آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله)
البحث
الصفحة الرئيسية آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله)المؤلفات آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله)الكتب العقائدية آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله) تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات (1)

حجم الخط الفهرس سحب الصفحة على الورق
صفحات أخرى من الفصل:
مقدّمة المراجعات والكلام حولها
مقدّمات قبل الورود في تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات


وكتاب المراجعات يحتوي على مبحثين :
الأوّل : في إمامة المذهب.
والثاني : في الإمامة ، وهي الخلافة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ويشتمل كلّ منهما على مراجعات...
ولا بدّ قبل الورود فيها من مقدّمات :
* إنّ « التشيّع » مذهب كسائر المذاهب ، له أصوله وقواعده في الأصول والفروع ، والشيعة الإماميّة الاثنا عشرية غير محتاجة ـ في إثبات حقّيّة ما تذهب إليه ـ إلى روايات الآخرين وأخبارهم ، ولا إلى ما قاله علماء الفرق الأخرى في كتبهم وأسفارهم..
فلا يتوهّمنّ أحد أنّهم ـ لاستدلالهم بشيء خارج عن نطاق أدلتهم وحججهم ـ يفقدون في ذلك المورد المستدلّ عليه ، الدليل المتقن على رأيهم ، فيلجأون إلى قول من غيرهم ، أو إلى خبر من غير طرقهم...
إلاّ أنّهم لمّا كانوا واقعيّين في بحوثهم ، منصفين في مناظراتهم مع أتباع كلّ فرقة من الفرق ، يستندون إلى ما جاء في كتب تلك الفرقة وعلى لسان علمائها المعتمدين فيها ، وهذا ما تفرضه طبيعة المناظرة ، وتقتضيه آدابها وقواعدها المقرّرة.
فاستدلال الشيعة بخبر من كتاب .. أو استشهادهم بكلام عالم ... لفرقة من الفرق.. لا يعني القبول بكلّ ما جاء في ذلك الكتاب ، أو على لسان ذاك العالم.. وإنّما هو احتجاج على الطرف الآخر بما لا مناص له من الالتزام به ، بعد الإقرار بذلك الكتاب ، وبكون ذلك العالم من علماء مذهبه...
ويكفي للاحتجاج أن يكون ذلك الخبر المستدلّ به مقبولاً لدى رواته ، وفي نظر المحدّث الذي أورده في كتابه ، ولا يشترط أن يكون معتبراً عند جميع علماء تلك الطائفة ، وذلك :
لأنّ الغرض إثبات أنّ الذي تذهب إليه الشيعة مرويّ من طرق الخصم وموجود في كتبه ، وأنّ الراوي له موثوق به عنده ولو على بعض الآراء ، فيكون الخبر متّفقاً عليه ، والمتّفق عليه بين الطرفين ـ في مقام المناظرة ـ لا ريب فيه.
ولأنّ الخبر أو الراوي المقبول المعتبر لدى كلّ علماء تلك الطائفة نادر جدّاً.
نعم ، إذا كان ضعيفاً عند أكثرهم لم يتمّ الاستدلال والاحتجاج به عليهم.
* وعلى الجملة ، فإنّه يكفي لصحّة الاستدلال بكتاب أو بخبر أو بكلام عالم .. ألاّ يكون معرضاً عنه لدى أكثر أئمّة الفرقة المقابلة ; وأمّا أن يردّ الاحتجاج ـ بما رواه الراوي الموثّق من قبل بعضهم ـ بجرح البعض.. فهذا ممّا لا يسمع ، وإلاّ يلزم سقوط أخبار حتّى مثل « البخاري » و« مسلم » في كتابيهما المعروفين بـ « الصحيحين » لوجود الطعن فيهما وفي كتابيهما ، من غير واحد من كبار الأئمّة الحفّاظ(1) .
