مقدّمات قبل الورود في تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات

مقدّمات قبل الورود في تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات


وكتاب المراجعات يحتوي على مبحثين :
الأوّل : في إمامة المذهب.
والثاني : في الإمامة ، وهي الخلافة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ويشتمل كلّ منهما على مراجعات...
ولا بدّ قبل الورود فيها من مقدّمات :
* إنّ « التشيّع » مذهب كسائر المذاهب ، له أصوله وقواعده في الأصول والفروع ، والشيعة الإماميّة الاثنا عشرية غير محتاجة ـ في إثبات حقّيّة ما تذهب إليه ـ إلى روايات الآخرين وأخبارهم ، ولا إلى ما قاله علماء الفرق الأخرى في كتبهم وأسفارهم..
فلا يتوهّمنّ أحد أنّهم ـ لاستدلالهم بشيء خارج عن نطاق أدلتهم وحججهم ـ يفقدون في ذلك المورد المستدلّ عليه ، الدليل المتقن على رأيهم ، فيلجأون إلى قول من غيرهم ، أو إلى خبر من غير طرقهم...
إلاّ أنّهم لمّا كانوا واقعيّين في بحوثهم ، منصفين في مناظراتهم مع أتباع كلّ فرقة من الفرق ، يستندون إلى ما جاء في كتب تلك الفرقة وعلى لسان علمائها المعتمدين فيها ، وهذا ما تفرضه طبيعة المناظرة ، وتقتضيه آدابها وقواعدها المقرّرة.
فاستدلال الشيعة بخبر من كتاب .. أو استشهادهم بكلام عالم ... لفرقة من الفرق.. لا يعني القبول بكلّ ما جاء في ذلك الكتاب ، أو على لسان ذاك العالم.. وإنّما هو احتجاج على الطرف الآخر بما لا مناص له من الالتزام به ، بعد الإقرار بذلك الكتاب ، وبكون ذلك العالم من علماء مذهبه...
ويكفي للاحتجاج أن يكون ذلك الخبر المستدلّ به مقبولاً لدى رواته ، وفي نظر المحدّث الذي أورده في كتابه ، ولا يشترط أن يكون معتبراً عند جميع علماء تلك الطائفة ، وذلك :
لأنّ الغرض إثبات أنّ الذي تذهب إليه الشيعة مرويّ من طرق الخصم وموجود في كتبه ، وأنّ الراوي له موثوق به عنده ولو على بعض الآراء ، فيكون الخبر متّفقاً عليه ، والمتّفق عليه بين الطرفين ـ في مقام المناظرة ـ لا ريب فيه.
ولأنّ الخبر أو الراوي المقبول المعتبر لدى كلّ علماء تلك الطائفة نادر جدّاً.
نعم ، إذا كان ضعيفاً عند أكثرهم لم يتمّ الاستدلال والاحتجاج به عليهم.
* وعلى الجملة ، فإنّه يكفي لصحّة الاستدلال بكتاب أو بخبر أو بكلام عالم .. ألاّ يكون معرضاً عنه لدى أكثر أئمّة الفرقة المقابلة ; وأمّا أن يردّ الاحتجاج ـ بما رواه الراوي الموثّق من قبل بعضهم ـ بجرح البعض.. فهذا ممّا لا يسمع ، وإلاّ يلزم سقوط أخبار حتّى مثل « البخاري » و« مسلم » في كتابيهما المعروفين بـ « الصحيحين » لوجود الطعن فيهما وفي كتابيهما ، من غير واحد من كبار الأئمّة الحفّاظ(1) .
فقد ذكر كبار الحفّاظ امتناع الإمامين الجليلين : أبي زرعة وأبي حاتم الرازيّين عن الرواية عن « محمّد بن إسماعيل البخاري » لأجل انحرافه في العقيدة في نظرهما ، وقال الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم : كان أبو زرعة ترك الرواية عن البخاري من أجل ما كان منه في المحنة.
