موت معاوية وبدء تطبيق مخطّطاته ضدّ الإمام الحسين عليه السلام

البابُ الثاني

موت معاوية وبدء تطبيـق مخطّـطاته ضدّ الإمام الحسـين عليه السلام

في فصلين:








الفصل الأوّل




مواقف الولاة من الإمام








وهكذا نجد معاوية حائراً مع الإمام عليه السلام، فلا هو أهل للمساومة، ولا التهديدات ترعبه، وهو إنْ بقي بين أظهر الناس وفي عاصمة الإسلام ومدينة جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلن يتمّ الأمر ليزيد...

من بنود الصلح أن لا يغتال الحسـن أو الحسـين
ومن جهـة أُخرى، فقد تعـهّد في بنود الصلح ـ كما تقـدّم ـ على أن لا يصيب الحسن والحسين عليهما السلام بضرر أو أذىً ولا يمسّهما بسوء.
فهو وإنْ نكث العهد باغتيال الإمام الحسـن عليه السلام، إلاّ أنّه قد أقدم على ذلك بواسطة زوجته ظنّاً منه أنّ ذلك سيبقى سرّاً لا يطّلع عليه أحدٌ، فجعل يخطّط للقضاء على الإمام الحسـين عليه السلام على يد أهل العـراق بالتنسـيق مع الخوارج في الكوفة ومع أنصار الأُمويّين هناك، هذا من جهة، ومع ولاته في المدينة ومكّة والكوفة من جهة أُخرى...

وصيّـة معاوية حول الحسـين عليه السلام
ولذا نراه يكتب إلى مروان أن اترك حسيناً ما تركك ولم يظهر لك عداوته; وسـيأتي نصّه الكامل.
ثمّ إنّه يوصي يزيد بأن لا يتعرّض للإمام عليه السلام، ويخبره بدعوة أهل الكوفة إيّاه وأنّهم سيكفونه أمره، في حين يوصيه بشـدّة ويغلّظ عليه بأن يقطّع ابن الزبير إرباً إرباً إنْ ظفر به وتمكّن منه(1).
نعم، لقد مات معاوية في النصف من رجب سنة ستّين من الهجرة(2)وكان قد أوصى يزيد ـ في ما اتّفقت المصادر عليه ـ أنْ لا يمسّ الإمام عليه السلام بسوء، وأنّ الّذين قتلوا أباه وأخاه سيدعونه إلى العراق وهم الّذين سـيقتلونه!
«أمّا الحسـين بن عليّ، فأحسـب أهل العراق غير تاركيه حتّى يخرجوه، فإن فعل فظفرت به، فاصفح عنه...»(3).
«انظر حسـين بن عليّ وابن فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنّه أحبّ الناس إلى الناس، فَصِـلْ رحمه وارفق به يصلح لك أمره، فإن يك منه شيء، فإنّي أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه...»(4).
? وفي رواية الخوارزمي:
«وأمّا الحسـين بن عليّ، فأوّه أوّه يا يزيد! ماذا أقول لك فيه؟! فاحذر أنْ تتعرَّض له إلاّ بسبيل خير! وامدد له حبلا طويلا، وذره يذهب في الأرض كيف يشاء ولا تؤذه، ولكن أرعِد له وأبرِق، وإيّاك والمكاشفة له في محاربة بسـيف، أو منازعة بطعن رمح»(5).
وكان الوالي يومئذ على المدينة: الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، بعد أنْ كان عليها مروان بن الحكم، الذي كان يكتب إلى معاوية في الإمام عليه السلام ويثيره ويهيّجه ضدّه، بل كانت هذه حالته ضدّ الإمام حتّى في إمارة الوليد، كما سـنرى.