فقد ذكر كبار الحفّاظ امتناع الإمامين الجليلين : أبي زرعة وأبي حاتم الرازيّين عن الرواية عن « محمّد بن إسماعيل البخاري » لأجل انحرافه في العقيدة في نظرهما ، وقال الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم : كان أبو زرعة ترك الرواية عن البخاري من أجل ما كان منه في المحنة.
ولأجل هذا ، فقد أورد ابن أبي حاتم الرازي البخاريّ في كتابه في « الجرح والتعديل »(2) .
ولأجل تكلّم أبي زرعة وأبي حاتم ، وما صنعه ابن أبي حاتم.. فقد أورد الحافظ الذهبيّ البخاريّ في كتابه « المغني في الضعفاء » فقال : « حجّة إمام ، ولا عبرة بترك أبي زرعة وأبي حاتم له من أجل اللفظ »(3) .
وأضاف الحافظ الذهبي بترجمة البخاري تكلّم الإمام الكبير محمّد بن يحيى الذهلي فيه ، وأنّه كان يقول : « من ذهب بعد هذا إلى محمّد بن إسماعيل البخاري فاتّهموه ، فإنّه لا يحضر مجلسه إلاّ من كان على مثل مذهبه »(4) .
بل ذكر الذهبي أنّ الإمام الذهلي أخرج البخاريَّ ومسلماً من مدينة نيسابور(5) .
وقال بترجمة الذهلي : « كان الذهلي شديد التمسّك بالسنّة ، قام على محمّد بن إسماعيل ، لكونه أشار في مسألة خلق أفعال العباد إلى أنّ تلفّظ القاري بالقرآن مخلوق... وسافر ابن إسماعيل مختفياً من نيسابور وتألّم من فعل محمّد ابن يحيى »(6) .
وقد تألّم غير واحد من أعلام القوم من موقف الذهبي من البخاري حين أورده في كتاب « الضعفاء ».
قال السُبكي : « وممّا ينبغي أن يتفقّد عند الجرح : حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح ، فربّما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك .
وإليه أشار الرافعي بقوله : وينبغي أن يكون المزكّون برآء من الشحناء والعصبيّة في المذهب ، خوفاً من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق ، وقد وقع هذا لكثير من الأئمّة ، جرحوا بناءً على معتقدهم ، وهم المخطئون والمجروح مصيب.
وقد أشار شيخ الإسلام سيّد المتأخّرين : تقي الدين ابن دقيق العيد في كتابه (الاقتراح ) إلى هذا وقال : أعراض المسلمين حفرة من حفر النار ، وقف على شفيرها طائفتان من الناس : المحدّثون والحكّام.
قلت : ومن أمثلة ما قدمنا قول بعضهم في البخاري : تركه أبو زرعة وأبو حاتم ، من أجل مسألة اللفظ.
فيا لله والمسلمين ! أيجوز لأحد أن يقول : البخاري متروك ؟! وهو حامل لواء الصناعة، ومقدّم أهل السنّة والجماعة »(7) .
فهذه عبارة السبكي ، ولم يصرّح باسم القائل بذلك وهو الذهبي ، لكنّ المنّاوي صرّح باسمه ، واتّهمه بالغضّ والغرض من أهل السنّة ، وكأنّه ليس الذهبي من أهل السنّة !! فقال بترجمة البخاري :
« زين الأمّة ، افتخار الأئمّة ، صاحب أصحّ الكتب بعد القرآن ، ساحب ذيل الفضل على مرّ الزمان ، الذي قال فيه إمام الأئمّة ابن خزيمة : ما تحت أديم السماء أعلم منه. وقال بعضهم : إنّه آية من آيات الله يمشي على وجه الأرض.
قال الذهبي : كان من أفراد العالم ، مع الدين والورع والمتانة. هذا كلامه في الكاشف.
ومع ذلك غلب عليه الغضّ من أهل السنّة فقال في ( كتاب الضعفاء والمتروكين ) : ما سلم من الكلام لأجل مسألة اللفظ ، تركه لأجلها الرازيّان.