ولأجل هذا ، فقد أورد ابن أبي حاتم الرازي البخاريّ في كتابه في « الجرح والتعديل »(2) .
ولأجل تكلّم أبي زرعة وأبي حاتم ، وما صنعه ابن أبي حاتم.. فقد أورد الحافظ الذهبيّ البخاريّ في كتابه « المغني في الضعفاء » فقال : « حجّة إمام ، ولا عبرة بترك أبي زرعة وأبي حاتم له من أجل اللفظ »(3) .
وأضاف الحافظ الذهبي بترجمة البخاري تكلّم الإمام الكبير محمّد بن يحيى الذهلي فيه ، وأنّه كان يقول : « من ذهب بعد هذا إلى محمّد بن إسماعيل البخاري فاتّهموه ، فإنّه لا يحضر مجلسه إلاّ من كان على مثل مذهبه »(4) .
بل ذكر الذهبي أنّ الإمام الذهلي أخرج البخاريَّ ومسلماً من مدينة نيسابور(5) .
وقال بترجمة الذهلي : « كان الذهلي شديد التمسّك بالسنّة ، قام على محمّد بن إسماعيل ، لكونه أشار في مسألة خلق أفعال العباد إلى أنّ تلفّظ القاري بالقرآن مخلوق... وسافر ابن إسماعيل مختفياً من نيسابور وتألّم من فعل محمّد ابن يحيى »(6) .
وقد تألّم غير واحد من أعلام القوم من موقف الذهبي من البخاري حين أورده في كتاب « الضعفاء ».
قال السُبكي : « وممّا ينبغي أن يتفقّد عند الجرح : حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح ، فربّما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك .
وإليه أشار الرافعي بقوله : وينبغي أن يكون المزكّون برآء من الشحناء والعصبيّة في المذهب ، خوفاً من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق ، وقد وقع هذا لكثير من الأئمّة ، جرحوا بناءً على معتقدهم ، وهم المخطئون والمجروح مصيب.
وقد أشار شيخ الإسلام سيّد المتأخّرين : تقي الدين ابن دقيق العيد في كتابه (الاقتراح ) إلى هذا وقال : أعراض المسلمين حفرة من حفر النار ، وقف على شفيرها طائفتان من الناس : المحدّثون والحكّام.
قلت : ومن أمثلة ما قدمنا قول بعضهم في البخاري : تركه أبو زرعة وأبو حاتم ، من أجل مسألة اللفظ.
فيا لله والمسلمين ! أيجوز لأحد أن يقول : البخاري متروك ؟! وهو حامل لواء الصناعة، ومقدّم أهل السنّة والجماعة »(7) .
فهذه عبارة السبكي ، ولم يصرّح باسم القائل بذلك وهو الذهبي ، لكنّ المنّاوي صرّح باسمه ، واتّهمه بالغضّ والغرض من أهل السنّة ، وكأنّه ليس الذهبي من أهل السنّة !! فقال بترجمة البخاري :
« زين الأمّة ، افتخار الأئمّة ، صاحب أصحّ الكتب بعد القرآن ، ساحب ذيل الفضل على مرّ الزمان ، الذي قال فيه إمام الأئمّة ابن خزيمة : ما تحت أديم السماء أعلم منه. وقال بعضهم : إنّه آية من آيات الله يمشي على وجه الأرض.
قال الذهبي : كان من أفراد العالم ، مع الدين والورع والمتانة. هذا كلامه في الكاشف.
ومع ذلك غلب عليه الغضّ من أهل السنّة فقال في ( كتاب الضعفاء والمتروكين ) : ما سلم من الكلام لأجل مسألة اللفظ ، تركه لأجلها الرازيّان.
هذه عبارته ، وأستغفر الله تعالى. نسأل الله السلامة ، ونعوذ به الخذلان »(8) .
