قال قائل منهم

قال قائل منهم :
يقول قائلهم مفتتحاً ما كتبه بعد البسملة والحمدلة :
« وبعد ، يعتبر كتاب المراجعات من أهمّ كتب الرافضة التي عرض فيها مؤلّفه : عبدالحسين الموسوي ، مذهبه مذهب الرفض ، بصورة توهم الكثير من أهل السنّة بصدق ما جاء فيها ، لا سيّما أولئك الّذين لم يسبق لهم معرفة عقيدة الرافضة وأصولهم ، وأساليبهم الخبيثة الماكرة ، والتي ترتكز على الأدلّة الكاذبة الموضوعة ، والتلاعب بالأدلّة الصحيحة ، سواء بالزيادة فيها أو الإنقاص منها ، أو بتحميلها من المعاني ما لا تحتمله ، كلّ هذا يفعلونه نصرةً لمذهبهم ، وتأييداً لباطلهم. وهذا ما درج عليه الموسوي في كتابه ( المراجعات ).
ولمّا كانت هذه المراجعات لا أصل لها من الصحّة ، بل هي محض كذّب وافتراء ، ولمّا مرَّ على ظهور هذا الكتاب قرابة الثلاثين عاماً(1) ، ولم نجد أحداً من علماء السنّة قد ردّ على هذه المراجعات المكذوبة جملةً وتفصيلاً.
ولمّا كان هذا الكتاب قد أثّر في بسطاء المسلمين وعامّتهم ، جهلاً منهم بعقيدة الرافضة وأصولهم المخالفة لأصول الإسلام الثابتة في الكتاب والسنّة الصحيحة ، وظنّاً منهم بصدق هذه المراجعات ، غير مدركين تدليس وكذّب صاحبها ، حيث أظهر موافقة شيخ الأزهر على كلّ ما عرضه من أدلّة مكذوبة ، وفي الوقت نفسه لم يجدوا من يكشف لهم كذب هذه المراجعات ، ويبيّن لهم ما اشتملت عليه من زيغ وضلال.
ولمّا كان تحذير المسلمين من عدوّهم ، وفضح كلّ الطوائف والفرق الخارجة على الإسلام أمراً واجباً على كلّ داعية ، بل هو من أعظم القربات إلى الله حتّى يميّزوا الخبيث من الطيّب ، ويبيّنوا سبيل المجرمين.
لهذا كلّه نرى أنفسنا مضطرّين للردّ على كتاب المراجعات ، سائلين الله أن يجعل هذا خالصاً لوجهه ، ودفاعاً عن أوليائه ، ونصرةً لدينه ، وغيرةً على سنّة نبيّه ».

أقول :
أوّلاً : أنّنا عندما ننقل هذه العبارات نرجو المعذرة من كلّ مسلم غيور متأدّب بآداب الإسلام ، بل من كلّ إنسان متخلّق بالأخلاق الفاضلة ، وخاصّةً من سيّدنا « شرف الدين » قدّس الله نفسه ، فإنّنا إنّما أوردناها :
1 ـ ليتّضح أنّ الّذين يعادون الشيعة والتشيّع إنّما يعادون المسلمين والإسلام ، ولا يفرّقون في الطعن بين أهل السنّة والشيعة ، وذلك لأنّ هذا الأسلوب من الكلام يشوّه سمعة الدين والإسلام لدى أبناء الأديان الأخرى ، إذ يتوهّمون أنّ هذا هو الخلق الإسلامي المحمّدي ، وأنّ المسلمين ـ سواء الشيعة أو السنّة ـ بمعزل عن الآداب الإنسانيّة والأخلاق الفاضلة.
على أنّه ـ في نفس الوقت الذي يتهجم فيه على الشيعة ـ يطعن في علماء مذهبه ، وينسبهم إلى التهاون في أمر الدين والدفاع عن أولياء الله وسنّة الرسول ، إذ لم يردّوا على هذا الكتاب الذي أثّر في بسطاء المسلمين وعامّتهم ـ على حدّ تعبيره ـ ولم يكشفوا لهم كذب هذه المراجعات ! كما قال...
فهؤلاء ـ في الواقع ـ أناس يريدون الوقيعة بين المسلمين ، وإيجاد التباغض بينهم ، وضرب بعضهم ببعض ، حتّى يكون الأعداء في راحة ... فكونوا على حذر من هؤلاء ، وانتبهوا أيّها المسلمون !!
2 ـ للاستشهاد على ما ذكرنا من قبل ، من أنّ في الناس من لا يروقه قول الحقّ وبيان الحقيقة ، وحين لا يمكنه الردّ المتين المستند إلى العقل والدين ، يتفوّه بهذه الكلمات ، اقتداءً بشيخ إسلامه ابن تيميّة المشحون منهاجه بالأباطيل والافتراءات.