هذه عبارته ، وأستغفر الله تعالى. نسأل الله السلامة ، ونعوذ به الخذلان »(8) .
* ونستفيد من هذه القضيّة أموراً :
1 ـ ما ذكرناه سابقاً من أنّه لو اشترط ـ في صحّة استدلالاتنا بأخبار القوم وأقوالهم ـ كون الخبر معتبراً عند جميعهم ، أو كون راويه موثّقاً عند كلّهم .. لانسدّ باب البحث ، لعدم وجود هكذا خبر أو راو فيما بينهم.
2 ـ إنّ البخاري ومسلماً مجروحان عند جماعة من الأئمّة ، فتكون روايتهما في كتابيهماـ كسائر الكتب والروايات ـ خاضعة لموازين الجرح والتعديل.. إن لم نقل بأنّ مقتضى الطعن المذكور فيهما سقوط رواياتهما عن الاعتبار رأساً .. وهناك أحاديث كثيرة في الكتابين قد نصّ العلماء المحقّقون الكبار على بطلانها ، يطول بنا المقام لو أردناذكرها ، فراجع بعض مؤلّفاتنا(9) .
3 ـ إنّ الذهبي ـ وهو من أكابر أئمّة القوم في الجرح والتعديل ـ له مجازفات في تعديلاته وتجريحاته.. فليس كلّ ما يقوله الذهبي في حقّ الرجال حقّاً ، وإلاّ كان ما قاله وفعله في حقّ « البخاري » صحيحاً مقبولاً ، وقد قال المنّاوي بعد نقله : « نسأل الله السلامة ونعوذ به من الخذلان ».
4 ـ إنّه ينبغي أن يتفقّد حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح ، وأنْ يكون المزكّون والجارحون برآء من الشحناء والعصبيّة في المذهب. وهذا ما أكّده الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضاً ، حين قال :
« وممّن ينبغي أن يتوقّف في قبول قوله في الجرح : من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد ، فإنّ الحاذق إذا تأمّل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب ، وذلك لشدّة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيّع ، فتراه لا يتوقّف في جرح من ذكره منهم ، بلسان ذلقة وعبارة طلقة ، حتّى أنّه أخذ يليّن مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيدالله بن موسى وأساطين الحديث واركان الرواية. فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه فوثّق رجلاً ضعّفه قبل التوثيق... »(10) .
* وقد تبع الجوزجاني بعض من كان على مسلكه من المتأخّرين ، فأخذوا يطعنون في الراوي بمجرّد روايته ما يدلّ على فضيلة لعليّ وأهل البيت عليهم السلام ، أو ما يدلّ على قدح في واحد من مناوئيهم ، ويقولون عنه « شيعي » « رافضي » ونحو ذلك ، والحال أنّ التشيّع ـ كما يقول الحافظ ابن حجر ـ : « محبّة علىّ وتقديمه على الصحابة »(11) .
والّذين يقدّمون عليّاً عليه السلام على غيره من الصحابة كثيرون حتّى في الصحابة.. قال الحافظ ابن عبد البرّ : « وروي عن سلمان وأبي ذرّ والمقداد وخبّاب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم : إنّ عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أوّل من أسلم. وفضّله هؤلاء على غيره »(12) .
فالتشيّع لا يضرّ بالوثاقة عندهم ولا يمنع من الاعتماد. قال ابن حجر بترجمة « خالد بن مخلد القطواني الكوفي » وهو من رجال البخاري :
« من كبار شيوخ البخاري ، روى عنه وروى عن واحد عنه. قال العجلي : ثقة وفيه تشيّع. وقال ابن سعد : كان متشيّعاً مفرطاً. وقال صالح جزرة : ثقة إلاّ أنّه يتشيّع. وقال أبوحاتم ، يكتب حديثه ولا يحتجّ.
قلت : أمّا التشيّع فقد قدّمنا أنّه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضرّه ، لا سيّما ولم يكن داعيةً إلى رأيه »(13) .
