آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله)
البحث
الصفحة الرئيسية آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله)المؤلفات آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله)الكتب العقائدية آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله) تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات (1)

حجم الخط الفهرس سحب الصفحة على الورق
صفحات أخرى من الفصل:
المبحث الأوّل: في إمام المذهب
المراجعة (6)

* قال السيّد :
1 ـ ولذا قرنهم بمحكم الكتاب وجعلهم قدوةً...

أقول :
هذا إشارة إلى عدّة من الأحاديث النبويّة الآمرة باتّباع العترة والتمسّك بهم والأخذ عنهم ، والناهية عن تعليمهم والتقدّم عليهم والتخلّف عنهم... وسيتعرّض لها بالتفصيل.

قال رحمه الله :
2 ـ وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام : « فأين تذهبون ! وأنّى تؤفكون ! ... ».
وقال عليه السلام : « انظروا أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم... ».
وقال عليه السلام : « عترته خير العتر... ».
وقال عليه السلام : « نحن الشعار والأصحاب... ».
وقال عليه السلام : « واعلموا أنّكم لن تعرفوا الرشد... ».
وقال عليه السلام : « بنا اهتديتم في الظلماء... ».

أقول :
هذه نصوص روايات واردة عن أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السلام في كتاب « نهج البلاغة » فهنا مطالب :
1 ـ إنّ هذه الأوصاف التي نقلها السيّد عن نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام لا يشكّ مسلم في كونها حقّاً وحقيقة واقعة ، سواء كانت أسانيد هذه الكلمات معتبرةً أو لا ، وسواء كانت في « نهج البلاغة » أو غيره من الكتب ، وسواء كان « نهج البلاغة » للشريف الرضي أو لأخيه أو غيرهما... وبالجملة ، فإنّ متونها تشهد بصدقها !
فهل تشكّون ـ أيّها المسلمون ـ في أنّ أهل بيت النبوّة « لن يخرجوكم من هدى ولن يعيدوكم في ردى » ؟! وأنّهم يصلحون لأن يكونوا قدوةً لكم « فإن لبدوا فالبدوا ، وإن نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتضلّوا ، ولا تتأخّروا عنهم فتهلكوا » ؟!
وهل يشكّ عاقل فاهم في جلالة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وأنّ « عترته خير العتر ، وأسرته خير الأسر ، وشجرته خير الشجر... » ؟! فإن لم يكونوا كذلك ، فأيّ عترة خير العتر ؟! وأيّ اُسرة خير الأسر ؟! وأيّ شجرة خير الشجر ؟! آل فلان ؟! أم فلان ؟! أم بنو أميّة ؟!
أليس أهل بيته « شجرة النبوّة ، ومحطّ الرسالة ، ومختلف الملائكة... » ؟!
ومن ينكر قوله « ناظرنا ومحبّنا ينتظر الرحمة ، وعدوّنا ومبغضنا ينتظر السطوة » إلاّ العدوّ والمبغض ؟!
ومن المخالف في أنّ المخالفين لأهل البيت « آثروا عاجلاً وأخّروا آجلاً... » ؟!
وتلخّص : أنّ هذه حقائق ثابتة ، لا شكّ فيها كي تحتاج إلى سند أو برهان...
2 ـ على أنّ السيّد ـ رحمه الله ـ إنّما استدلّ بما جاء في « نهج البلاغة » باعتبار أنّ هذا الكتاب من الكتب المتّفق عليها ، لأنّ الكثيرين من العلماء المحقّقين من غير الشيّعة الإماميّة تلقّوه بالقبول ، وتناولوه بالشرح والتفسير والتعليق.
وعلى الجملة ، فإنّ أحداً لم يشكّ في أنّ ما في « نهج البلاغة » من كلام الإمام عليّ عليه السلام.
نعم ، قال بعضهم : « أكثره » من كلامه... لوجود ( الخطبة الشقشقية ) فيه ، كماسنشير.
ولولا صحّة إسناد الكتاب إلى الإمام عليّ عليه السلام لما تكلّم بعضهم في جامعه ، كابن خلّكان حين شكّك في أنّه الرضي أو المرتضى ، وكالذهبي حين اختلف كلامه... كما سيأتي.
ولولا صحّة إسناده لما شكّك آخرون استناداً إلى شبهات واهية كاشتمال الكتاب على « دقّة الوصف » و« التنميق اللفظي » ونحو ذلك... ممّا ستأتي الإشارة إليه.
ومن هنا :

قيل :
« والعجب كلّ العجب من الشيخ محمّد محيي الدين عبد الحميد ، فإنّه لمّا ساق حجج المتشكّكين في نسبة نهج البلاغة إلى علىّ ـ رضي الله عنه ـ لم يتعرّض لقضيّة السند أبداً ، مع أنّه كان ينبغي أن يتعرّض لهذه القضيّة أوّلا فإذا صحّ السند نظرنا في المتن ».

أقول :
كأنّ هذا القائل لم ير بعينه كلمة هذا الشيخ الصريحة في أنّ أحداً لم يشكّ في أنّ أكثر ما تضمّنه نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام... وستأتي عبارته ، مع التنبيه على السبب في تعبيره بـ « الأكثر ».
وعلى كلّ حال ، فإنّ ذكر هذا الشيخ وغيره الأوهام المشكّكة في « نهج البلاغة » من تلك الجهات ، هو من خير الأدلّة على ثبوت الكتاب وصحّة نسبته ، لأنّهم يعلمون أنّ التطرّق إلى هذه الأمور إنّما يكون بعد الفراغ من البحث السندي.
3 ـ وإنّ ما حواه كتاب « نهج البلاغة » قد ثبت وتحقّق وجوده في كتب العلماءالمتقدّمين على مؤلّفه ، من شيعة وسنّة(1) .
4 ـ نعم ، يصعب عليهم قبول ( الخطبة الشقشقيّة ).. والظنّ الغالب أنّه لولا وجودها في نهج البلاغة لما شكّك المتشكّكون منهم في نسبة شيء من الخطب والكتب والكلمات المرويّة فيه إلى أمير المؤمنين عليه السلام.

