قـتـل رشـيد الهجري

قـتـل رشـيد الهجري
وقتل زيادُ بن أبيه في الكوفة رشـيداً الهجري...
وقد ذكره علماء رجال الحديث في كتبهم وجرحوه، وقد جمع ابن حجر كلماتهم فيه في كتاب «تعجيل المنفعة» حيث قال: «رشيد الهجري: كوفي، روى عن أبيه، روى عن سـيف بيّاع السابري.
قال الدوري، عن ابن معين: ليـس يساوي حديثه شـيئاً.
وقال البخاري: يتكلّمون فيه.
وقال النسائي: ليـس بالقوي.
وقال الجوزجاني: كـذّاب.
وقال ابن حبّان: كان يؤمن بالرجعة. وأسند عن الشعبي أنّه قال: زعم لي أنّه دخل على عليّ بعدما مات، فأخبره بأشياء ستكون. قال: فقلت له: إنْ كنتَ كاذباً فعليك لعنة الله»(1).
فهذه كلماتهم فيه.
وقد نصّوا على أنّ زياداً بعث إلى رشيد، فقطع لسانه وصلبه على باب دار عمرو بن حريث(2).
وأمّا الخبر الذي رووه عن الشعبي، فقد اختلف لفظه عندهم زيادةً ونقيصة وغير ذلك، ممّا يظن معه كونها مجعولةً، ولا سيّما وأنّ الراوي هو الشعبي..
ففي رواية ابن عساكر، بسنده عن يحيى بن أبي زائدة، عن مجالد، قال: «قيل لعامر(3): لِمَ تقول لأصحاب عليّ ما تقول وإنّما تعلّمت منهم؟!
قال: من أيّهم؟!
قيل: من الحارث الأعور، وصعصعة بن صوحان، ورشـيد الهجري.
فقال: أمّا الحارث، فكان رجلا حاسـباً كنت أتعلّم منه الحساب.
وأمّا صعصعة بن صوحان، فكان رجلا خطيباً كنت أتعلّم منه الخطب، والله ما أفتى فينا بفتيا قطّ.
وأمّا رشيد الهجري، فإن صاحباً لي قال: انطلق بنا إلى رشيد; فأتيناه فدخلنا عليه، فنظر إلى صاحبي ـ وكان يعرفه ـ فقال بيده هكذا، فحرّكها، فقال له صاحبي هكذا، وعقد مجالد بيده ثلاثين.
فقلنا: حدّثنا يرحمك الله.
قال: نعم، أتينا حسـين بن عليّ بعدما قُتل عليٌّ فقلنا: استأذن لنا على أمير المؤمنين وسـيّد المؤمنين.
قال: ذاك قد قتل.
قلت: إنّه ما قتل، وإنّه الآن ليعرف من الديار النصل ويتنفّس بنفس الحيّ.
قـال: فضحـك حسـين وقـال: أمَـا إذ عـلمتـم هـذا فادخـلوا عليـه ولا تهـيّجوه.
قال عامر: فما الذي أتعلّم من هذا أو من هؤلاء؟!»(4).
لكنْ في «ميزان الاعتدال»، عن «زكريّا بن أبي زائدة، قال: قلت للشعبي: ما لك تعيب أصحاب عليّ وإنّما علمك منهم؟!... وأمّا رشيد الهجري فإنّي أُخبركم عنه، إنّي قال لي رجل: اذهب بنا إليه; فذهبنا، فلمّا رآني قال للرجل هكذا وعقد ثلاثين، يقول: كأنّـه منّـا.
ثمّ قال: أتينا الحسـن بعد موت عليّ فقلنا: أدخلنا على أمير المؤمنين.
قال: إنّه قد مات.
قلنا: لا، ولكنّه حيّ يعرف الآن من تحت الآثار.
قال: إذ عرفتم هذا فادخلوا عليه ولا تهـيّجوه»(5).