وقال ابن حجر بترجمة « عبّاد بن يعقوب الرواجني » من رجال البخاري :
« رافضي مشهور ، إلاّ أنّه كان صدوقاً ، وثّقه أبو حاتم ، وقال الحاكم : كان ابن خزيمة إذا حدّث عنه يقول : حدّثنا الثقة في روايته المتّهم في رأيه : عبّاد بن يعقوب. وقال ابن حبّان : كان رافضيّاً داعيةً. وقال صالح بن محمّد : كان يشتم عثمان رضي الله عنه.
قلت : روى عنه البخاري في كتاب التوحيد حديثاً واحداً مقروناً ، وهو حديث ابن مسعود : أيّ العمل أفضل ؟ وله عند البخاري طرق أخرى من رواية غيره »(14) .
وقال الذهبي بترجمة « أبان بن تغلب » :
« شيعي جلد ، لكنّه صدوق ، فلنا صدقه وعليه بدعته ، وقد وثّقه أحمد بن حنبل وابن معين وأبو حاتم. وأورده ابن عديّ وقال : كان غالياً في التشيّع. وقال السعدي : زائغ مجاهر.
فلقائل أن يقول : كيف ساغ توثيق مبتدع ، وحدُّ الثقة العدالة والإتقان ؟! فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة ؟!
وجوابه : إنّ البدعة على ضربين ، فبدعة صغرى ، كغلوّ التشيّع ، أو كالتشيّع بلا غلوّ ولا تحرف ; فهذا كثير في التابعين وتابعيهم ، مع الدين والورع والصدق; فلو ردّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبويّة ، وهذه مفسدة بيّنة »(15) .

أقول :
وعلى هذا الأساس أيضاً تسقط مناقشات بعض الكتّاب في أسانيد الأحاديث التي يستدلّ بها الشيعة الاثنا عشرية من كتب أهل السنّة.. لكنّ بعض المتعصّبين يقدح في الرجل إذا كان شيعيّاً ـ أي يفضّل عليّاً عليه السلام على غيره من الصحابة ـ ويكره الرواية عنه ، حتّى وإن كان من الصحابة ، مع أنّ المشهور فيما بين أهل السنّة عدالة الصحابة أجمعين ! قال الحافظ ابن حجر بترجمة « عامر بن واثلة أبو الطفيل الليثي المكّي » :
« قال ابن عديّ : كان الخوارج يرمونه باتّصاله بعليّ وقوله بفضله وفضل أهل بيته ، وليس بحديثه بأس. وقال ابن المديني : قلت لجرير : أكان مغيرة يكره الرواية عن أبي الطفيل ؟ قال : نعم. وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه : مكّي ثقة. وكذا قال ابن سعد وزاد : كان متشيّعاً.
قلت : أساء أبو محمّد بن حزم فضعّف أحاديث أبي الطفيل وقال : كان صاحب راية المختارالكذّاب. وأبو الطفيل صحابي لا شكّ فيه ، لا يؤثّر فيه قول أحد ، ولا سيّما بالعصبيّة والهوى »(16) .

قلت :
فالحمد لله الذي أجرى على لسان مثل ابن حجر العسقلاني أنّ ابن حزم يتكلّم « بالعصبيّة والهوى » وقد حطّ على هذا الرجل أبو بكر ابن العربي.
وقال أبو العبّاس ابن العريف الصالح الزاهد : « لسان ابن حزم وسيف الحجّاج شقيقان ».
وقال مؤرّخ الأندلس أبو مروان ابن حبّان : « وممّا يزيد في بغض الناس له تعصّبه لبني أميّة ، ماضيهم وباقيهم ، واعتقاده بصحّة إمامتهم ، حتّى نسب إلى النصب ».