3 ـ للعلم بأنّ فيمن ينسب نفسه إلى السنّة المحمّدية ، ويزعم كونه « داعيةً » إليها «مدافعاً » عنها « غيوراً » عليها... أناساً غير متّصفين بأدنى شيء من آدابها ، وليقارن بين كتابات هؤلاء وبين كتابات الشيعة.
4 ـ للتنبيه على أنّ من يفتتح ما كتبه بالتكفير والشتم والتضليل وغير ذلك لطائفة من المسلمين ... لا يستبعد منه الكذب والخيانة والتدليس في أثناء ما كتبه وخلال البحوث.
5 ـ ولأنّا سوف نعرض عن التعرّض بشيء لأمثال هذه العبارات ـ وما أكثرها ـ في الكتاب.
وثانياً : إنّ السيّد من كبار فقهاء الأمّة الاسلامية ، ومن أعاظم علماء الطائفة الشيعية ، وكتابه « المراجعات » من المصادر المعتبرة لدى المسلمين ، حتّى أنّ بعض علماء السنّة المحقّقين ينقلون عنه ويعتمدون عليه ، قال العلاّمة الشيخ محمود أبو ريّة ـ من كبار علماء الأزهر المشاهير المحقّقين ـ في كلام له حول بعض الروايات : « وإذا أردت الوقوف على هذه الروايات فارجع إلى كتاب المراجعات التي جرت بين العلاّمة شرف الدين الموسوي ـ رحمه الله ـ وبين الأستاذ الكبير الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر سابقاً »(2) .
وقد وصف الأستاذ عمر رضا كحّالة السيّد ومؤلّفه بقوله :
« عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي. عالم فقيه مجتهد. ولد بالمشهد الكاظمي مستهلّ جمادى الآخرة ، وأخذ عن طائفة من علماء العراق ، وقدم لبنان ، ورحل إلى الحجاز ومصر ودمشق وإيران ، وعاد إلى لبنان ، فكان مرجع الطائفة الشيعية ، وأسّس الكلّيّة الجعفرية بصور ، وتوفّي ببيروت في 8 جمادى الآخرة سنة 1377 ، ونقل جثمانه إلى العراق فدفن بالنجف.
من آثاره : المراجعات ، وهي اسئلة وجّهها سليم البشري إلى المترجم فأجاب عنها. أبوهريرة. الشيعة والمنار. إلى المجمع العلمي العربي بدمشق. والفصول المهمّة في تأليف الأمّة »(3).
وثالثاً : قد اعترف هذا القائل في كلامه بأنّ أحداً من أهل السنّة لم يردّ على المراجعات ، فلماذا لم يردّوا ؟! أمّا كانوا يرون وجوب « تحذير المسلمين من عدوّهم » على كلّ « داعية » ؟! أو لم يكونوا دعاة كما كان هذا القائل ؟!
ورابعاً : قد اعترف هذا القائل في كلامه بأنّ هذا الكتاب قد أثّر في المسلمين ، لكن قال : في بسطاء المسلمين وعامّتهم !
وقال آخر :
« وفي عصرنا أيضاً نجد كتاباً يسعى جادّاً للدخول إلى كلّ بيت(4) . رأيت طبعته العشرين في عام 1402 ، ويوزّع على سبيل الهديّة في الغالب الأعمّ ، واسم الكتاب المراجعات. ذكر مؤلّفه شرف الدين هذا الحديث بالمتن الذي بيّنّا ضعف أسانيده(5) وقال : بأنّه حديث متواتر. ثمّ نسب للشيخ سليم البشري رحمه الله ، شيخ الأزهر والمالكية أنّه تلقّى هذا القول بالقبول وأنّه طلب المزيد... »(6) .
وقال في كُتيّب أسماه : « عقيدة الإمامة عند الشيعة الإمامية.. دراسة في ضوء الكتاب والسنّة. هل كان شيخ الأزهر البشري شيعيّاً ؟! »(7) .
قال في مقدّمته : « وقبل أن أختم البحث رأيت أن أشير إلى الفرية الكبرى التي جاء بها الكاتب الشيعي شرف الدين الموسوي في كتابه « المراجعات » وأن أنبّه إلى براءة الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر ممّا نسبه إليه هذا المؤلّف ».
ثمّ قال في الصفحة 170 : « ممّا رزئنا به في عصرنا كتاب يسعى جادّاً للدخول إلى كلّ بيت ، رأيت طبعته العشرين في عام 1402... ».