* ونستفيد من هذه القضيّة أموراً :
1 ـ ما ذكرناه سابقاً من أنّه لو اشترط ـ في صحّة استدلالاتنا بأخبار القوم وأقوالهم ـ كون الخبر معتبراً عند جميعهم ، أو كون راويه موثّقاً عند كلّهم .. لانسدّ باب البحث ، لعدم وجود هكذا خبر أو راو فيما بينهم.
2 ـ إنّ البخاري ومسلماً مجروحان عند جماعة من الأئمّة ، فتكون روايتهما في كتابيهماـ كسائر الكتب والروايات ـ خاضعة لموازين الجرح والتعديل.. إن لم نقل بأنّ مقتضى الطعن المذكور فيهما سقوط رواياتهما عن الاعتبار رأساً .. وهناك أحاديث كثيرة في الكتابين قد نصّ العلماء المحقّقون الكبار على بطلانها ، يطول بنا المقام لو أردناذكرها ، فراجع بعض مؤلّفاتنا(9) .
3 ـ إنّ الذهبي ـ وهو من أكابر أئمّة القوم في الجرح والتعديل ـ له مجازفات في تعديلاته وتجريحاته.. فليس كلّ ما يقوله الذهبي في حقّ الرجال حقّاً ، وإلاّ كان ما قاله وفعله في حقّ « البخاري » صحيحاً مقبولاً ، وقد قال المنّاوي بعد نقله : « نسأل الله السلامة ونعوذ به من الخذلان ».
4 ـ إنّه ينبغي أن يتفقّد حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح ، وأنْ يكون المزكّون والجارحون برآء من الشحناء والعصبيّة في المذهب. وهذا ما أكّده الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضاً ، حين قال :
« وممّن ينبغي أن يتوقّف في قبول قوله في الجرح : من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد ، فإنّ الحاذق إذا تأمّل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب ، وذلك لشدّة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيّع ، فتراه لا يتوقّف في جرح من ذكره منهم ، بلسان ذلقة وعبارة طلقة ، حتّى أنّه أخذ يليّن مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيدالله بن موسى وأساطين الحديث واركان الرواية. فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه فوثّق رجلاً ضعّفه قبل التوثيق... »(10) .
* وقد تبع الجوزجاني بعض من كان على مسلكه من المتأخّرين ، فأخذوا يطعنون في الراوي بمجرّد روايته ما يدلّ على فضيلة لعليّ وأهل البيت عليهم السلام ، أو ما يدلّ على قدح في واحد من مناوئيهم ، ويقولون عنه « شيعي » « رافضي » ونحو ذلك ، والحال أنّ التشيّع ـ كما يقول الحافظ ابن حجر ـ : « محبّة علىّ وتقديمه على الصحابة »(11) .
والّذين يقدّمون عليّاً عليه السلام على غيره من الصحابة كثيرون حتّى في الصحابة.. قال الحافظ ابن عبد البرّ : « وروي عن سلمان وأبي ذرّ والمقداد وخبّاب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم : إنّ عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أوّل من أسلم. وفضّله هؤلاء على غيره »(12) .
فالتشيّع لا يضرّ بالوثاقة عندهم ولا يمنع من الاعتماد. قال ابن حجر بترجمة « خالد بن مخلد القطواني الكوفي » وهو من رجال البخاري :
« من كبار شيوخ البخاري ، روى عنه وروى عن واحد عنه. قال العجلي : ثقة وفيه تشيّع. وقال ابن سعد : كان متشيّعاً مفرطاً. وقال صالح جزرة : ثقة إلاّ أنّه يتشيّع. وقال أبوحاتم ، يكتب حديثه ولا يحتجّ.
قلت : أمّا التشيّع فقد قدّمنا أنّه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضرّه ، لا سيّما ولم يكن داعيةً إلى رأيه »(13) .