وقال ابن خلّكان : « كان كثير الوقوع في العلماء المتقدّمين ، لا يكاد يسلم أحد من لسانه. قال ابن العريف : كان لسان ابن حزم وسيف الحجّاج شقيقين. قاله لكثرة وقوعه في الأئمّة ، فنفرت عنه القلوب ، واستهدف لفقهاء وقته ، فتمالؤا على بغضه ، وردّوا قوله ، وأجمعوا على تضليله... ».
ووصفه الآلوسي عند ذكره بـ « الضالّ المضلّ ».
انظر : لسان الميزان 4 : 198 ، وفيات الأعيان 3 : 325 ، تفسير الآلوسي 21 : 76 .

قلت :
وممّا يشهد بنصبه قوله في المحلّى 10 : 484 : « ولا خلاف بين أحد من الأمّة في أنّ عبدالرحمن بن ملجم لم يقتل عليّاً رضي الله عنه إلاّ متأوّلاً مجتهداً مقدراً أنّه على صواب ، وفي ذلك يقول عمران بن حطّان شاعر الصفرية... ».
وقد كان على شاكلة ابن حزم في القول بالعصبيّة والهوى :
* أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي ، فقد أفرط هذا الرجل في كتبه لا سيّما في كتابيه « العلل المتناهية » و« الموضوعات » حتّى ردّ عليه كبار المحقّقين ، فنّصوا على بطلان كثير من أقواله وآرائه.
قال الحافظ النووي : « وقد أكثر جامع الموضوعات في نحو المجلّدين ، أعني أبا الفرج بن الجوزي ، فذكر كثيراً ممّا لا دليل على وضعه... ».
وقال الحافظ السيوطي : « فذكر في كتابه كثيراً ممّا لا دليل على وضعه ، بل هو ضعيف ، بل وفيه الحسن والصحيح ، وأغرب من ذلك : أنّ فيها حديثاً من صحيح مسلم كما سأبيّنه.
قال الذهبي : ربّما ذكر ابن الجوزي في الموضوعات أحاديث حساناً قويّة.
قال : ونقلت من خطّ السيّد أحمد بن أبي المجد قال : صنّف ابن الجوزي كتاب (الموضوعات) فأصاب في ذكره أحاديث شنيعة مخالفة للنقل والعقل . وما لم يصب فيه إطلاقه الوضع على أحاديث ، بكلام بعض الناس في أحد رواتها ، كقوله : فلان ضعيف أو : ليس بالقوي أو : ليّن ، وليس ذلك الحديث ممّا يشهد القلب ببطلانه ، ولا فيه مخالفة ولا معارضة لكتاب ولا سنّة ولا إجماع ، ولا حجّة بأنّه موضوع سوى كلام ذلك الرجل في راويه. وهذا عدوان ومجازفة »(17) .
وقال ابن عرّاق : « وللإمام الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي فيها كتاب جامع ، إلاّ أنّ عليه مؤاخذات ومناقشات... »(18) .
وقد أورد ابن الجوزي في كتابه « العلل المتناهية في الأحاديث الواهية » حديث : «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي » فاعترضه بشدّة كبار المحدّثين المتأخّرين عنه :
قال السخاوي : « وتعجّبت من إيراد ابن الجوزي له في ( العلل المتناهية ) بل أعجب من ذلك قوله : إنّه حديث لا يصحّ. مع ما سيأتي من طرقه التي بعضها في صحيح مسلم »(19) .
وقال السمهودي : « ومن العجيب ذكر ابن الجوزي له في (العلل المتناهية) فإيّاك أن تغترّ به. وكأنّه لم يستحضره حينئذ »(20) .
وقال المنّاوي : « ووهم من زعم وضعه كابن الجوزي »(21) .
بل هناك كلمات كثيرة في الحطّ على ابن الجوزي نفسه :
قال ابن الأثير : « وفي هذه السنة ـ في شهر رمضان ـ توفّي أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن الجوزي الحنبلي ، الواعظ ببغداد ، وتصانيفه مشهورة ، وكان كثير الوقيعة في الناس ، لا سيّما في العلماء المخالفين لمذهبه »(22) .