وفي رواية ابن حجر: «قال ابن حبّان: قال الشعبي: دخلت عليه فقال: خرجت حاجّاً فقلت: لأعهدنّ بأمير المؤمنين; فأتيت بيت عليّ فقلت لإنسان: استأذن لي على أمير المؤمنين.
قال: أَوَليـس قد مات؟!
قلت: قد مات فيكم، والله إنّـه ليتنـفّس الآن بنفس الحيّ.
قال: أمَا إذا عرفت سرّ آل محمّـد فادخل.
فدخلت على أمير المؤمنين وأنبأني بأشـياء تكون.
فقال له الشعبي: إن كنتَ كاذباً فلعنك الله.
فبلغ الخبر زياداً، فبعث إلى رشيد الهجري، فقطع لسانه وصلبه على باب دار عمرو بن حريث»(6).
فقارن بين الروايات في السند والمتن، وحتّى بين رواية ابن حجر عن ابن حبّان في «تعجيل المنفعة»، وروايته في «لسان الميزان» عنه!
وأمّا أن يكون هذا هو السبب في قتله كما هو ظاهر كلامهم: «فبلغ الخبر زياداً...» فهذا كذب آخر، فإنّ زياداً لمّا أحضر رشيداً أمره بالبراءة من أمير المؤمنين عليه السلام فلم يفعل، فسأله عمّا أخبره به أمير المؤمنين عليه السلام من كيفية قتله، فلمّا أخبره بذلك أمر بأن يقتل كذلك... وهذه روايات أصحابنا:
قال الكشّي: «حدّثني أبو أحمد ـ ونسخت من خطّـه ـ، حدّثني محمّـد بن عبـد الله بن مهران، قال: حدّثني محمّـد بن عليّ الصيرفي، عن عليّ بن محمّـد بن عبـد الله الحنّاط، عن وهيب بن حفص الجريري، عن أبي حيّان البجلي، عن قنواء بنت رشيد الهجري، قال: قلت لها: أخبريني ما سمعت من أبيك؟
قالت: سمعت أبي يقول: أخبرني أميـر المؤمنيـن عليه السلام فقال: يا رشيد! كيف صبرك إذا أرسل إليك دعيّ بني أُميّة، فقطع يديك ورجليك ولسانك؟
قلت: يا أمير المؤمنين! آخر ذلك إلى الجنّة؟
فقال: يا رشيد! أنت معي في الدنيا والآخرة.
قالت: فوالله ما ذهبت الأيّام حتّى أرسل إليه عبيـد الله بن زياد الدعيّ، فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين عليه السلام فأبى أن يبرأ منه; فقال له الدعيّ: فبأيّ ميتة قال لك تموت؟
فقال له: أخبرني خليلي أنّك تدعوني إلى البراءة فلا أبرأ منه، فتقـدّمني فتقطع يديّ ورجليّ ولساني.
فقال: والله! لأُكـذّبنّ قوله فيك.
فقدّموه فقطعوا يديه ورجليه وتركوا لسانه، فحملتُ أطرافه يديه ورجليه; فقلت: يا أبه! هل تجد ألماً لِما أصابك؟
فقال: لا يا بنيّة! إلاّ كالزحام بين الناس.
فلمّا احتملناه وأخرجناه من القصر اجتمع الناس حوله، فقال: إيتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم ما يكون إلى يوم الساعة!!
فأرسل إليه الحجّام حتّى يقطع لسانه، فمات رحمة الله عليه في ليلته.
قال: وكان أمير المؤمنين عليه السلام يسمّيه «رشيد البلايا»، وكان قد ألقى إليه علم البلايا والمنايا، فكان في حياته إذا لقي الرجل قال له: فلان أنت تموت بميتة كذا! وتُقتل أنت يا فلان بقتلة كذا! فيكون كما يقول رشيد.
وكان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: أنت رشيد البلايا; أي تقتل بهذه القتلة، فكان كما قال أمير المؤمنين عليه السلام»(7).
