أدلّة وشواهد أخرى للقول بنزول الآية في أهل البيت

أدلّة وشواهد أخرى للقول بنزول الآية في أهل البيت :
وقد ذكر هذا القول غير واحد من المفسّرين وغيرهم فلم يردّوه.
بل لم يرجّحوا عليه غيره ، بل ذكروا له أدلّة وشواهد ومؤيّدات ، من الأخباروالروايات.
* كالزمخشري ، فإنّه ذكر هذا القول ، وروى فيه الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : « قيل : يا رسول الله ، من قرابتك... » قال : « ويدلّ عليه ما روي عن علي... » الحديث ، وقد تقدّم ، ثمّ قال بعده :
« وعن النبيّ صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم : حرّمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ، ومن اصطنع صنيعةً إلى أحد من ولد عبد المطّلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة.
وروي : أنّ الأنصار قالوا : فعلنا وفعلنا... » الحديث ، وقد تقدّم.
قال : « وقال رسول الله صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم : من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائبا ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة ، ألا ومن مات على على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومن ما ت على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة ، ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة »(1) .
* والرازي حيث قال : « روى الكلبي عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ قال : إن النبيّ صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم لمّا قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق ، وليس في يده سعة ، فقال الأنصار : إنّ هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن اختكم وجاركم في بلدكم ، فاجمعوا له طائفةً من أموالكم ، ففعلوا ، ثمّ أتوه به فردّه عليهم ، فنزل قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجراً ) أي على الإيمان إلاّ أن تودّوا أقاربي. فحثّهم على مودّة أقاربه ».
ثمّ إنّه أورد الرواية عن الزمخشري قائلا : « نقل صاحب الكشّاف عن النبيّ صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم أنّه قال : من مات على حبّ آل محمّد... » إلى آخره. ثمّ قال :
« وأنا أقول : آل محمّد هم الّذين يؤول أمرهم إليه ، فكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل ، ولا شكّ أن فاطمة وعليّاً والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم أشدّ التعلّقات ، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر ، فوجب أن يكونوا هم الآل.
وأيضاً : اختلف الناس في الآل ، فقيل : هم الأقارب ، وقيل : هم أمّته. فإن حملناه على القرابة فهم الآل ، وإن حملناه على الأمّة الّذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل. فثبت أن على جميع التقديرات هم الآل ، وأمّا غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل ؟ فمختلف فيه.
وروى صاحب الكشّاف : إنّه لمّا نزلت هذه الآية قيل : يا رسول الله ، من قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم ؟ فقال : عليّ وفاطمة وابناهما. فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبيّ.
وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ، ويدلّ عليه وجوه :
الأوّل : قوله تعالى : ( إلاّ المودّة في القربى ) ووجه الاستدلال به ما سبق.
الثاني : لا شكّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم كان يحبّ فاطمة عليها السلام، قال صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم : فاطمة بضعة منّي ، يؤذيني ما يؤذيها. وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله أنّه كان يحبّ عليّاً والحسن والحسين. وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأمّة مثله لقوله : ( واتّبعوه لعلّكم تهتدون ) ولقوله سبحانه : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ).
الثالث : إنّ الدعاء للآل منصب عظيم ، ولذلك جُعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة ، وهو قوله : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ، وارحم محمّداً وآل محمّد. وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل ، فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ آل محمّد واجب. وقال الشافعي رضي الله عنه :
يا راكباً قف بالمحصّب من منى *** واهتـف بساكـن خيفها والناهضسحراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضـاً كما نظـم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حبّ آل محمــد *** فليشهد الثقلان أنّي رافضي »(2)
* وذكر النيسابوري محصّل كلام الرازي قائلا : « ولا ريب أنّ هذا فخر عظيم ، وشرف تامّ; ويؤيّده ما روي... »(3) .