وقال أبو الفداء : « كان كثير الوقيعة في العلماء »(23) .
وقال الذهبي : « له وهم كثير في تواليفه ، يدخل عليه الداخل من العجلة والتحوّل إلى مصنّف آخر ، ومن أنّ جلّ علمه من كتب وصحف ما مارس فيه أرباب العلم كما ينبغي »(24) .
وقال ابن حجر : «... دلّت هذه القصّة على أنّ ابن الجوزي حاطب ليل لا ينقد ما يحدّث به »(25) .
وقال السيوطي : « قال الذهبي في التاريخ الكبير : لا يوصف ابن الجوزي بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة ، بل باعتبار كثرة اطّلاعه وجمعه »(26) .
وقال اليافعي : « وفيها أخرج ابن الجوزي من سجن واسط وتلقّاه الناس ، وبقي في المطمورة خمس سنين ، كذا ذكره الذهبي... »(27) .
* وأحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الحرّاني ، فقد طعن في كثير من الرجال وفي كثير من الأحاديث والأخبار ، وفي كثير من مصنّفات أهل السُنّة ، لروايتها ما يتمسّك به الإماميّة.. ولقد تمادى هذا الرجل في غيّه حتّى انبرى كبار علماء أهل السُنّة من أهل المذاهب الأربعة للفتوى ضدّه ، ثمّ أمر بأن ينادى بالحطّ عليه والمنع من اتّباعه ، ثمّ حبس ، حتّى مات في الحبس.
* وشمس الدين الذهبي ، صاحب المؤلفّات الكثيرة وتلميذ ابن تيميّة الحرّاني والملازم له(28) فقد حكم على كثير من الأحاديث الصحيحة بالوضع ، وطعن في كثير من الرجال وأسقط رواياتهم عن درجة الاعتبار.. وقد فعل ذلك بالنسبة إلى كثير من أئمّة أهل السُنّة ومحدّثيهم المشاهير في كتابيه « ميزان الاعتدال » و« المغني في الضعفاء » حتّى أدرج في الثاني « محمّد بن إسماعيل البخاري » كما تقدّم.
وقال السبكي بترجمته : « كان شديد الميل إلى آراء الحنابلة ، كثير الإزراء بأهل السنّة ، الّذين إذا حضروا كان أبوالحسن الأشعري فيهم مقدّم القافلة ، فلذلك لا ينصفهم في التراجم ، ولا يصفهم بخير إلاّ وقد رغم منه أنف الراغم. صنّف ( التاريخ الكبير ) وما أحسنه لولا تعصب فيه ، وأكمله لولا نقص فيه وأيّ نقص يعتريه »(29) .
وقال : « وأمّا تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله له ، فإنّه ـ على حسنه وجمعه ـ مشحون بالتعصّب المفرط ، لا واخذه الله. فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين ، أعني الفقراء الّذين هم صفوة الخلق ، واستطال بلسانه على كثير من أئمّة الشافعيّين والحنفيّين ، ومال فأفرط على الأشاعرة ، ومدح فزاد في المجسّمة. هذا وهو الحافظ المدره ، والإمام المبجّل ، فما ظنّك بعوامّ المؤرّخين »(30) .
وعن تلميذه صلاح الدين العلائي : « الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي ، لا أشكّ في دينه وورعه وتحرّيه فيما يقوله الناس ، ولكنّه غلب عليه مذهب الإثبات ، ومنافرة التأويل ، والغفلة عن التنزيه ، حتّى أثّر ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه ، وميلاً قوياً إلى أهل الإثبات. فإذا ترجم واجداً منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ، ويبالغ في وصفه ، ويتغافل عن غلطاته ويتأوّل له ما أمكن ، وإذا ذكر أحداً من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما لا يبالغ في وصفه ، ويكثر من قول من طعن فيه ، ويعيد ذلك ويبديه ، ويعتقده ديناً وهو لا يشعر ، ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها ، وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها... »(31) .
