الطعن في علماء أهل السُنّة

الفصل الرابع
الطعن في علماء أهل السُنّة
ثمّ إنّه عندما يستدلُّ العلاّمة برواية من كتب علماء أهل السُنّة وينقل عنها الأخبار في مقام الاحتجاج بها، يضطرّ الفضل إلى الطعن فيهم أو في الكتب أو إلى إنكار كونهم من أهل السُنّة، ليردّ بذلك الحديث الذي استدلّ به العلاّمة وأراد إلزام القوم به، ومن ذلك:
* قوله: «وأحمد بن حنبل قد جمع في مسنده الضعيف والمنكر، لأنّه مسند لا صحيح، وهو لا يعرف المسند من الصحيح ولا يفرّق بين الغثّ والسمين»(1).

أقول:
بل الفضل لا يعرف المسند من الصحيح، وكأنّه توهّم أنّ من سمّى كتابه بـ«المسند» فلا يكون ملتزماً بالصحّة كما التزم البخاري مثلا في كتابه الموسوم بـ«الصحيح»، والحال أنّ جماعةً من كبار أئمّة أهل السُنّة كالحافظ أبي موسى المديني، والحافظ عبد المغيث بن زهير الحنبلي البغدادي، وغيرهما يصرّحون بالتزام أحمد بن حنبل في مسنده بـ«الصحّة»(2)، وقد فصّلنا الكلام في ذلك في بعض كتبنا(3).
* وقوله: «فنحن لا نعرف ابن المغازلي وأشباهه ممّن يذكر عنهم المناكير والشواذّ»(4).
وقال أيضاً في ابن المغازلي: «رجل مجهول، لا يعرفه أحد من العلماء، من جملة المصنّفين والمحدّثين»(5).
أقول:
ونحن نذكر بعض من يعرفه من العلماء ليتبيّن صدق الفضل من كذبه!
قال السمعاني في (الجُلاّبي): «بضم الجيم وتشديد اللام وفي آخرها الباء المنقوطة بواحدة. هذه النسبة إلى الجُلاّب. والمشهور بهذه النسبة:
أبو الحسن علي بن محمّد بن محمّد بن الطيّب الجُلاّبي، المعروف بابن المغازلي، من أهل واسط العراق، كان فاضلا عارفاً برجالات واسط وحديثهم، وكان حريصاً على سماع الحديث وطلبه،رأيت له ذيل التاريخ لواسط، وطالعته وانتخبت منه.
سمع أبا الحسن علي بن عبد الصمد الهاشمي، وأبا بكر أحمد ابن محمّد الخطيب، وأبا الحسن أحمد بن مظفّر العطّار، وغيرهم.
روى لنا عنه ابنه بواسط، وأبو القاسم علي بن طرّاد، الوزير ببغداد.
وغرق ببغداد في الدجلة، في صفر سنة 483، وحمل ميّتاً إلى واسط، فدفن بها.
وابنه: أبو عبداللّه، محمّد بن علي بن محمّد الجُلابي، كان ولي القضاء والحكومة بواسط، نيابةً عن أبي العبّاس أحمد بن بختيار الماندائي. وكان شيخاً فاضلا عالماً، سمع أباه، وأبا الحسن محمّد بن محمّد بن مخلّد الأزدي، وأبا علي إسماعيل بن أحمد بن كماري القاضي، وغيرهم.
سمعت منه الكثير بواسط في النوبتين جميعاً، وكنت أُلازمه مدّة مقامي بواسط، وقرأت عليه الكثير بالإجازة له عن أبي غالب محمّد ابن أحمد بن بشران النحوي الواسطي»(6).
* وقوله: «أكثر ما ذكر من مناقب الخوارزمي موضوعات»(7).
وقال: «هذا حديث موضوع منكَر لا يرتضيه العلماء. وأكثر ما ذكر من مناقب الخوارزمي فكذلك. وهذا الخوارزمي رجل كأنّه شيعي مجهول لا يعرف بحال، ولا يعدّه العلماء من أهل العلم، بل لا يعرفه أحد، ولا اعتداد برواياته وأخباره»(8).
أقول:
ونحن نذكر طرفاً ممّا قال العلماء بترجمة (الخوارزمي) ليتبيّن صدق الفضل من كذبه كذلك!... .
1 ـ قال الحافظ تقي الدين الفاسي: «الموفّق بن أحمد بن محمّد ابن محمّد المكّي، أبو المؤيّد، العلاّمة، خطيب خوارزم، كان أديباً فصيحاً مفوَّهاً، خطب بخوارزم دهراً، وأنشأ الخطب، وأقرأ الناس، وتخرَّج به جماعة، وتوفّي بخوارزم في صفر سنة 568.
وذكره الذهبي هكذا في تاريخ الإسلام»(9).
2 ـ وذكره الشيخ محيي الدين ابن أبي الوفاء عبد القادر القرشي الحنفي في طبقات الحنفية، وقال: «الموفّق بن أحمد بن محمّد المكّي، خطيب خوارزم، أُستاذ ناصر بن عبد السيّد، صاحب المغرب، أبو المؤيّد، مولده في حدود سنة 484. ذكره القفطي في أخبار النحاة، أديب فاضل، له معرفة بالفقه والأدب. وروى مصنّفات محمّد بن الحسن عن عمر بن محمّد بن أحمد النسفي، ومات سنة 568. فأخذ علم العربية عن الزمخشري»(10).