سعي الحكومة وراء خروج الإمام من المدينـة
وبينما كانت الرسل والكتب تدعوه إلى الخروج إلى العراق، فقد كانت الحكومة تسعى وراء خروجه من المدينة إلى مكّة المكـرّمة.
قال البلاذري:
«وكان رجال من أهل العراق وأشراف أهل الحجاز يختلفون إلى الحسـين، يجلّونه ويعظّمونه ويذكرون فضله ويدعونه إلى أنفسهم ويقولون: إنّا لك عضد ويد; ليتّخذوا الوسيلة إليه، وهم لا يشكّون في أنّ معاوية إذا مات لم يعدل الناس بحسـين أحداً.
فلمّا كثر اختلاف الناس إليه، أتى عمرُو بن عثمان بن عفّان مروانَ ابن الحكم ـ وهو إذ ذاك عامل معاوية على المدينة ـ فقال له: قد كثر اختلاف الناس إلى حسـين، ووالله إنّي لأرى أنّ لكم منه يوماً عصيباً.
فكتب مروان ذلك إلى معاوية.
فكتب إليه معاوية: بأن اترك حسـيناً ما تركك ولم يُظهر عداوته ويبدِ صفحته، واكمن عنه كمون الشرى، إن شاء الله، والسلام»(6).
ثمّ اقترح مروان على معاوية أن يُبعد الإمام من المدينة إلى الشام، فقد ذكروا أنّه: «دعا معاوية مروانَ بن الحكم فقال له: أشِر علَيَّ في الحسـين.
قال: تخرجه معك إلى الشام، فتقطعه عن أهل العراق وتقطعهم عنه.
قال: أردتَ ـ والله ـ أنْ تستريح منه وتبتليني به، فإنْ صبرتُ عليه صبرتُ على ما أكره، وإنْ أسأتُ إليه كنتُ قد قطعتُ رحمه. فأقامه.
وبعث إلى سعيد بن العاص فقال له: يا أبا عثمان! أشِر علَيَّ في الحسـين.
قال: إنّك ـ والله ـ ما تخاف الحسـين إلاّ على مَن بعدك، وإنّك لتخلّف له قرناً إنْ صارعه ليصرعنّه، وإن سابقه ليسبقنّه، فذر الحسـين منبتَ النخلة، يشرب من الماء، ويصعد في الهواء، ولا يبلغ إلى السماء»(7).
نعم، كانت الخطّة أنْ يُترك الإمام عليه السلام ولا يؤذى; لأنّ أهل العراق غير تاركيه حتّى يخرجوه، ما لم يُثر ويظهر العداوة للحكومة، والإمام عليه السلام يعلن للناس إباءه عن البيعة، يصرّح بذلك لكلّ من يسأله، كقوله لأخيه محمّـد بن الحنفية:
«يا أخي! والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى، لَما بايعت يزيد ابن معاوية أبداً»(8).
وقوله عليه السلام لمروان بن الحكم لمّا قال له: «إنّي آمرك ببيعة يزيد، فإنّـه خير لك في دينك ودنياك»، قال:
«إنّـا لله وإنّـا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام، إذْ قد بليت الأُمّـة براع مثل يزيد، ولقد سمعت جدّي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان»(9).
وفي هذه الظروف، نرى أنّ الكتب من الكوفة تترى، يدعونه ويطلبون منه القدوم إليهم، والإمام يقول: «لا أراهم إلاّ قاتليّ»(10).
وبدأ الحكّام يسعون وراء خروج الإمام من الحجاز...

مواقف الولاة من الإمام ومن نائبه في الكوفة
ومات معاوية والوالي على المدينة هو «الوليد بن عتبة بن أبي سفيان»، قال الذهبي: وكان معاوية يولّي على المدينة مرّةً مروان ومرّةً الوليد بن عتبة... فعزل قبيل موته مروان وولّى الوليد... وقد عرفنا باختصار موقف مروان من الإمام عليه السلام.
وأخبر يزيد ـ في أوّل خطبة له بعد موت معاوية ـ عن الحرب مع أهل العراق، وأنّه سـينتصر عليهم بواسطة عبيـد الله بن زياد(11).
وكتب يزيد إلى الوليد بن عتبة يأمره بأخذ البيعة من أهل المدينة وخاصّةً من الإمام عليه السلام، وجماعة، كعبـد الله بن الزبير، وسيأتي الكلام على نصّ كـتاب يزيد.