وقال ابن حجر بترجمة « عبّاد بن يعقوب الرواجني » من رجال البخاري :
« رافضي مشهور ، إلاّ أنّه كان صدوقاً ، وثّقه أبو حاتم ، وقال الحاكم : كان ابن خزيمة إذا حدّث عنه يقول : حدّثنا الثقة في روايته المتّهم في رأيه : عبّاد بن يعقوب. وقال ابن حبّان : كان رافضيّاً داعيةً. وقال صالح بن محمّد : كان يشتم عثمان رضي الله عنه.
قلت : روى عنه البخاري في كتاب التوحيد حديثاً واحداً مقروناً ، وهو حديث ابن مسعود : أيّ العمل أفضل ؟ وله عند البخاري طرق أخرى من رواية غيره »(14) .
وقال الذهبي بترجمة « أبان بن تغلب » :
« شيعي جلد ، لكنّه صدوق ، فلنا صدقه وعليه بدعته ، وقد وثّقه أحمد بن حنبل وابن معين وأبو حاتم. وأورده ابن عديّ وقال : كان غالياً في التشيّع. وقال السعدي : زائغ مجاهر.
فلقائل أن يقول : كيف ساغ توثيق مبتدع ، وحدُّ الثقة العدالة والإتقان ؟! فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة ؟!
وجوابه : إنّ البدعة على ضربين ، فبدعة صغرى ، كغلوّ التشيّع ، أو كالتشيّع بلا غلوّ ولا تحرف ; فهذا كثير في التابعين وتابعيهم ، مع الدين والورع والصدق; فلو ردّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبويّة ، وهذه مفسدة بيّنة »(15) .

أقول :
وعلى هذا الأساس أيضاً تسقط مناقشات بعض الكتّاب في أسانيد الأحاديث التي يستدلّ بها الشيعة الاثنا عشرية من كتب أهل السنّة.. لكنّ بعض المتعصّبين يقدح في الرجل إذا كان شيعيّاً ـ أي يفضّل عليّاً عليه السلام على غيره من الصحابة ـ ويكره الرواية عنه ، حتّى وإن كان من الصحابة ، مع أنّ المشهور فيما بين أهل السنّة عدالة الصحابة أجمعين ! قال الحافظ ابن حجر بترجمة « عامر بن واثلة أبو الطفيل الليثي المكّي » :
« قال ابن عديّ : كان الخوارج يرمونه باتّصاله بعليّ وقوله بفضله وفضل أهل بيته ، وليس بحديثه بأس. وقال ابن المديني : قلت لجرير : أكان مغيرة يكره الرواية عن أبي الطفيل ؟ قال : نعم. وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه : مكّي ثقة. وكذا قال ابن سعد وزاد : كان متشيّعاً.
قلت : أساء أبو محمّد بن حزم فضعّف أحاديث أبي الطفيل وقال : كان صاحب راية المختارالكذّاب. وأبو الطفيل صحابي لا شكّ فيه ، لا يؤثّر فيه قول أحد ، ولا سيّما بالعصبيّة والهوى »(16) .

قلت :
فالحمد لله الذي أجرى على لسان مثل ابن حجر العسقلاني أنّ ابن حزم يتكلّم « بالعصبيّة والهوى » وقد حطّ على هذا الرجل أبو بكر ابن العربي.
وقال أبو العبّاس ابن العريف الصالح الزاهد : « لسان ابن حزم وسيف الحجّاج شقيقان ».
وقال مؤرّخ الأندلس أبو مروان ابن حبّان : « وممّا يزيد في بغض الناس له تعصّبه لبني أميّة ، ماضيهم وباقيهم ، واعتقاده بصحّة إمامتهم ، حتّى نسب إلى النصب ».
وقال ابن خلّكان : « كان كثير الوقوع في العلماء المتقدّمين ، لا يكاد يسلم أحد من لسانه. قال ابن العريف : كان لسان ابن حزم وسيف الحجّاج شقيقين. قاله لكثرة وقوعه في الأئمّة ، فنفرت عنه القلوب ، واستهدف لفقهاء وقته ، فتمالؤا على بغضه ، وردّوا قوله ، وأجمعوا على تضليله... ».
