين أن يُسـتأسر، فقاتلوه فقُتل، وقُتل ابنه وأصحابه بالطفّ، وانطلق ببنيه: عليّ وفاطمة وسكينة إلى عبيـد الله بن زياد، فبعث بهم إلى يزيد بن معاوية، فجعل سكينة خلف سريره لئلاّ ترى رأس أبيها، وعليّ بن الحسـين في غلّ، فضرب يزيد على ثنيّتي الحسـين رضي الله عنه وقال:
نفلّق هاماً من أُناس أعزّة *** علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
فقال عليٌّ: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَة فِي الاَْرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا)(25)، فثقل على يزيد أن تمثَّل ببيت وتلا عليٌّ آية، فقال: (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير)(26)، فقال: أمَا والله لو رآنا رسول الله مغلولين لأحبّ أنْ يحلّنا من الغلّ. قال: صدقت، حلّوهم...»(27).
وقال الطبري:
«ولمّا جلس يزيد بن معاوية، دعا أشراف أهل الشام فأجلسهم حوله، ثمّ دعا بعليّ بن الحسـين وصبيان الحسـين ونسائه، فأُدخلوا عليه والناس ينظرون، فقال يزيد لعليّ: يا عليّ! أبوك الذي قطع رحمي وجهل حقّي ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت.
قال: فقال عليٌّ: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَة فِي الاَْرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا).
فقال يزيد لابنه خالد: اردد عليه.
قال: فما درى خالد ما يردّ عليه.
فقال له يزيد: قل: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِير)، ثمّ سكت عنه.
قال: ثمّ دعا بالنساء والصبيان فأُجلسوا بين يديه، فرأى هيئةً قبيحةً، فقال: قبّح الله ابن مرجانة، لو كانت بينه وبينكم رحم أو قرابة ما فعل هذا بكم، ولا بعث بكم هكذا.
قال أبو مخنف، عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت عليّ، قالت: لمّا أُجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية رقّ لنا وأمر لنا بشيء وألطفنا.
قالـت: ثـمّ إنّ رجـلا من أهـل الشـام أحمـر قـام إلى يزيد، فقـال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه. يعنيني; وكنت جاريةً وضيئةً، فأُرعدت وفرقت وظننت أنّ ذلك جائز لهم، وأخذت بثياب أُختي زينب.
قالت: وكانت أُختي زينب أكبر منّي وأعقـل، وكانت تعلـم أنّ ذلك لا يكون، فقالت: كذبتَ والله ولؤمت، ما ذلك لك وله.
فغضب يزيد فقال: كذبتِ والله! إنّ ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت.
قالت: كلاّ والله، ما جعل الله ذلك لك إلاّ أن تخرج من ملّتنا، وتدين بغير ديننا.
قالت: فغضب يزيد واسـتطار، ثمّ قال: إيّاي تستقبلين بهذا؟! إنّما خرج من الدين أبوكِ وأخوك.
فقالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدّي اهتديتَ أنتَ وأبوكَ وجدّك.
قال: كذبت يا عدوّة الله.
قالت: أنت أمير مسلّط، تشـتم ظالماً، وتقهر بسلطانك.
قالت: فوالله لكأنّه اسـتحيا، فسكت»(28).
***

(1) منهاج السُـنّة 4 / 472، وانظر: رأس الحسـين ـ لابن تيميّة ـ : 208.
(2) منهاج السُـنّة 4 / 559.
(3) منهاج السُـنّة 4 / 559، وانظر: رأس الحسـين ـ لابن تيميّة ـ : 207.
(4) أنساب الأشراف 3 / 415.
(5) الطبقات الكبرى 6 / 446 رقم 1374.
(6) البداية والنهاية 8 / 153 حوادث سـنة 61 هـ.
(7) تاريخ الطبري 3 / 340.
(8) الطبقات الكبرى 6 / 447.
(9) الردّ على المتعصّب العنيد: 45.
(10) روح المعاني 26 / 109 وسـيأتي كلامه تماماً، وانظر: تاريخ ابن الوردي 1 / 164.
(11) جاءت العبارة هنا: «لكنّ الرجل لم يقرأ»..
وفي تاريخ الطبري 3 / 340: «لكنّه أُتي من قبل فقهه، ولم يقرأ...»..
وفي البداية والنهاية 8 / 156: «ولكنّه إنّما أُتي من قلّة فقهه، لم يقرأ...»..
وفي سير أعلام النبلاء 3 / 315: «لكنّ الرجل لم يتدبّر كلام الله»..
أقـول: كأنّهم يريدون تهذيب العبارة!!
(12) سورة آل عمران 3: 26.
(13) الطبقات الكبرى 6 / 447 ـ 448.
(14) تقـدّمت في الصفحة 201.
(15) أنساب الأشراف 3 / 415 ـ 416.
(16) أنساب الأشراف 3 / 416.
(17) الردّ على المتعصّب العنيد: 45.
(18) الردّ على المتعصّب العنيد: 47 ـ 48.
(19) البداية والنهاية 8 / 153 ـ 154.
(20) انظر: سـير أعلام النبلاء 3 / 309.
(21) تاريخ الطبري 5 / 623.
(22) الفتوح 5 / 151.
(23) الطبقات الكبرى 6 / 448.
(24) الردّ على المتعصّب العنيد: 49.
(25) سورة الحديد 57: 22.
(26) سورة الشورى 42: 30.
(27) انظر: تاريخ الإسلام حوادث 61: 18، سير أعلام النبلاء 3 / 319 ـ 320، تاريخ دمشق 70 / 14 ـ 15 رقم 9400، مختصر تاريخ دمشق 20 / 353 ـ 354 رقم 137.
(28) تاريخ الطبري 3 / 339، وانظر: الكامل في التاريخ 3 / 438 ـ 439، البداية والنهاية 8 / 155 ـ 156، الردّ على المتعصّب العنيد: 49.

من هم قتلة الحسين عليه السلام؟ شيعة الكوفة؟ تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=26&mid=336&pgid=3926