بين الوليد والإمام
لكنّ الوليد لم يستعمل الشدّة مع الإمام عليه السلام، فضلا على أن يقدِم على قتله، وإنّما بعث إليه وأخبره بوفاة معاوية، ودعاه إلى البيعة ليزيد، فقال له الإمام: نصبح وننظر; فلم يشدّد الوليد على الإمام(12)، بل قال له: «انصرف على اسم الله»(13).
هذا، وقد اختلفت روايات المؤرّخين لنصّ كتاب يزيد إلى الوليد بن عتبة، فمنهم من روى أنّه أمره بقتل الإمام، ومنهم من روى أنّه أمره بأخذ البيعة منه، بل منهم من روى أنّه أمره بالرفق معه...
إلاّ أنّ أحداً لم يتردّد في أنّ يزيد قد أمر ابن زياد بقتل الإمام عليه السلام، وأنْ يبعث إليه برأسه الشريف.
وسـيأتي تفصيل ذلك كلّه في ما بعـد...
قال الشيخ المفيد:
«فقال مروان للوليد: عصيتني، لا والله لا يمكّنك مثلها من نفسه أبـداً.
فقال الوليد: الويح لغيرك يا مروان، إنّك اخترت لي التي فيها هلاك ديني، والله ما أُحبُّ أنّ لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأنّي قتلت حسـيناً.
سـبحان الله! أقتلُ حسـيناً إنْ قال لا أُبايع؟! والله إنّي لأظنّ أنّ امرَأً يحاسَـب بدم الحسـين خفيف الميزان عند الله يوم القيامة.
فقال له مروان: فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت في ما صنعت. يقول هذا وهو غير الحامد له على رأيه»(14).
قال المفيد:
«فأقام الحسـين عليه السلام في منزله تلك الليلة، وهي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة ستّين، واشتغل الوليد بن عتبة بمراسلة ابن الزبير في البيعة ليزيد وامتناعه عليه.
وخرج ابن الزبير من ليلته عن المدينة متوجّهاً إلى مكّة، فلمّا أصبح الوليد سرّح في أثره الرجال، فبعث راكباً من موالي بني أُميّة في ثمانين راكباً فطلبوه فلم يدركوه، فرجعوا.
فلمّا كان آخر نهار يوم السبت، بعث الرجال إلى الحسـين بن عليّ عليهما السلام ليحضر فيبايع الوليد ليزيد بن معاوية، فقال لهم الحسـين: أصبِحوا ثمّ ترون ونرى; فكـفّوا تلك الليلة عنه، ولم يلحّوا عليه.
فخرج عليه السلام من تحت ليلته، وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجّهاً نحو مكّـة...»(15).
وقال محمّـد بن أبي طالب الموسوي:
«وأرسل الوليد إلى منزل الحسـين عليه السلام لينظر أخَرجَ من المدينة أم لا؟ فلم يصبه في منزله فقال: الحمد لله الذي خرج ولم يبتلني بدمه...»(16).
هذا، وقد جاء في رواية البلاذري أنّ الوليد قد قال للإمام عليه السلام ـ في كلام بينهما ـ : «لو علمت ما يكون بعدنا لأحببتنا كما أبغضتـنا»(17).
وهذا الكلام جديرٌ بالتأمّـل جـدّاً.

أقـول:
والذي نراه أنّ الوليد كان مأموراً بما فعل، وأنّ ما فعله كان تطبيقاً لِما أُمر به، لكنّ مروان كان يجهل الأمر، أو كان يريد غير ذلك.
وممّا يشهد لِما ذكرناه أُمور:
1 ـ إنّه لمّا خرج ابن الزبير وجّه الوليد في إثره حبيب بن ذكوان في ثلاثين فارساً، وقيل: ثمانين، فلم يقعوا له على أثر، وشغلوا يومهم ذلك كلّه بطلب ابن الزبير(18) ليعمل بوصيّة معاوية; وأمّا الإمام، فلمّا علم الوليد بخروجه عليه السلام من المدينة المنـوّرة قال: «الحمـد لله».
2 ـ إنّه لو كان مأموراً بقتل الإمام لَما قال له لمّا أبى أن يبايـع: «انصرف على اسم الله»; كما مرّ سابقاً عن الطبري وابن كـثير(19).
3 ـ إنّ الكلام الذي دار بينه وبين مروان، يدلّ دلالة واضحة على كون مروان هو المصرّ على القتل إن لم يبايع الإمام.
4 ـ إنّنا لم نجد أيّةَ عقوبة للوليد من يزيد... فلو كان أمره بقتل الإمام ولم يمتثل لعاقبه، ولا أقلّ من أن لا يولّيه شيئاً من المناصب; والحـال أنّ يزيد قد ولاّه المدينة مرّتين، وأقام الموسم غير مرّة، آخرها سـنة 62، كما ذكر الذهبي(20).
5 ـ إنّ الوليد هو الذي صلّى على جنازة معاوية بن يزيد(21).
6 ـ أرادوه للخلافة بعد معاوية بن يزيد، فأبى(22).

