لا إجماع على بيعة أبي بكر

لا إجماع على بيعة أبي بكر:
نقول:
إن المراد من قوله صلّى اللّه عليه وآله: «لا تجتمع أُمتي على الخطأ» و«لا تجتمع على الضلال» إنما هو نفي الخطأ والضلال عن الأمر الذي اشتورت فيه الأُمّة فقررته باختيارها واتفاق آرائها، وهذا هو المُتبادر من السنن لا غير، أمّا الأمر الذي يراه نفر من الأُمة فينهضون به، ثم يتسنّى لهم إكراه أهل الحلّ والعقد عليه، فلا دليل على صوابه.
وبيعة السقيفة لم تكن عن مشورة، وإنما قام بها الخليفة الثاني وأبو عبيدة، ونفر معهما، ثم فاجأوا بها أهل الحلّ والعقد، وساعدتهم تلك الظروف على ما أرادوا، وأبو بكر يصرح بأن بيعته لم تكن عن مشورة ولا عن رويّة، وذلك حيث خطب الناس في أوائل خلافته معتذراً إليهم، فقال: إن بيعتي كانت فلتة، وقى اللّه شرّها، وخشيت الفتنة… الخطبة(1) وعمر يشهد بذلك على رؤوس الأشهاد، في خطبة خطبها على المنبر النبوي يوم الجمعة في أواخر خلافته، وقد طارت كلّ مطير، وأخرجها البخاري في صحيحه(2)، وإليك محلّ الشّاهد منها بعين لفظه، قال:
ثم إنه بلغني أن قائلاً(3) منكم يقول: واللّه لو مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترنّ امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكنّ اللّه وقى شرّها (إلى أن قال): من بايع رجلاً من غير مشورة فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا(4) (قال): «وإنه قد كان من خبرنا حين توفّى اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنّا علي والزبير ومن معهما» ثم استرسل في الإشارة إلى ما وقع في السقيفة من التنازع والاختلاف في الرأي، وارتفاع أصواتهم بما يوجب الفرق على الإسلام، وإن عمر بايع أبا بكر في تلك الحال.
ومن المعلوم بحكم الضرورة من أخبارهم أن أهل بيت النبوّة وموضع الرسالة لم يحضر البيعة أحد منهم قط، وقد تخلّفوا عنها في بيت علي، ومعهم سلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعمّار، والزبير، وخزيمة بن ثابت، وأبيّ بن كعب، وفروة بن عمرو بن ودقة الأنصاري، والبراء بن عازب، وخالد بن سعيد بن العاص الأموي، وغير واحد من أمثالهم، فكيف يتمّ الإجماع مع تخلّف هؤلاء كلّهم، وفيهم آل محمّد كافّة، وهم من الأمة بمنزلة الرأس من الجسد، والعينين من الوجه، ثقل رسول اللّه وعيبته، وأعدال كتاب اللّه وسفرته، وسفن نجاة الأمة وباب حطّتها، وأمانها من الضلال في الدين، وأعلام هدايتها. كما أثبتناه فيما أسلفناه(5)، على أن شأنهم غني عن البرهان، بعد أن كان شاهده الوجدان.
وقد أثبت البخاري ومسلم في صحيحهما(6)، وغير واحد من أثبات السنن والأخبار، تخلّف علي عن البيعة، وأنه لم يصالح حتى لحقت سيدة النساء بأبيها صلّى اللّه عليه وآله، وذلك بعد البيعة بستة أشهر، حيث اضطرّته المصلحة الإسلاميّة العامّة في تلك الظروف الحرجة إلى الصلح والمسالمة، والحديث في هذا مسند إلى عائشة، وقد صرّحت فيه: إن الزهراء هجرت أبا بكر، فلم تكلّمه بعد رسول اللّه. حتى ماتت، وإن عليّاً لمّا صالحهم، نسب إليهم الاستبداد بنصيبه من الخلافة، وليس في ذلك الحديث تصريح بمبايعته إيّاهم حين الصلح، وما أبلغ حجّته إذ قال مخاطباً لأبي بكر:
فإن كنت بالقربى حججت خصيمهم *** فغيرك أولى بالنبيّ وأقرب
وإن كنت بالشورى ملكت امورهم *** فكيف بهذا والمشيرون غيّب(7)
واحتجّ العباس بن عبدالمطلب بمثل هذا على أبي بكر، إذ قال له في كلام دار بينهما(8): فإن كنت برسول اللّهِ طلبت، فحقنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم متقدّمون فيهم، وإن كان هذا الأمر إنّما يجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنا كارهين. انتهى.