ووصفه الآلوسي عند ذكره بـ « الضالّ المضلّ ».
انظر : لسان الميزان 4 : 198 ، وفيات الأعيان 3 : 325 ، تفسير الآلوسي 21 : 76 .

قلت :
وممّا يشهد بنصبه قوله في المحلّى 10 : 484 : « ولا خلاف بين أحد من الأمّة في أنّ عبدالرحمن بن ملجم لم يقتل عليّاً رضي الله عنه إلاّ متأوّلاً مجتهداً مقدراً أنّه على صواب ، وفي ذلك يقول عمران بن حطّان شاعر الصفرية... ».
وقد كان على شاكلة ابن حزم في القول بالعصبيّة والهوى :
* أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي ، فقد أفرط هذا الرجل في كتبه لا سيّما في كتابيه « العلل المتناهية » و« الموضوعات » حتّى ردّ عليه كبار المحقّقين ، فنّصوا على بطلان كثير من أقواله وآرائه.
قال الحافظ النووي : « وقد أكثر جامع الموضوعات في نحو المجلّدين ، أعني أبا الفرج بن الجوزي ، فذكر كثيراً ممّا لا دليل على وضعه... ».
وقال الحافظ السيوطي : « فذكر في كتابه كثيراً ممّا لا دليل على وضعه ، بل هو ضعيف ، بل وفيه الحسن والصحيح ، وأغرب من ذلك : أنّ فيها حديثاً من صحيح مسلم كما سأبيّنه.
قال الذهبي : ربّما ذكر ابن الجوزي في الموضوعات أحاديث حساناً قويّة.
قال : ونقلت من خطّ السيّد أحمد بن أبي المجد قال : صنّف ابن الجوزي كتاب (الموضوعات) فأصاب في ذكره أحاديث شنيعة مخالفة للنقل والعقل . وما لم يصب فيه إطلاقه الوضع على أحاديث ، بكلام بعض الناس في أحد رواتها ، كقوله : فلان ضعيف أو : ليس بالقوي أو : ليّن ، وليس ذلك الحديث ممّا يشهد القلب ببطلانه ، ولا فيه مخالفة ولا معارضة لكتاب ولا سنّة ولا إجماع ، ولا حجّة بأنّه موضوع سوى كلام ذلك الرجل في راويه. وهذا عدوان ومجازفة »(17) .
وقال ابن عرّاق : « وللإمام الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي فيها كتاب جامع ، إلاّ أنّ عليه مؤاخذات ومناقشات... »(18) .
وقد أورد ابن الجوزي في كتابه « العلل المتناهية في الأحاديث الواهية » حديث : «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي » فاعترضه بشدّة كبار المحدّثين المتأخّرين عنه :
قال السخاوي : « وتعجّبت من إيراد ابن الجوزي له في ( العلل المتناهية ) بل أعجب من ذلك قوله : إنّه حديث لا يصحّ. مع ما سيأتي من طرقه التي بعضها في صحيح مسلم »(19) .
وقال السمهودي : « ومن العجيب ذكر ابن الجوزي له في (العلل المتناهية) فإيّاك أن تغترّ به. وكأنّه لم يستحضره حينئذ »(20) .
وقال المنّاوي : « ووهم من زعم وضعه كابن الجوزي »(21) .
بل هناك كلمات كثيرة في الحطّ على ابن الجوزي نفسه :
قال ابن الأثير : « وفي هذه السنة ـ في شهر رمضان ـ توفّي أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن الجوزي الحنبلي ، الواعظ ببغداد ، وتصانيفه مشهورة ، وكان كثير الوقيعة في الناس ، لا سيّما في العلماء المخالفين لمذهبه »(22) .
وقال أبو الفداء : « كان كثير الوقيعة في العلماء »(23) .