وعن «جبرئيل بن أحمد، عن محمّـد بن عبـد الله بن مهران، عن أحمد بن النضر، عن عبـد الله بن يزيد الأسدي، عن فضيل بن الزبير، قال: خرج أمير المؤمنين عليه السلام يوماً إلى بستان البرني ومعه أصحابه، فجلس تحت نخلة، ثمّ أمر بنخلة فلقطت فأُنزل منها رطب، فوضع بين أيديهم فأكلوا; فقال رشيد الهجري: يا أمير المؤمنين! ما أطيب هذا الرطب!
فقال: يا رشيد! أما إنّك تصلب على جذعها!!
فقال رشيد: فكنت أختلف إليها طرفي النهار أسقيها; ومضى أمير المؤمنين عليه السلام، قال: فجئتها يوماً وقد قُطع سعفها! قلت: اقترب أجلي; ثمّ جئت يوماً; فجاء العريف، فقال: أجب الأمير! فأتيته، فلمّا دخلت القصر فإذا الخشـب ملقىً.
ثمّ جئت يوماً آخر فإذا النصف الآخر قد جعل زرنوقاً يستقى عليه الماء; فقلت: ما كذبني خليلي; فأتاني العريف، فقال: أجب الأمير! فأتيته، فلمّا دخلت القصر إذا الخشب ملقىً، وإذا فيه الزرنوق، فجئت حتّى ضربت الزرنوق برجلي، ثمّ قلت: لك غذّيت ولي أُنبتّ.
ثمّ أُدخلت على عبيـد الله بن زياد، فقال: هات من كذب صاحبك!
فقلت: والله! ما أنا بكذّاب ولا هو، ولقد أخبرني أنّك تقطع يدَيّ ورجلَيّ ولساني.
قال: إذاً والله نكذّبه! اقطعوا يده ورجله وأخرجوه.
فلمّا حمل إلى أهله أقبل يحدّث الناس بالعظائم وهو يقول: أيّها الناس! سـلوني! فإنّ للقوم عندي طلبة لم يقضوها.
فدخل رجل على ابن زياد، فقال له: ما صنعت؟! قطعت يده ورجله، وهو يحدّث الناس بالعظائم!
قال: ردّوه! وقد انتهى إلى بابه; فردّوه فقطعوا يديه ورجليه ولسانه وأمر بصلبه»(8).
وعن أمالي الطوسي، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن محمّـد بن يوسف بن إبراهيم الورداني، عن أبيه، عن وهب بن حفص، عن أبي حسّان العجلي، قال: لقيت أمَة الله بنت راشد الهجري، فقلت لها: أخبريني بما سمعت من أبيك.
قالت: سمعته يقول: قال لي حبيبي أمير المؤمنين: يا راشد! كيف صبـرك... إلى آخر الخبر مثله(9).
وروى في «إعلام الورى»، عن مجاهد، عن الشعبي، عن زياد بن النضر الحارثي، قال: كنت عند زياد إذ أُتي برشيد الهجري فقال له: ما قال لك صاحبك ـ يعني عليّـاً عليه السلام ـ إنّـا فاعلون بك؟
قال: تقطعون يدَيّ ورجلَيّ وتصلبونني.
فقال زياد: أمَا والله لأُكـذّبنّ حديثه! خلّوا سـبيله!
فلمّا أراد أن يخرج، قال زياد: والله ما نجد له شيئاً شرّاً ممّا قال له صاحبه! اقطعوا يديه ورجليه واصلبوه!
فقال رشيد: هيهات! قد بقي لكم عندي شيء أخبرني أمير المؤمنين عليه السلام به.
قال ابن زياد: اقطعوا لسانه!
فقال له رشيد: الآن والله جاء تصديق خبر أمير المؤمنين عليه السلام(10).

أقـول:
الأصل في نقل الخبر الأخير المفيد في إرشاده(11); رواه عن ابن عيّاش، عن مجاهد، عن الشعبي، عن زياد بن النضر الحارثي، قال: كنت عند زياد إذ أُتي برشـيد الهجري...
ثمّ قال: وهذا الخبر نقله المؤالف والمخالف عن ثقاتهم عمّن سمّيناه، واشـتهر أمره عند علماء الجميع.
وروى ابن أبي الحديد، قال: «قال إبراهيم: وحدّثني إبراهيم بن العبّاس النهدي، حدّثني مبارك البجلي، عن أبي بكر بن عيّاش، قال: حدّثني المجالد، عن الشعبي، عن زياد بن النضر الحارثي، قال: كنت عند زياد، وقد أُتي برشيد الهجري، وكان من خواصّ أصحاب عليّ عليه السلام، فقال له زياد: ما قال خليلك لك إنّـا فاعلون بك؟
قال: تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني.
فقال زياد: أما والله لأُكـذِّبَنَّ حديثه، خلّوا سـبيله!
فلمّا أراد أن يخرج قال: ردّوه! لا نجد شيئاً أصلح ممّا قال لك صاحبك، إنّك لا تزال تبغي لنا سوءاً إن بقيت; اقطعوا يديه ورجليه.
فقطعوا يديه ورجليه، وهو يتكلّم.
فقال: اصلبوه خنقاً في عنقه.
فقال رشيد: قد بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه.
فقال زياد: اقطعوا لسانه!
فلمّا أخرجوا لسانه ليقطع، قال: نفّسوا عنّي أتكلّم كلمة واحدة.
فنفّسوا عنه، فقال: هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين، أخبرني بقطع لساني.
فقطعوا لسانه وصلبوه(12).
هذا، وقد جرى الكلام بين العلماء في كونه من الصحابة أو لا؟
فعن جماعة ـ كابن إسحاق والواقدي وابن عبـد البرّ ـ أنّه من الصحابة، وأنّه أبو عقبة رشيد الفارسي، مولى جبير بن عتيك، روى عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وشهد معه أُحداً(13)... وعن جماعة آخرين إنكار ذلك والقول بالتعـدّد(14).
وقد جرّبناهم أكثر من مرّة، أنّهم ينكرون صحابيّة الرجل تخفيفاً للجريمة الواقعة عليه من الحكّام الظالمين; والله العالم.

(1) تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمّة الأربعة: 160 رقم 318.
    وانـظـر: تـاريـخ يـحيـى بـن معيـن 1 / 260 رقـم 1715، التـاريـخ الكبـير ـ للبخاري ـ 3 / 334 رقم 1132، الضعفاء والمتروكين ـ للنسائي ـ : 106 رقم 210، أحوال الرجال ـ للجوزجاني ـ : 47 رقم 17، المجروحين ـ لابن حبّان ـ 1 / 294، الجرح والتعديل ـ لابن أبي حاتم ـ 3 / 507 رقم 2298.
(2) الأنساب ـ للسمعاني ـ 5 / 627 «الهجري»، تاريخ دمشق 19 / 200، ميزان الاعتدال 3 / 79 ـ 80 رقم 2787، لسان الميزان 2 / 461 رقم 1859.
(3) وهو الشعبي.
(4) تاريخ دمشق 24 / 100.
(5) ميزان الاعتدال 3 / 79 رقم 2787.
(6) لسان الميزان 2 / 461 رقم 1859.
(7) رجال الكشّي 1 / 290 ـ 291 ح 131، وانظر: الاختصاص ـ للمفيد ـ : 77.
(8) رجال الكشّي 1 / 291 ـ 292 ح 132.
(9) الأمالي: 165 ح 276.
(10) إعلام الورى 1 / 343.
(11) الإرشاد 1 / 324 ـ 326.
(12) شرح نهج البلاغة 2 / 294.
(13) انظر: الاسـتيعاب 2 / 496 رقم 771، أُسد الغابة 2 / 70 رقم 1678، الإصابة 2 / 485 ـ 486 رقم 2657.
(14) انظر: معرفة الصحابة ـ لأبي نُعيم ـ 2 / 1119 رقم 983.

من هم قتلة الحسين عليه السلام؟ شيعة الكوفة؟ تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=26&mid=308&pgid=3899