وقال في الخاتمة : « ومن أكبر هذه المفتريات الكتاب المسمّى ( المراجعات ) الذي لم يكتف مؤلّفه بجعل الأحاديث الموضوعة المكذوبة أحاديث ثابتة متواترة ، بل نسب لشيخ الأزهر الشيخ سليم البشري رحمه الله أنّه سلّم بهذا وأيّده. بل سلّم بعقيدة الشيعة الجعفرية ، ورأى أنّ اتّباع المذهب الشيعي الجعفري أولى بالاتّباع من أيّ مذهب من المذاهب الأربعة ».
وقال ثالث :
« وأمّا كتاب المراجعات فقد استحوذ على اهتمام دعاة التشيّع ، وجعلوه أكبر وسائلهم التي يخدعون بها الناس. أو بعبارة أدقّ : يخدعون به أتباعهم وشيعتهم ، لأنّ أهل السنّة لا يعلمون عن هذا الكتاب ولا غيره من عشرات الكتب التي تخرجها مطابع الروافض ، اللّهمّ إلاّ من له عناية واهتمام خاصّ بمذهب الشيعة. وقد طبع هذا الكتاب أكثر من مائة مرّة ، كما زعم ذلك بعض الروافض. والكتاب في زعم مؤلّفه واقعة من وقائع التقارب بين أهل السنّة والشيعة ،وهو عبارة عن مراسلات بين شيخ الأزهر سليم البشري ، وبين عبد الحسين هذا ، انتهت بإقرار شيخ الأزهر بصحّة مذهب الروافض وبطلان مذهب أهل السنّة.
والكتاب ـ لا شكّ ـ موضوع مكذوب على شيخ الأزهر ، وبراهين الكذب والوضع له كثيرة نعرض لبعض منها ، وقبل ذلك نشير إلى أنّ الروافض من دأبهم وضع بعض المؤلّفات ونسبتها لبعض مشاهير أهل السنّة ، كما وضعوا كتاب « سرّ العالمين » ونسبوه إلى حجّة الإسلام محمّد الغزّالي.
أمّا مظاهر وأمارات الكذب والوضع في هذا الكتاب فمنها :
أوّلاً : الكتاب عبارة عن مراسلات خطّيّة بين شيخ الأزهر سليم البشري وبين هذا الرافضي، ومع ذلك جاء نشر الكتاب من جهة الرافضي وحده ، ولم يصدر عن البشري أيّ شيء يثبت ذلك.
وثانياً : أنّ هذا الكتاب لم ينشره واضعه إلاّ بعد عشرين سنة من وفاة البشري ،فالبشري توفّي سنة 1335 ، وأوّل طبعة لكتاب « المراجعات » هي سنة 1355 في صيدا.
وثالثاً : أنّ أسلوب هذه الرسائل واحد هو أسلوب الرافضي ، ولا تحمل رسالة واحدة أسلوب البشري.
ورابعاً : أمّا نصوص الكتاب فتحمل في طيّاتها الكثير والكثير من أمارات الوضعوالكذب.
والحقيقة المفجعة : أنّ هذا الافتراء يطبع عشرات المرّات باسم التقريب ، ولا أحد من أهل السنّة ينتبه بهذا الأمر الخطير »(8) .

أقول :
أوّلاً : إنّ كتاب « سرّ العالمين وكشف ما في الدارين » لأبي حامد محمّد الغزّالي ، صاحب إحياء العلوم. وقد نسبه ـ فيمن نسبه ـ إليه كبير الحفّاظ والمؤرّخين المعتمدين من أهل السنّة ، ألا وهو شمس الدين الذهبي ـ المتوفّى سنة 748 ـ في كتابه المعروف « ميزان الاعتدال » واعتمد عليه ونقل منه ، فلاحظ الكتاب المذكور(9) .
وعلى هذا الأساس نسبته الشيعة إليه ، فلماذا الافتراء ؟! ولماذا الانكار من هؤلاء الطلبة الأصاغر المتأخّرين لما يقرّ به أكابر أئمّتهم المعتمدين ؟!
وثانياً : إنّ هذا الذي يعترف به ـ متفجّعاً ـ من أقوى أدلّة صحّة المراجعات ، واعتبار ما تحتويه من استدلالات ، وإلاّ فعلماء قومه مقصّرون أمام الله والرسول ومشايخ الصحابة المقتدى بهم في مذهبهم ! رغم طبعها عشرات المرّات كما ذكره ، ورغم أنّها تدعو إلى المناظرة بصدر رحب... كما ذكر السيّد رحمه الله .