وقال الذهبي : « له وهم كثير في تواليفه ، يدخل عليه الداخل من العجلة والتحوّل إلى مصنّف آخر ، ومن أنّ جلّ علمه من كتب وصحف ما مارس فيه أرباب العلم كما ينبغي »(24) .
وقال ابن حجر : «... دلّت هذه القصّة على أنّ ابن الجوزي حاطب ليل لا ينقد ما يحدّث به »(25) .
وقال السيوطي : « قال الذهبي في التاريخ الكبير : لا يوصف ابن الجوزي بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة ، بل باعتبار كثرة اطّلاعه وجمعه »(26) .
وقال اليافعي : « وفيها أخرج ابن الجوزي من سجن واسط وتلقّاه الناس ، وبقي في المطمورة خمس سنين ، كذا ذكره الذهبي... »(27) .
* وأحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الحرّاني ، فقد طعن في كثير من الرجال وفي كثير من الأحاديث والأخبار ، وفي كثير من مصنّفات أهل السُنّة ، لروايتها ما يتمسّك به الإماميّة.. ولقد تمادى هذا الرجل في غيّه حتّى انبرى كبار علماء أهل السُنّة من أهل المذاهب الأربعة للفتوى ضدّه ، ثمّ أمر بأن ينادى بالحطّ عليه والمنع من اتّباعه ، ثمّ حبس ، حتّى مات في الحبس.
* وشمس الدين الذهبي ، صاحب المؤلفّات الكثيرة وتلميذ ابن تيميّة الحرّاني والملازم له(28) فقد حكم على كثير من الأحاديث الصحيحة بالوضع ، وطعن في كثير من الرجال وأسقط رواياتهم عن درجة الاعتبار.. وقد فعل ذلك بالنسبة إلى كثير من أئمّة أهل السُنّة ومحدّثيهم المشاهير في كتابيه « ميزان الاعتدال » و« المغني في الضعفاء » حتّى أدرج في الثاني « محمّد بن إسماعيل البخاري » كما تقدّم.
وقال السبكي بترجمته : « كان شديد الميل إلى آراء الحنابلة ، كثير الإزراء بأهل السنّة ، الّذين إذا حضروا كان أبوالحسن الأشعري فيهم مقدّم القافلة ، فلذلك لا ينصفهم في التراجم ، ولا يصفهم بخير إلاّ وقد رغم منه أنف الراغم. صنّف ( التاريخ الكبير ) وما أحسنه لولا تعصب فيه ، وأكمله لولا نقص فيه وأيّ نقص يعتريه »(29) .
وقال : « وأمّا تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله له ، فإنّه ـ على حسنه وجمعه ـ مشحون بالتعصّب المفرط ، لا واخذه الله. فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين ، أعني الفقراء الّذين هم صفوة الخلق ، واستطال بلسانه على كثير من أئمّة الشافعيّين والحنفيّين ، ومال فأفرط على الأشاعرة ، ومدح فزاد في المجسّمة. هذا وهو الحافظ المدره ، والإمام المبجّل ، فما ظنّك بعوامّ المؤرّخين »(30) .
وعن تلميذه صلاح الدين العلائي : « الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي ، لا أشكّ في دينه وورعه وتحرّيه فيما يقوله الناس ، ولكنّه غلب عليه مذهب الإثبات ، ومنافرة التأويل ، والغفلة عن التنزيه ، حتّى أثّر ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه ، وميلاً قوياً إلى أهل الإثبات. فإذا ترجم واجداً منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ، ويبالغ في وصفه ، ويتغافل عن غلطاته ويتأوّل له ما أمكن ، وإذا ذكر أحداً من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما لا يبالغ في وصفه ، ويكثر من قول من طعن فيه ، ويعيد ذلك ويبديه ، ويعتقده ديناً وهو لا يشعر ، ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها ، وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها... »(31) .
