الكلام على رأى الذهبي

الكلام على رأى الذهبي
وأمّا شمس الدين الذّهبي، فإنّه وإن قدح في حديث مدينة العلم غير أنّه لا يلتفت ا لى قدحه ولا يعبأ به، لوجوه:
1. انحراف الذّهبي وتعصّبه
لقد اشتهر الذهبي بالانحراف عن أهل البيت عليهم السلام، وتعصبّه عليهم ونصبه العداء لهم.

2. تحقيق العلائي
وقد تعرّض الحافظ العلائي لقدح الذهبي وردّ عليه الردّ الصريح وحقّق هذا الحديث الصّحيح، وهذا نصّ كلامه على ما نقله السيوطي في (نفع قوت المغتذي) حيث قال: «وقال الحافظ صلاح الدين العلائي في أجوبته: هذا الحديث ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في الموضوعات من طرق عدّة، وحكم ببطلان الكلّ، وكذلك قال بعده جماعة منهم الذهبي في الميزان وغيره.
والمشهور به رواية أبي الصّلت عبد السلام بن صالح الهروي، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعاً، وعبد السلام هذا تكلّموا فيه كثيراً، قال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني وابن عدي: متّهم، زاد الدارقطني: رافضي، وقال أبو حاتم: لم يكن عندي بصدوق، وضرب أبو زرعة على حديثه.
ومع ذلك فقد قال الحاكم: حدّثنا الأصم، حدثنا عباس ـ يعني الدوري ـ قال: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت فقال: ثقة، فقلت: أليس قد حدّث عن أبي معاوية حديث أنا مدينة العلم؟ فقال: قد حدّث به محمد ين جعفر الفيدي ـ وهو ثقة ـ عن أبي معاوية، وكذلك روى صالح جزرة أيضاً عن ابن معين. ثمّ ساقه الحاكم من طريق محمد بن يحيى بن الضريس ـ وهو ثقة حافظ ـ عن محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية. وقال أبو الصّلت أحمد بن محمد بن محرز: سألت يحيى ابن معين عن أبي الصلت فقال: ليس ممّن يكذب، فقال: له في حديث أبي معاوية، أنا مدينة العلم، فقال: هو من حديث أبي معاوية، أخبرني ابن نمير قال: حدّث به أبو معاوية قديما ثمّ كفّ عنه، وقال: كان أبو الصلت رجلاً موسراً يطلب هذه الأحاديث ويلزم المشايخ.
قلت: فقد برئ أبو الصّلت عبد السلام من عهدته، وأبو معاوية ثقة مأمون من كبار الشيوخ وحفّاظهم المتّفق عليهم، وقد تفرّد به عن الأعمش فكان ماذا؟ وأيّ استحالة في أن يقول النّبي صلّى الله عليه وسلّم مثل هذا في حقّ علي؟ ولم يأت كلّ من تكلّم في هذا الحديث وجزم بوضعه بجواب عن هذه الروايات الصحيحة عن يحيى بن معين، ومع ذلك فله شاهد...».

3. ردّ ابن حجر العسقلاني على الذهبي
وقد بلغت دعوى الذهبي هذه من البطلان حدّاً حتى ردّ عليها الحافظ ابن حجر العسقلاني، وتعقّبه بكلامه الحق الحقيق بالقبول، ولنورد أوّلاً نصّ كلام الذهبي في الميزان:
قال «جعفر بن محمد الفقيه، فيه جهالة، قال مطين: حدثنا جعفر، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس ]قال[: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: أنا مدينة العلم وعلي بابها ]و[ هذا موضوع».(1)
فقال ابن حجر: «هذا الحديث له طرق كثيرة في مستدرك الحاكم، أقلّ أحوالها أن يكون للحديث أصل، فلاينبغي أن يطلق القول عليه بالوضع».(2)