والحاصـل:
إنّ عزله عن المدينة لم يكن إلاّ لمصلحة خاصّة، وسـيأتي نظيره في والي الكوفة، ولم يكن لتفريطه في هذا الأمر كما ذكر بعض المؤرّخين، اللّهمّ إلاّ أن يكون لتفريطه في أمر ابن الزبير الذي أوصى معاوية يزيد بأنْ يقطّعه إرباً إرباً إن قدر عليه(23).

الإمام في مكّـة المكـرّمة
قال المفيد:
فسار الحسـين عليه السلام متوجّهاً إلى مكّة وهو يقرأ (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ولزم الطريق الأعظم، فقال له أهل بيته: لو تنكّبت عن الطريق كما فعل ابن الزبير، كيلا يلحقك الطلب؟ فقال: لا والله لا أُفارقه حتّى يقضي الله ما هو قاض.
ولمّا دخل الحسـين عليه السلام مكّة ـ وكان دخوله إيّاها يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان ـ دخلها وهو يقرأ (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَني سَوَاءَ السَّـبِـيلِ)، ثمّ نزلها.
وأقبل أهلها يختلفون إليه، ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزبير بها، قد لزم جانب البيت، وهو قائم يصلّي عندها ويطوف، ويأتي الحسـين عليه السلام في من يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليين، ويأتيه بين كلّ يومين مرّةً، وهو عليه السلام أثقل خلق الله على ابن الزبير; لأنّه قد عرف أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسـين في البلد، وأنّ الحسـين أطوع في الناس منه وأجلّ.
هذا، وقد كان الوالي على مكّة: عمرو بن سعيد الأشدق، وكان هو الوالي على المدينة ـ أيضاً ـ بعد عزل الوليد.
قال الطبري ـ في عمّال يزيد ـ :
وكان عامله على مكّة والمدينة في هذه السنة ـ بعدما عزل الوليد بن عتبة ـ عمرو بن سعيد، وعلى الكوفة والبصرة وأعمالها عبيـد الله بن زياد...(24).
وكـتب يزيد إلى عبـد الله بن العبّـاس كـتاباً جاء فيه:
«أمّا بعد، فإنّ ابن عمّك حسـيناً وعدوّ الله ابن الزبير إلتويا ببيعتي ولحقا بمكّة مرصدين للفتنة، معرّضين أنفسهما للهلكة، فأمّا ابن الزبير فإنّه صريع الفنا وقتيل السيف غداً.
وأمّا الحسـين، فقد أحببت الإعذار إليكم أهل البيت ممّا كان منه، وقد بلغني أنّ رجالا من شيعته من أهل العراق يكاتبونه ويكاتبهم ويمنّونه الخلافة ويمنّيهم الإمرة، وقد تعلمون ما بيني وبينكم من الوصلة وعظيم الحرمة ونتائج الأرحام، وقد قطع ذلك الحسـين وبتّه، وأنت زعيم أهل بيتك وسيّد بلادك، فالقه فاردده عن السعي في الفتنة، فإن قبل منك وأناب، فله عندي الأمان والكرامة الواسعة... أُجري عليه ما كان أبي يجريه...».
فكتب إليه ابن عبّـاس في الجواب:
«أمّا بعد، فقد ورد كتابك تذكر فيه لحاق الحسـين وابن الزبير بمكّة.
فأمّا ابن الزبير، فرجل منقطع عنّا برأيه وهواه، يكاتمنا مع ذلك أضغاناً يسرّها في صدره، يوري علينا وري الزناد، لا فكّ الله أسيرها، فارأ في أمره ما أنت راء.
وأمّا الحسـين، فإنّه لمّا نزل مكّة وترك حرم جدّه ومنازل آبائه، سألته عن مقدمه، فأخبرني أنّ عمّالك بالمدينة أساؤوا إليه، وعجّلوا عليه بالكلام الفاحش، فأقبل إلى حرم الله مستجيراً به، وسألقاه في ما أشرت إليه، ولن أدع النصيحة في ما يجمع الله به الكلمة، ويطفئ به النائرة، ويخمد به الفتنة، ويحقن به دماء الأُمّـة.
فاتّق الله في السرّ والعلانية، ولا تبيتنّ ليلة وأنت تريد لمسلم غائلة، ولا ترصده بمظلمة، ولا تحفر له مهراة، فكم من حافر لغيره حفراً وقع فيه، وكم من مؤمّل أملا لم يؤت أمله، وخذ بحظّك من تلاوة القرآن، ونشر السُـنّة، وعليك بالصيام والقيام، لا تشغلك عنهما ملاهي الدنيا وأباطيلها، فإنّ كلّ ما اشتغلت به عن الله يضرّ ويفنى، وكلّ ما اشتغلت به من أسـباب الآخرة ينفع ويبقى. والسلام»(25).
وكان الأشدق جبّاراً من جبابرة بني أُميّة، وقد تعرّض لابن الزبير في خطاب له فقال: «فوالله لنغزونّه، ثمّ لئن دخل الكعبة لنحرقنّها عليه، على رغم أنف من رغم»(26).
وهكذا كان... كما هو معلوم من التاريخ.
أمّا بالنسـبة إلى الإمام، فقد ذكر أنّـه جاء إليه وقال له: «ما أقدمك»؟!
قال: «عائذاً بالله وبهذا البيت»(27).
ولم نجد في التواريخ المعتبرة شيئاً آخر من الأشدق ـ هذا الجبّار العنيد ـ ضدّ الإمام عليه السلام في مكّـة المكـرّمة.