فأين الإجماع بعد هذا التصريح من عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وصنو أبيه، ومن ابن عمّه ووليّه وأخيه؟ ومن سائر أهل بيته وذويه؟

(1) أخرجها أبو بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري، في كتاب السقيفة، ونقلها ابن أبي الحديد ص 50 ج 2 من شرح النهج.
(2) راجع من الصحيح باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت ـ وهو في كتاب الحدود والمحاربين من أهل الكفر والردّة ـ تجد الخطبة مع مقدماتها ص 343 ج 4. وأخرجها غير واحد من أصحاب السنن والأخبار، كابن جرير الطبري في حوادث سنة 11 من تاريخه، ونقلها ابن أبي الحديد ص 23 ج 2 من شرح النهج.
(3) القائل هو الزبير ونصّ مقالته: واللّه لو مات عمر لبايعت علياً، فإن بيعة أبي بكر إنما كانت فلتة وتمت، فغضب عمر غضباً شديداً وخطب هذه الخطبة، صرّح بهذا كثير من شراح البخاري، فراجع تفسير هذا الحديث من شرح القسطلاني ص 19 ج 10، تجده ينقل ذلك عن البلاذري في الأنساب مصرّحاً بصحة سنده على شرط الشيخين.
(4) قال ابن الأثير في تفسير هذا الحديث من نهايته (3 : 356)، تغرة، مصدر غررته إذا ألقيته في الغرر، وهي من التغرير كالتعلة من التعليل، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره خوف تغرة أن يقتلا أي خوف وقوعهما في القتل، فحذف المضاف الذي هو الخوف وأقام المضاف إليه الذي هو تغرة مقامه، وانتصب على أنه مفعول له، ويجوز أن يكون قوله أن يقتلا بدلاً من تغرة، ويكون المضاف محذوفاً كالأوّل، ومن أضاف تغرّة إلى أن يقتلا فمعناه خوف في تغرّته قتلهما (قال) ومعنى الحديث: إن البيعة حقها أن تقع صادرة عن المشورة والإتفاق، فإذا استبد رجلان دون الجماعة فبايع أحدهما الآخر، فذلك تظاهر منهما بشق العصا وإطراح الجماعة، فإن عقد لأحد بيعة فلا يكون المعقود له واحداً منهما وليكونا معزولين من الطائفة التي تتفق على تمييز الإمام منها، لأنه إن عقد لواحد منهما وقد ارتكبا تلك الفعلة الشنيعة التي احفظت الجماعة من التهاون بهم والإستغناء عن رأيهم، لم يؤمن أن يقتلا. انتهى. قلت: كان من مقتضيات العدل الذي وصف به عمر، أن يحكم بهذا الحكم على نفسه وعلى صاحبه كما حكم به على الغير، وكان قد سبق منه ـ قبل قيامه بهذه الخطبة ـ أن قال: إن بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، واشتهرت هذه الكلمة عنه أي اشتهار، ونقلها عنه حفظة الأخبار، كالعلاّمة ابن أبي الحديد في ص 26 ج 2 من شرح النهج.
(5) قف على المراجعة 6 وما بعدها إلى منتهى المراجعة 12 تعرف شأن أهل البيت عليهم السلام.
(6) راجع من صحيح البخاري، أواخر باب غزوة خيبر ص 91 ج 3، وراجع من صحيح مسلم باب قول النبي: لا نورّث ما تركناه فهو صدقة، من كتاب الجهاد والسير ص 285 ج 3 تجد الأمر كما ذكرناه مفصلاً.
(7) هذان البيتان موجودان في نهج البلاغة، وقد ذكر ابن أبي الحديد في تفسيرهما من شرح النهج ص 416 ج 18: إن حديثه فيهما موجّه لأبي بكر، لأن أبا بكر حاجّ الأنصار في السقيفة، فقال: نحن عترة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وبيضته التي تفقأت عنه، فلما بويع، احتج إلى الناس بالبيعة، وأنها صدرت عن أهل الحلّ والعقد، فقال علي عليه السلام: أما احتجاجك على الأنصار بأنك من بيضة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن قومه، فغيرك أقرب نسباً منك إليه، وأما احتجاجك بالإختيار ورضا الجماعة بك، فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد، فكيف يثبت. انتهى. وللشيخ محمّد عبده تعليقتان على هذين البيتين تتضمنان ما قاله ابن أبي الحديد في تفسيرهما.
(8) ذكره ابن قتيبة ص 33 من كتاب الإمامة والسياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *