آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله)
البحث
الصفحة الرئيسية آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله)المؤلفات آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله)الكتب العقائدية آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله) تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات (1)

حجم الخط الفهرس سحب الصفحة على الورق
صفحات أخرى من الفصل:
الفصل الثاني
1 ـ ترجمة يزيد بن أبي زياد :
وهو : القرشي الهاشمي الكوفي ، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل.
هو من رجال الكتب الستّة ، قال المزّي : « قال البخاري في اللباس من صحيحه عقيب حديث عاصم بن كليب عن أبي بردة : قلنا لعليّ : ما القسيّة ؟ وقال جرير عن يزيد في حديثه : القسيّة ثياب مضلّعة... الحديث.
وروى له في كتاب رفع اليدين في الصلاة. وفي الأدب. وروى له مسلم مقروناً بغيره ، واحتجّ به الباقون »(1) .
وروى عنه جماعة كبيرة من أعلام الأئمّة كسفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، وشريك بن عبدالله ، وشعبة بن الحجّاج ، وعبدالله بن نمير ، وأمثالهم(2) .
قال الذهبي : حدّث عنه شعبة مع براعته في نقد الرجال(3) .

أقول :
يكفي في جواز الاعتماد عليه وصحّة الاحتجاج به رواية أصحاب الكتب الستّة وكبار الأئمّة عنه.
مضافاً إلى قول مسلم في مقدّمة كتابه : « فإنّ اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم وأضرابهم »(4) .
وقد وثّقه عدّة من الأئمّة أيضاً :
قال ابن سعد : كان ثقةً في نفسه إلاّ أنّه اختلط في آخر عمره فجاء بالعجائب.
وقال ابن شاهين ـ في الثقات ـ : قال أحمد بن صالح المصري : يزيد ابن أبي زياد ثقة ولا يعجبني قول من تكلّم فيه.
وقال ابن حبّان : كان صدوقاً إلاّ أنّه لمّا كبر ساء حفظه وتغيّر ، وكان يلقّن ما لقّن فوقعت المناكير في حديثه.
وقال الآجري عن أبي داود : لا أعلم أحداً ترك حديثه ، وغيره أحبّ إلىّ منه.
وقال يعقوب بن سفيان : ويزيد وإن كانوا يتكّلمون فيه لتغيّره فهو على العدالة الثقة وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور(5) .
ثمّ إنّا نظرنا في كلمات القادحين ـ بالرغم من كون الرجل من رجال الكتب الستّة ، إذ احتجّ به الأربعة وروى له الشيخان ـ فوجدنا أوّل شيء يقولونه :
كان من أئمّة الشيعة الكبار(6) .
فسألنا : ما المراد من « الشيعة » ؟ ومن أين عرف كونه « من أئمّة الشيعة الكبار » ؟
فجاء الجواب : تدلّ على ذلك أحاديث رواها ، موضوعة(7) .
فنظرنا فإذا به يروي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص ، عن أبي برزة ، قال : « تغنّى معاوية وعمرو بن العاص ، فقال النبيّ صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم : اللّهمّ اركسهما في الفتنة ركساً ، ودعّهما في النار دعّاً »(8) .
فهذا الحديث موضوع(9) أو غريب منكر(10) لأنّه ذمّ لمعاوية رأس الفئة الباغية وعمرو بن العاص رأس النفاق !! فيكون راويه « من أئمّة الشيعة الكبار » !!
لكن يبدو أنّهم ما اكتفوا ـ في مقام الدفاع عن معاوية وعمرو ـ برمي الحديث بالوضع وراويه بالتشيّع ، فالتجأوا إلى تحريف لفظ الحديث ، ووضع كلمة « فلان وفلان » في موضع الاسمين ، ففي المسند :
« حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي ، ثنا عبد الله بن محمّد ـ وسمعته أنا من عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة ـ ، ثنا محمّد بن فضيل ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص ، قال : اخبرني ربّ هذه الدار أبو هلال ، قال : سمعت أبا برزة ، قال : كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم في سفر ، فسمع رجلين يتغنّيان وأحدهما يجيب الآخر وهو يقول :
لا يزال جوادي تلوح عظامه *** ذوى الحرب عنه أن يجنّ فيقبرافقال النبيّ صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم : انظروا من هما ؟ قال : فقالوا : فلان وفلان !!
قال : فقال النبيّ صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم : اللّهمّ اركسهما ركساً ، ودعّهما إلى النار دعّاً ».
وكأنّ هذا المقدار لم يشف غليل القوم ، أو كان هذا التحريف لأجل الإبهام ، فيكون مقدّمةً ليأتي آخر فيزيله ويضع « معاوية » و« عمراً » آخرين !! بخبر مختلق :
قال السيوطي ـ بعد أن أورد الحديث عن أبي يعلى وتعقّب ابن الجوزي بقوله : هذا لا يقتضي الوضع ، والحديث أخرجه أحمد في مسنده : حدّثنا... وله شاهد من حديث ابن عبّاس : قال الطبراني في الكبير... ـ : « وقال ابن قانع في معجمه : حدّثنا محمّد بن عبدوس كامل ، حدّثنا عبد الله بن عمر ، حدّثنا سعيد أبو العبّاس التيمي ، حدّثنا سيف بن عمر ، حدّثني أبو عمر مولى إبراهيم بن طلحة ، عن زيد بن أسلم ، عن صالح ، عن شقران ، قال : بينما نحن ليلةً في سفر ، إذا سمع النبيّ صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم صوتاً فقال : ما هذا ؟! فذهبت أنظر ، فإذا هو معاوية بن رافع ، وعمرو بن رفاعة بن التابوت يقول :
لا يزال جوادي تلوح عظامه *** ذوى الحرب عنه أن يموت فيقبرافأتيت النبيّ صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم فأخبرته فقال : اللّهمّ اركسهما ودعّهما إلى نار جهنم دعّاً. فمات عمرو بن رفاعة قبل أن يقدم النبيّ صلّى الله عليه ] وآله [ وسلّم من السفر ».
قال السيوطي : « وهذه الرواية أزالت الإشكال وبيّنت أن الوهم وقع في الحديث الأوّل، في لفظة واحدة وهي قوله : ابن العاصي ، وإنّما هو ابن رفاعة أحد المنافقين ، وكذلك معاوية بن رافع أحد المنافقين ، والله أعلم »(11) .
بل السيوطي نفسه أيضاً يعلم واقع الحال وحقيقة الأمر ، وإلاّ فما أجهله !!
أمّا أوّلا : فلم يكن في الحديث الأوّل إشكال أو وهم حتّى يزال !! غاية ما هناك أنّ في « المسند » لفظ « فلانوفلان » بدل « معاوية وعمرو » والسيوطي يعلم ـ كغيره ـ أنّه تحريف ، إن لم يكن عن عمد فعن سهو !! على أنّه لم يوافق ابن الجوزي في الطعن في الحديث ، بل ذكر له ما يشهد له بالصحّة.
وأمّا ثانياً : فلو سلّمنا وجود إبهام وإشكال في الحديث الأوّل ، فهل يزال ويرتفع بحديث لا يرتضي أحد سنده مطلقاً ، لمكان « سيف بن عمر » ... ولنلق نظرةً سريعة في ترجمته .
قال ابن معين : ضعيف الحديث.
وقال أبو حاتم : متروك الحديث.
وقال أبو داود : ليس بشي.
وقال النسائي : ضعيف.
وقال الدارقطني : ضعيف.
وقال ابن عديّ : بعض أحاديثه مشهورة وعامّتها منكرة لم يتابع عليها.
وقال ابن حبّان : يروي الموضوعات عن الأثبات. قالوا : كان يضع الحديث ، اتّهم بالزندقة.
وقال البرقاني عن الدارقطني : متروك.
وقال الحاكم : اتّهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط(12).
والعجيب أنّ السيوطي نفسه يردّ أحاديثه قائلا : « إنّه وضّاع »(13) !

أقول :
فلينظر الباحث المنصف كيف يردّون حديثاً ـ يروونه عن رجل اعتمد عليه أرباب الصحاح الستّة ـ لكونه في ذمّ ابن هند وابن النابغة ، وهم شيعة لهما... ويقابلونه بحديث يرويه رجل اتّفقوا على سقوطه واتّهموه بالوضع والزندقة !!
فلينظر ! كيف يتلاعبون بالدين وسنّة رسول ربّ العالمين !!
ولا يتوهّمنّ أنّ هذه طريقتهم في أبواب المناقب والمثالب فحسب ، بل هي في الأصولين والفقه أيضاً !!
فلنرجع إلى ما كنّا بصدده ، ونقول :
إن « يزيد بن أبي زياد » ثقة ، ومن رجال الكتب الستّة ، ولا عيب فيه إلاّ روايته بعض مثالب أئمّة القوم !! ولذا جعلوه « من أئمّة الشيعة الكبار » !!
على أنّ كون الراوي شيعياً ، بل رافضيّاً ـ حسب اصطلاحهم ـ لا يضرّ بوثاقته كما قرّروا في محلّه وبنوا عليه في مواضع كثيرة(14) .
وتلخص : صحّة روايته في نزول آية المودّة في خصوص « أهل البيت » الطاهرين ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

(1) تهذيب الكمال في أسماء الرجال 32 : 140 .
(2) تهذيب الكمال 32 : 137 ، سير أعلام النبلاء 6 : 129 ، تهذيب التهذيب 11 : 287 رقم 531 .
(3) سير أعلام النبلاء 6 : 130 .
(4) صحيح مسلم 1 : 7 .
(5) هذه الكلمات بترجمته من تهذيب التهذيب 11 : 288 ـ 289 ، وغيره.
(6) الكامل ـ لابن عديّ ـ 9 : 164 ، تهذيب الكمال 32 : 138 ، تهذيب التهذيب 11 : 288 .
(7) تهذيب الكمال 32 : 138 . الهامش .
(8) أخرجه أحمد في المسند 5 : 580/19281 ، والطبراني والبزّار كما في مجمع الزوائد 8 : 121.
(9) الموضوعات لابن الجوزي ، لكن لا يخفى أنّه لم يطعن في الحديث إلاّ من جهة « يزيد» ولم يقل فيه إلاّ « كان يلقّن بأخرة فيتلقّن » ، ولذا تعقّبه السيوطي بما سنذكره.
(10) ميزان الاعتدال في نقد الرجال 4 : 424 .
(11) اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1 : 427 .
(12) تهذيب التهذيب 4 : 259 .
(13) اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1 : 199 .
(14) مقدّمة فتح الباري شرح صحيح البخاري : 398 .

Flag Counter counter widget
دهکده وب - قرية الويب - w3village.com