كـتب أهل الكوفة، والإمام يبعث مسلماً
وما زالت الكتب تصل إلى الإمام يدعونه إلى الكوفة...(28).
هنالك دعا مسلمَ بن عقيل رضي الله عنه وأرسله إلى الكوفة، وأمره بتقوى الله وكتمان الأمر واللطف...
فأقبل مسلم حتّى دخل الكوفة، فنزل في دار المختار بن أبي عبيد، وأقبلت الشيعة تختلف إليه وأكثروا حتّى عُلم مكانه...
فبلغ النعمان بن بشير ذلك ـ وكان والياً على الكوفة من قِبَل معاوية فأقرّه يزيد عليها ـ فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:
أمّا بعد، فاتّقوا الله ـ عباد الله ـ ولا تُسارعوا إلى الفتنة والفُرقة، فإنّ فيها يهلك الرجـال، وتُسـفك الدماء، وتُغتصـب الأموال، إنّي لا أُقاتل من لا يقاتلني، ولا آتي على مَن لم يأت علَيَّ، ولا أُنبّه نائمكم، ولا أتحرّش بكم، ولا آخذ بالقَرف ولا الظنّة ولا التُّهمة، ولكنّكم إن أبديتم صفحتكم لي ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره، لأضربنّكم بسـيفي ما ثبت قائمُه في يدي ولو لم يكن لي منكم ناصر.
أما إنّي أرجو أن يكون من يعرف الحقّ منكم أكـثر ممّن يُرديه الباطل.
فقام إليه عبـد الله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي، حليف بني أُميّة، فقال: إنّه لا يصلح ما ترى إلاّ الغشم، إنّ هذا الذي أنت عليه في ما بينك وبين عدوّك رأيُ المسـتضعفين.
فقال له النعمان: أكون من المستضعفين في طاعة الله، أحبُّ إليّ من أكون من الأعزّين في معصية الله. ثمّ نزل.
وخرج عبـد الله بن مسلم فكتب إلى يزيد بن معاوية: أمّا بعد، فإنّ مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة، فبايعته الشيعة للحسين بن عليّ، فإن يك لك في الكوفة حاجةٌ، فابعث إليها رجلا قويّاً، ينفّذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوّك، فإنّ النّعمان بن بشير رجلٌ ضعيفٌ أو هو يتضعَّفُ.
ثمّ كتب إليه عمارة بن عُقبة بنحو من كتابه.
ثمّ كتب إليه عُمر بن سعد بن أبي وقّاص مثل ذلك(29).