قال السبكي : « والذي أدركنا عليه المشايخ : النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله ، ولم يكن يستجرئ أن يظهر كتبه التاريخية إلاّ لمن يغلب على ظنّه أنّه لا ينقل عنه ما يعاب عليه »(32) .
قال : « كان يغضب عند ترجمته لواحد من علماء الحنفيّة والمالكية والشافعية غضباً شديداً ، ثمّ يقرطم الكلام ويمزّقه ، ثمّ هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الألفاظ كما ينبغي ، فربّما ذكر لفظةً من الذمّ لو عقل معناها لما نطق بها »(33) .

أقول :
عجيب ! ابن الجوزي سجن ، ابن تيميّة سجن حتّى مات في السجن ، ابن حزم مزقّت كتبه وأحرقت ونفي حتّى مات في المنفى ، والذهبي ينهى عن النظر في كلامه ، ولا يعتمد قوله ، ويلاقي الأذى...
هذا حال هؤلاء في أهل السُنّة... وقد أصبحوا أئمّةً يقتدي بهم المتأخّرون من الكتّاب ويستندون إلى أقوالهم !!
وأيضاً : إذا كان هؤلاء مشهورين بالتعصّب وبالوقيعة في العلماء ـ إذا لم يكونوا على مذاهبهم ـ في أقوالهم في السِيَر والتواريخ وغيرها ، فكيف يرتجى منهم الإنصاف والإقرار بالحقّ مع الشيعة وأئمّتهم ورجالهم... ؟!!

(1) هذا حال البخاري إمامهم في الحديث ، وسنشير إلى حال إمامهم في العقائد وهو : أبو الحسن الأشعري. ولعلّنا نتعرّض لحال أئمّتهم في الفقه وهم : الأئمّة الأربعة !وإمامهم في التفسير هو : الفخر الرازي... في المواضع المناسبة. إن شاء الله تعالى.
(2) وذكر ذلك الذهبي في : سير أعلام النبلاء 12 : 462 .
(3) المغني في الضعفاء 2 : 268 رقم 5312 .
(4) سير أعلام النبلاء 12 : 456 .
(5) سير أعلام النبلاء 12 : 460 .
(6) سير أعلام النبلاء 12 : 284 ـ 285 .
(7) طبقات الشافعية 2 : 12 .
(8) فيض القدير 1 : 24 .
(9) التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف : 293 ـ 336 .
(10) لسان الميزان 1 : 16 .
(11) مقدمة فتح الباري : 460 .
(12) الاستيعاب 3 : 1090 .
(13) مقدمة فتح الباري : 398 .
(14) مقدمة فتح الباري : 410 .
(15) ميزان الاعتدال 1 : 5 .
(16) مقدمة فتح الباري : 410 .
(17) تدريب الراوي 1 : 329 .
(18) تنزيه الشريعة المرفوعة 1 : 3 .
(19) استجلاب ارتقاء الغرف 1 : 338 .
(20) جواهر العقدين 1 : 73 .
(21) فيض القدير 3 : 15 .
(22) الكامل في التاريخ ـ حوادث سنة 597 .
(23) المختصر في أخبار البشر ـ حوادث سنة 597 .
(24) تذكرة الحفّاظ 4 : 1347 .
(25) لسان الميزان 2 : 84 ، ترجمة ثمامة بن أشرس .
(26) طبقات الحفّاظ : 480 .
(27) مرآة الجنان ـ حوادث سنة 595 .
(28) وكم لقي الذهبي من الأذى والعنت لهذه العلاقة بابن تيميّة. قاله محقق كتاب « العبر » في المقدمة .
(29) طبقات الشافعية 9 : 103 .
(30) طبقات الشافعية 2 : 22 .
(31) طبقات الشافعية 2 : 13 .
(32) طبقات الشافعية 2 : 14 .
(33) طبقات الشافعية 2 : 14 .

تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات (1) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=14&mid=121&pgid=1681