4. ردّ ابن حجر المكي عليه
وردّ ابن حجر المكّي ـ على ما هو عليه من التعصّب والتعنّت ـ على القول بوضع الحديث بعد أن نسبه إلى جماعة ـ منهم الذهبي في ميزانه ـ وهذا نصّ كلامه: «وهؤلاء وإن كانوا أئمّة أجلاّء، لكنّهم تساهلوا تساهلاً كثيراً كما علم مما قرّرته، وكيف ساغ الحكم بالوضع مع ما تقرّر أنّ رجاله كلّهم رجال الصحيح إلاّ واحد فمختلف فيه؟! ويجب تأويل كلام القائلين بالوضع بأن ذلك لبعض طرقه لا لكلّها، وما أحسن قول بعض الحفاظ في أبي معاوية أحد رواته المتكلّم فيهم بما لا يسمع: هو ثقة مأمون من كبار المشايخ وحفّاظهم، وقد تفرّد به عن الأعمش، فكان ما ذا؟ وأيّ استحالة في أنّه صلّى الله عليه وسلّم يقول مثل هذا في حق علي؟...»
هذا كلامه في المنح المكية في شرح الهمزيّة(3)
وقال في فتاواه: «وأمّا حديث: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فهو حديث حسن بل قال الحاكم صحيح، وقول البخاري ليس له وجه صحيح، والترمذي منكر، وابن معين كذب ـ معترض وان ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وتبعه الذهبي وغيره على ذلك».

5. إعراض جماعة أخرين وردّهم عليه
ولقد أعرض جماعة آخرون عن قدح الذهبيّ وردّوا عليه، مثبتين للحديث ومستشهدين بأجوبة العلائي وابن حجر وغيرهما على ذلك ومنهم:
1. السيوطي في (اللآلي المصنوعة) و(جمع الجوامع) و(قوت المغتذي).
2. السخاوي في (المقاصد الحسنة).
3. المتقي في (كنز العمال).
4. عبد الحق الدهلوي في (اللمعات في شرح المشكاة).
5. القاري في (المرقاة في شرح المشكاة).
6. المناوي في (فيض القدير).
7. محمد صدر العالم في (معارج العلى).
8. محمد الأمير الصنعاني في (الروضة النديّة في شرح التحفة العلوية).
9. الدمنتي الشاذلي في (نفح قوت المغتذي).
وقد تقدمت نصوص عباراتهم سابقا.

6. من آيات علوّ الحق
ومن آثار علوّ الحق وآياته رواية الذهبي هذا الحديث بسنده، عن سويد بن سعيد، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ضمن ما وقع له من عالي حديثه، فقد قال بترجمة سويد من ميزانه ما نصّه: «قلت: عاش سويد مائة سنة، ومات في سنة أربعين ومائتين، وقع لنا من عالي حديثه:
أخبرنا أبو المعالي الأبرقوهي، أنا المبارك بن أبي الجود أنا أحمد ابن أبي غالب، أنا عبد العزيز بن علي، أنا أبو طاهر الذهبي، ثنا عبد الله بن محمّة، ثنا سويد بن سعيد، ثنا زياد بن الربيع، عن صالح الدهان، عن جابر بن زيد قال: نظرت في أعمال المرء، فإذا الصّلاة تجهد بالبدن ولا تجهد بالمال، وكذلك الصيام، والحج يجهد المال والبدن، فرأيت أنّ الحجج أفضل من ذلك كلّه.
أخبرنا محمد بن عبد السّلام، عن زينب بنت أبي القاسم، أنا عبد المنعم بن القشيري، أنا أبو سعيد الأديب، ثنا محمد بن بشير، ثنا أبو لبيد السرخسي، ثنا سويد، ثنا علي بن مسهر، عن داود، عن عكرمة عن ابن عباس قال: صاحب الذبح إسحاق، وقوله: وبشرناه بإسحاق أي بنبوّته.
وبه نا علي، عن أشعب، عن ابن سيرين، عن الجارود العبدي قال: أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم أبايعه فقلت: إني على دين. وإني إن تركت ديني ودخلت في دينك لا يعذّبني الله في الآخرة؟ قال: نعم.
وبه ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبيد بن أبي الجحد قال: سئل جابر عن قتال علي، فقال: ما يشكّ في قتاله إلاّ كافر.
وبه ثنا شريك، عن سلمة بن كهيل، عن الصنابحي، عن علي قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت باب المدينة».(4)
هذا كلام الذهبي في الميزان، وبعد هذا البيان، وغبّ ذلك التبيان، لا يخلد إلى قدح هذا الحديث إلاّ من غلب على قلبه العناد وران، واستهام به الغرور.


(1) ميزان الاعتدال 1/415.
(2) لسان الميزان 2/122.
(3) شرح القصيدة الهمزية: 304.
(4) ميزان الاعتدال: 2 / 250 ـ 251 بتقديم وتأخير في العبارة. وقد استهواه الشيطان، والله العاصم عمّا يورث سخط الرحمن ويقود إلى لظى النيران...

أنا مدينة العلم وعلي بابها تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني)

تم السحب من: http://al-milani.com/eref/lib-pg.php?booid=41&mid=227&pgid=1436