وثالثاً : ما ذكره بعنوان « وبعبارة أدقّ... » يكذبّه قول زميله القائل : « قد أثّر في بسطاء المسلمين وعامّتهم » وقول الآخر : « يسعى جادّاً للدخول إلى كلّ بيت... » على حدّ تعبيرهما.
ورابعاً : المراجعات ليست موضوعةً ، كما مرّ وسيأتي.
وخامساً : إن الأمارات التي ذكرها ، تعود الثلاثة الأولى منها إلى مطلب واحد سنجيب عنه في الجواب عن السؤال عن الكوارث التي منعت طبع الكتاب وضيّعت نسخته. والرابعة يظهر بطلانها من خلال ما سنوضّحه حول نصوص الكتاب.

(1) المراجعات طبعت عام 1355 ، فقد مرّ على ظهورها حتّى تاريخ ما كتبه هذا الرجل ـ وهو سنة 1406 ـ قرابة الخمسين عاماً.
(2) أضواء على السُنّة المحمّدية : 405 . منشورات مؤسسة الأعلمي ، الطبعة الخامسة .
(3) معجم المؤلّفين 5 : 87 .
(4) بل إنّ أبناء « البيوت » يقبلون عليه ويسعون وراء الحصول عليه وجلبه إلى البيوت. ولا يخفى ما تدلّ عليه كلمة أبناء « البيوت » من معنى ، منطوقاً ومفهوماً !
(5) يعني : حديث الثقلين.. وقد بيّنّا في ردّه صحّة قول السيّد وغيره بتواتره ، فراجع كتابنا : « حديث الثقلين : تواتره.. فقهه » كما سنبين ذلك هنا باختصار حين يأتي التعرّض له إن شاء الله ، وقد بلغني وقوف الدكتور على الكتاب المذكور ، ولكن لم يصلني حتّى الآن أيّ اعتراض عليه ، لا منه ولا من غيره.
(6) حديث الثقلين وفقهه ـ للدكتور علي أحمد السالوس ـ : 28 .
(7) إسم ضخم ! ولكنّه في 180 صفحة من القطع الصغير ! وقد جعل عليه عنوان « هل كان شيخ الأزهر البشري شيعيّا ؟ » ليوهم أنّه سيحقّق عن هذا الموضوع ، ولكن عندما تراجعه لا تجد إلاّ الاستبعاد ! إلاّ أنّ تشيّع شيخ الأزهر دليل على تحقيقه وإنصافه ، وهكذا يكون حال كلّ مسلم إن حقّق وأنصف ! كما دعا إلى ذلك السيّد شرف الدين في كلّ ما حقّق وصنّف ! بخلاف حضرة الدكتور وأمثاله ، المدافعين عن بني أميّة اقتداءً بابن تيميّة ! ولسان حالهم ( إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وإنّا على آثارهم مقتدون )والذي يؤكّد ما ذكرنا في خصوص الدكتور السالوس أنّه يحاول إيجاد ضجّة على الشيعة وأهل السنّة المحقّقين المنصفين ـ من علماء الأزهر وغيرهم ـ الدعاة إلى التقريب بين المسلمين ، وذلك بإصدار كراريس ، أحدها في آية التطهير ، والآخر في حديث الثقلين ، وثالث في عقيدة الإمامة عند الشيعة... والحال أنّ كلاّ منها فصل من فصول كتابه الكبير الذي أسماه بـ : « أثر الإمامة في الفقه الجعفري وأصوله » فلاحظ وتأّمل !
(8) مسألة التقريب بين أهل السنّة والشيعة 2 : 213 ـ 217 للدكتور ناصر بن عبد الله القفاري ، وهو رسالة لنيل درجة الماجستير ، أجيزت بتقدير ممتاز ! نشر : دار طيبة في الرياض سنة 1413 هـ في جزءين كبيرين.
(9) ميزان الاعتدال ، ترجمة الحسن بن الصباح 1 : 500 .
وممّن نسب الكتاب إلى الغزّالي : الحافظ الواعظ سبط ابن الجوزي الحنفي ـ المتوفّى سنة 581 ـ صاحب التاريخ الشهير « مرآة الزمان » وغيره من المصنّفات ، وله : « تذكرة خواصّ الأمّة » الذي أورد فيه بعض ما يتعلّق بأئمّة أهل البيت عليهم السلام ، بأسانيده إلى النبيّ عليه وآله الصلاة والسلام ، ولأجله رموه بالترفّض مع الثناء عليه ووصفه بالحفظ والفقه كما لا يخفى على من لاحظ ترجمته في « الجواهر المضيّة في طبقات الحنفية » و« الفوائد البهيّة في طبقات الحنفيّة » وغيرهما.

تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات (1) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=14&mid=121&pgid=1677