قيل :
« ومن قرأ خطبته المعروفة بالشقشقيّة جزم أنّه لا يمكن لمن هو في مثل مقام عليّ ـ رضي الله عنه ـ أن يقول ذلك ، فإنّ هذا ممّا يتعارض مع ما صحّ عنه من أكثر من طريق من تفضيل أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ والثناء عليهما. وهذه الخطبة المنسوبة زوراً وبهتاناً إليه ـ رضي الله عنه ـ تنطوي على أسوأ الإزراء بكبار الصحابة الكرام : أبي بكر وعمر وعثمان ، وباقي العشرة ، بل فيها سبّ صراح ، واتّهام بخيانة الأمّة ، وسخريّة لا تصدر إلاّ عن أمثال الرافضة الّذين يجلّ علىّ ويسمو عن مثل ما يقولون .
ففي الصحيحين : عن ابن عبّاس ، قال : وضع عمر على سريره ، فتكنّفه الناس يدعون ويثنون ويصلّون عليه قبل أن يرفع ، وأنا فيهم ، فلم يرعني إلاّ رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي ، فالتفت فإذا هو عليّ ، وترحّم على عمر ، وقال : ما خلَّفتَ أحداً أحبّ إليَّ أن ألقى الله عزّ وجلّ بمثل عمله منك ، وأيم الله إن كنت لأظنّ أن يجعلك الله مع صاحبيك ، وذاك أنّي كنت كثيراً أسمع النبيّ صلّى الله عليه ]وآله[ وسلّم يقول : جئت أنا وأبو بكر وعمر.. ودخلت أنا وأبو بكر وعمر.. وخرجت أنا وأبو بكر وعمر.. فإن كنت لأرجو أو أظنّ أن يجعلك الله معهما.
البخاري 2 : 527 / 3685 ، ومسلم 4 : 198 / 2389 ».

أقول :
ولعلّ وجود هذه الخطبة في « نهج البلاغة » هو السبب في قول بعضهم بأنّ أكثره من كلام الإمام عليه السلام ، فهم من جهة لا يتمكّنون من إنكار أصل الكتاب ، ومن جهة أخرى لا يتمكّنون من تصديق الخطبة الشقشقيّة ، لأنّها ـ في الحقيقة ـ تهدم أساس المذهب الذي هم عليه :
يقول الشيخ محمّد محيي الدين عبد الحميد : « وليس من شكّ عند أحد من أدباء هذاالعصر ، ولا عند أحد ممّن تقدّمهم ، في أنّ أكثر ما تضمّنه نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام. نعم ليس من شك عند أحد في ذلك... »(2) .
لكنّ الدليل على كونها من كلامه هو التعرّض لها أو ذكرها في كلمات العلماء السابقين على الشريف الرضي والمتأخّرين عنه ، من إماميّة ومعتزلة وسنّة ، وإن شئت التفصيل فراجع(3) .
وأمّا أنّها تتناقض وما رواه القوم عن الإمام عليه السلام في الثناء على الشيخين وغيرهما ، فالجواب عن ذلك :
أوّلا : إنّ الخطبة مرويّة عند الشيعة وغيرهم ، فهي متّفق عليها ، وما رووه عن أميرالمؤمنين عليه السلام من الثناء عليهم متفرّدون بروايته ، ولا تعارض بين المتفرّد به والمتّفق عليه.
وثانياً : إنّ شرط التعارض هو الحجّية في طرفي التعارض كليهما ، وحجّية الخطبة ثابتة دون أخبارهم المشار إليها ، كما لا يخفى على من نظر في أسانيدها.
وثالثاً : إنّ عمدة أخبارهم في ثناء الإمام عليه السلام على القوم هو الخبر الذي أورده عن كتابي البخاري ومسلم المعروفين بالصحيحين. لكنّك إذا لاحظت سنده ـ بغضّ النظر عن البخاري ومسلم ، المجروحَين لدى كبار أئمّة القوم من السابقين واللاحقين ـ رأيته ينتهي في جميع طرقه إلى « ابن أبي مليكة » :
وهو رجل لا يجوز الاعتماد على روايته مطلقاً ، لا سيّما في مثل هذه الأمور ! لأنّه تيمىّ من عشيرة أبي بكر ، ولأنّه كان من مناوئي أمير المؤمنين عليه السلام ، ولأنّه كان قاضي عبد الله بن الزبير في مكّة ! ولأنّه كان مؤذّن عبد الله بن الزبير !
وله قوادح غير ماذكر ، فراجع ترجمته(4) .
على أنّا نكذّب كلّ خبر جاء فيه أسماء الخلفاء الأربعة على ترتيب الخلافة ، وقد حقّقت ذلك في رسالة مفردة(5) .

(1) يراجع بهذا الصدد كتاب : « مصادر نهج البلاغة » .
(2) لاحظ مقدّمة شرحه على « نهج البلاغة » .
(3) مصادر نهج البلاغة أسانيده .
(4) تهذيب التهذيب 5 : 268 .
(5) الرسائل العشر ، الرسالة التاسعة .

Flag Counter counter widget
دهکده وب - قرية الويب - w3village.com