***

(1) انظر: تاريخ ابن خلدون 3 / 23.
(2)  الطبقات  الكبرى  ـ  لابن  سعد  ـ  6 / 424  ،  البداية  والنهاية  8 / 115  ،  أنساب الأشراف  3 / 368  .
(3) انظر: الأخبار الطوال: 226، تاريخ الطبري 3 / 260، المنتظم 4 / 137، الكامل في التاريخ 3 / 368 ـ 369، تاريخ ابن خلدون 3 / 22 ـ 23.
(4) انظر: الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ 6 / 423، العقد الفريد 3 / 360، تهذيب الكمال 4 / 488 رقم 1305، سير أعلام النبلاء 3 / 295 رقم 48، تاريخ الإسلام 2 / 341، البداية والنهاية 8 / 162، تاريخ ابن خلدون 3 / 23، بغية الطلب في تاريخ حلب 6 / 2607.
(5) مقتل الحسـين 1 / 257 ف 9.
(6) أنساب الأشراف 3 / 366 ـ 367.
(7) العقد الفريد 4 / 82، وانظر: مناقب آل أبي طالب 4 / 89.
(8) الفتوح ـ لابن أعثم ـ 5 / 23.
(9) الملهوف على قتلى الطفوف: 99.
(10) تاريخ دمشق 14 / 216، سير أعلام النبلاء 3 / 306، البداية والنهاية 8 / 135 حوادث سـنة 60 هـ.
(11) الفتوح ـ لابن أعثم ـ 5 / 6 ـ 9، مقتل الحسـين 1 / 261.
(12) سير أعلام النبلاء 3 / 534 رقم 139.
(13) انظر حوادث سـنة 60 هـ في: تاريخ الطبري 3 / 270، البداية والنهاية 8 / 118.
(14) الإرشاد 2 / 33 ـ 34، وانظر: تاريخ الطبري 3 / 270، الكامل في التاريخ 3 / 378، البداية والنهاية 8 / 118.
(15) الإرشاد 2 / 34.
(16) بحار الأنوار 44 / 328 ب 37.
(17) أنساب الأشراف 3 / 369.
(18) انظر: الأخبار الطوال: 228، تاريخ ابن خلدون 3 / 23، الكامل في التاريخ 3 / 369، البداية والنهاية 8 / 93، المنتظم 4 / 137.
(19) تقـدّم في الصفحة 168 هـ 3.
(20) العبر 1 / 52.
(21) الإنباء بأنباء الأنبياء (تاريخ القضاعي): 210.
(22) دول الإسلام: 41.
(23) انظر: تاريخ الطبري 3 / 260، العقد الفريد 3 / 360، المنتظم 4 / 137، تاريخ ابن خلدون 3 / 23، الكامل في التاريخ 3 / 369، البداية والنهاية 8 / 93.
(24) تاريخ الطبري 3 / 272 حوادث سـنة 60 هـ.
(25) تاريخ دمشق 14 / 210 ـ 211، بغية الطلب 6 / 2610 ـ 2611، البداية والنهاية 8 / 131 ـ 132.
(26) تاريخ الإسلام 2 / 268.
(27) انظر عن كتاب الإمام عليه السلام إلى أهل الكوفة وما قاله لمسلم، ممّا يدلّ على عدم وثوقه بأجواء الكوفة:
تاريخ الطبري 3 / 121 ـ 122، المنتظم 4 / 142، سير أعلام النبلاء 3 / 293 رقم 48، أنساب الأشراف 3 / 369 ـ 371، الأخبار الطوال: 229 ـ 230، مقاتل الطالبيّين: 99، تهذيب الكمال 4 / 493 ـ 494، الاصابة 2 / 78، الفتوح 5 / 29 ـ 38، الكامل في التاريخ 3 / 385 ـ 386، تاريخ ابن خلدون 3 / 26 ـ 27، مروج الذهب 3 / 54.
(28) انظر: تاريخ الطبري 3 / 274 ـ 278، تاريخ دمشق 14 / 212، البداية والنهاية 8 / 121 ـ 122.
(29) انظر عن موقف النعمان من مسلم بن عقيل وشكوى شيعة بني أُميّة منه:
تاريخ الطبري 3 / 279 ـ 280، تهذيب التهذيب 2 / 49 رقم 3615، سير أعلام النبلاء 3 / 299 ـ 300، الفتوح 5 / 39 ـ 40، الأخبار الطوال: 233، تهذيب الكمال 6 / 494 رقم 1305، الإصابة 2 / 78 ـ 79، المنتظم 4 / 142، الكامل في التاريخ 3 / 387، البداية والنهاية 8 / 122، تاريخ ابن خلدون 3 / 27، مقتل الحسـين ـ للخوارزمي ـ 1 / 286 ـ 287، وغيرها.

من هم قتلة الحسين عليه السلام؟ شيعة الكوفة؟ تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=26&mid=313&pgid=3918