* وقال القرطبي : « وقيل : ( القربى ) قرابة الرسول صلّى الله عليه ]وآله [وسلّم ، أي : لا أسألكم أجراً إلاّ أن تودّوا قرابتي وأهل بيتي ، كما أمر بإعظامهم ذوي القربى. وهذا قول عليّ بن حسين وعمرو بن شعيب والسدّي. وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس : لمّا أنزل الله عزّ وجلّ ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الّذين نودّهم ؟ قال : عليّ وفاطمة وابناؤهما. ويدلّ عليه أيضاً ما روي عن عليّ رضي الله عنه : قال : شكوت إلى النبيّ حسد الناس... وعن النبيّ : حرّمت الجنّة...
وكفى قبحاً بقول من يقول : إنّ التقرّب إلى الله بطاعته ومودّة نبيّه صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم وأهل بيته منسوخ ، وقد قال النبيّ : من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً ، ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله زوّار قبره الملائكة والرحمة(4) ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه : أيس اليوم من رحمة الله ، ومن مات على بغض آل محمّد لم يرح رائحة الجنّة ، ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي.
قلت : وذكر هذا الخبر الزمخشري في تفسيره بأطول من هذا فقال : قال رسول الله صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم... » فذكره...(5) .
* وقال الخطيب الشربيني : « فقيل : هم فاطمة وعليّ وابناؤهما. وفيهم نزل : ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ) »(6) .
* وقال الآلوسي : « وقيل : عليّ وفاطمة وولدها رضي الله تعالى عنهم ، وروي ذلك مرفوعاً : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه ، من طريق ابن جبير عن ابن عبّاس ، قال : لمّا نزلت هذه الآية ( قل لا أسألكم )إلى آخره. قالوا : يا رسول الله... وقد تقدّم.
إلاّ أنّه روي عن جماعة من أهل البيت ما يؤيّد ذلك... ».
فروى خبر ابن جرير عن أبي الديلم « لمّا جيء بعلي بن الحسين... » وخبر زاذان عن علي عليه السلام... وأورد قول كميت الشاعر والهيتي أحد أقاربه... وقد تقدّم ذلك كلّه. ثمّ روى حديث الثقلين ، ثمّ قال :
« وأخرج الترمذي وحسّنه والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب ، عن ابن عبّاس ، قال: قال عليه الصلاة والسلام : أحبّوا الله تعالى لما يغذوكم به من نعمة ، وأحبوني لحبّ الله تعالى ، وأحبّوا أهل بيتي لحبي .
وأخرج ابن حبّان والحاكم ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم : والذي نفسي بيده ، لا يبغضنا أهل البيت رجل إلاّ أدخله اللهتعالى النار. إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة من الأخبار ، وفي بعضها ما يدلّ على عموم القربى وشمولها لبني عبد المطّلب :
أخرج أحمد والترمذي ـ وصحّحه والنسائي ، عن المطّلب بن ربيعة ، قال : دخل العبّاس على رسول الله صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم فقال : إنّا لنخرج فنرى قريشاً تحدث ، فإذا رأونا سكتوا ; فغضب رسول الله ودرّ عرق بين عينيه ، ثمّ قال : والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتّى يحبّكم لله تعالى ولقرابتي.
وهذا ظاهر إن خصّ ( القربى ) بالمؤمنين منهم ، وإلاّ فقيل : إنّ الحكم منسوخ. وفيه نظر. والحقّ وجوب محبّة قرابته عليه الصلاة والسلام من حيث إنّهم قرابته كيف كانوا ، وما أحسن ما قيل :
داريت أهلك في هواك وهم عدى *** ولأجل عين ألف عين تكرموكلّما كانت جهة القرابة أقوى كان طلب المودّة أشدّ ، فمودّة العلويّين ألزم من محبّة العبّاسيّين على القول بعموم ( القربى ) وهي على القول بالخصوص قد تتفاوت أيضاً باعتبار تفاوت الجهات والاعتبارات ، وآثار تلك المودّة التعظيم والاحترام والقيام بأداء الحقوق أتمّ قيام ، وقد تهاون كثير من الناس بذلك حتّى عدّوا من الرفض السلوك في هاتيك المسالك ، وأنا أقول قول الشافعي الشافي العيّ :
يا راكباً قف بالمحصّب من منى..... » الأبيات(7) .

أقول :
هذا هو القول الأوّل ، وهو الحقّ ، أعني نزول الآية المباركة في خصوص : عليّ وفاطمة والحسنين ، وعلى فرض التنزّل وشمولها لجميع قربى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فما ورد في خصوص أهل البيت يخصّصها.
فهذا هو القول الأوّل.

(1) الكشّاف في تفسير القرآن 5 : 405 .
(2) التفسير الكبير 27 : 164 ـ 166 .
(3) تفسير غرائب القرآن 6 : 74 .
(4) كذا .
(5) الجامع لاحكام القرآن 16 : 21 ـ 23 .
(6) السراج المنير 3 : 538 .
(7) روح المعاني 25 : 31 ـ 32 .

تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات (1) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=14&mid=130&pgid=1725