قال السبكي : « والذي أدركنا عليه المشايخ : النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله ، ولم يكن يستجرئ أن يظهر كتبه التاريخية إلاّ لمن يغلب على ظنّه أنّه لا ينقل عنه ما يعاب عليه »(32) .
قال : « كان يغضب عند ترجمته لواحد من علماء الحنفيّة والمالكية والشافعية غضباً شديداً ، ثمّ يقرطم الكلام ويمزّقه ، ثمّ هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الألفاظ كما ينبغي ، فربّما ذكر لفظةً من الذمّ لو عقل معناها لما نطق بها »(33) .

أقول :
عجيب ! ابن الجوزي سجن ، ابن تيميّة سجن حتّى مات في السجن ، ابن حزم مزقّت كتبه وأحرقت ونفي حتّى مات في المنفى ، والذهبي ينهى عن النظر في كلامه ، ولا يعتمد قوله ، ويلاقي الأذى...
هذا حال هؤلاء في أهل السُنّة... وقد أصبحوا أئمّةً يقتدي بهم المتأخّرون من الكتّاب ويستندون إلى أقوالهم !!
وأيضاً : إذا كان هؤلاء مشهورين بالتعصّب وبالوقيعة في العلماء ـ إذا لم يكونوا على مذاهبهم ـ في أقوالهم في السِيَر والتواريخ وغيرها ، فكيف يرتجى منهم الإنصاف والإقرار بالحقّ مع الشيعة وأئمّتهم ورجالهم... ؟!!

(1) هذا حال البخاري إمامهم في الحديث ، وسنشير إلى حال إمامهم في العقائد وهو : أبو الحسن الأشعري. ولعلّنا نتعرّض لحال أئمّتهم في الفقه وهم : الأئمّة الأربعة !وإمامهم في التفسير هو : الفخر الرازي... في المواضع المناسبة. إن شاء الله تعالى.
(2) وذكر ذلك الذهبي في : سير أعلام النبلاء 12 : 462 .
(3) المغني في الضعفاء 2 : 268 رقم 5312 .
(4) سير أعلام النبلاء 12 : 456 .
(5) سير أعلام النبلاء 12 : 460 .
(6) سير أعلام النبلاء 12 : 284 ـ 285 .
(7) طبقات الشافعية 2 : 12 .
(8) فيض القدير 1 : 24 .
(9) التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف : 293 ـ 336 .
(10) لسان الميزان 1 : 16 .
(11) مقدمة فتح الباري : 460 .
(12) الاستيعاب 3 : 1090 .
(13) مقدمة فتح الباري : 398 .
(14) مقدمة فتح الباري : 410 .
(15) ميزان الاعتدال 1 : 5 .
(16) مقدمة فتح الباري : 410 .
(17) تدريب الراوي 1 : 329 .
(18) تنزيه الشريعة المرفوعة 1 : 3 .
(19) استجلاب ارتقاء الغرف 1 : 338 .
(20) جواهر العقدين 1 : 73 .
(21) فيض القدير 3 : 15 .
(22) الكامل في التاريخ ـ حوادث سنة 597 .
(23) المختصر في أخبار البشر ـ حوادث سنة 597 .
(24) تذكرة الحفّاظ 4 : 1347 .
(25) لسان الميزان 2 : 84 ، ترجمة ثمامة بن أشرس .
(26) طبقات الحفّاظ : 480 .
(27) مرآة الجنان ـ حوادث سنة 595 .
(28) وكم لقي الذهبي من الأذى والعنت لهذه العلاقة بابن تيميّة. قاله محقق كتاب « العبر » في المقدمة .
(29) طبقات الشافعية 9 : 103 .
(30) طبقات الشافعية 2 : 22 .
(31) طبقات الشافعية 2 : 13 .
(32) طبقات الشافعية 2 : 14 .
(33) طبقات الشافعية 2 : 14 .

Flag Counter counter widget
دهکده وب - قرية الويب - w3village.com