3 ـ وقال الحافظ السيوطي: «الموفّق بن أحمد بن... المعروف بأخطب خوارزم، قال الصفدي: كان متمكّناً في العربية، غزير العلم، فقيهاً، فاضلا، أديباً، شاعراً، قرأ على الزمخشري، وله خطب وشعر. قال القفطي: وقرأ عليه ناصر المطرزي، وُلد في حدود سنة 484، ومات سنة 568»(11).
هذا، وقد اعتمد على الخطيب الخوارزمي ونقل عنه كبار العلماء، مع وصفه بالأوصاف الحميدة والألقاب الجميلة، كالشيخ الإمام أبي المؤيّد محمّد بن محمود الخوارزمي، صاحب جامع مسانيد أبي حنيفة، فقد روى عنه في الكتاب المذكور في مواضع عديدة، مع وصفه بـ«العلاّمة، أخطب خطباء خوارزم، صدر الأئمّة» ونحو ذلك(12).
* قوله: «فالطبري من الروافض مشهور بالتشيّع، مع إنّ علماء بغداد هجروه لغلوّه في الرفض والتعصّب، وهجروا كتبه ورواياته وأخباره»(13).
أقول:
لقد ناقض الفضل نفسه، فاعتمد على الطبري في كلام له، كما ستعرف في فصل «التناقضات»... ولنذكر جملةً من كلمات علماء قومه في شأن الطبري ليتبيّن صدق الفضل من كذبه!
قال الذهبي: «محمّد بن جرير بن يزيد بن كثير، الإمام العلم المجتهد، عالم العصر، أبو جعفر الطبري، صاحب التصانيف البديعة، من أهل آمل طبرستان، مولده سنة 224، وطلب العلم بعد 240، وأكثر الترحال، ولقي نبلاء الرجال، وكان من أفراد الدهر علماً وذكاءً وكثرة تصانيف، قلّ أن ترى العيون مثله... واستقرّ في أواخر أمره ببغداد، وكان من كبار أئمّة الاجتهاد... .
وقال الخطيب: كان أحد أئمّة العلماء، يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه، لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظاً لكتاب اللّه، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين، عارفاً بأيّام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في أخبار الأُمم وتأريخهم، وله كتاب التفسير لم يصنّف مثله، وكتاب سمّاه لم أر سواه في معناه، لكن لم يتمّه... .
قلت: كان ثقة صادقاً حافظاً، رأساً في التفسير، إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف، علاّمة في التاريخ وأيّام الناس، عارفاً بالقراءات وباللغة وغير ذلك... .
قال الحاكم: سمعت حسينك بن علي يقول: أوّل ما سألني ابن خزيمة فقال لي: كتبتَ عن محمّد بن جرير الطبري؟ قلت: لا. قال: ولم؟! قلت: لأنّه كان لا يظهر، وكانت الحنابلة تمنع من الدخول عليه.قال: بئس ما فعلت، ليتك لم تكتب عن كلّ من كتبت عنهم وسمعت من أبي جعفر»(14).
إذاً، كان بينه وبين الحنابلة فقط شيء، لا بينه وبين «علماء بغداد»، وإنّهم كانوا يمنعون من الدخول عليه، لا أنّ العلماء «هجروه»!
وكم فرق بين كلام ابن روزبهان، وبين الحقيقة والواقع؟!
وأمّا رمي الطبري بالتشيّع أو الرفض، فلروايته حديث الغدير، واحتجاجه لتصحيحه، ردّاً على ابن أبي داود!
وأيضاً: لقوله بجواز مسح الرجلين في الوضوء... .
وقد قال الذهبي: «وكان ممّن لا تأخذه في اللّه لومة لائم، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات، من جاهل وحاسد وملحد، فأمّا أهل الدين والعلم فغير منكرين علمه وزهده في الدنيا ورفضه لها وقناعته بما كان يرد عليه من حصّة من ضيعة خلّفها له أبوه بطبرستان يسيرة»(15).
أقول:
فليلاحظ حال ابن روزبهان على ضوء كلام الذهبي!

(1) دلائل الصدق 2 / 351.
(2) انظر: خصائص المسند ـ لأبي موسى المديني ـ : 12 و14.
(3) انظر: نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار 2 / 10 ـ 16.
(4) دلائل الصدق 3 / 474.
(5) دلائل الصدق 2 / 351.
(6) الأنساب 2 / 137 ـ 138.
(7) دلائل الصدق 2 / 449.
(8) دلائل الصدق 2 / 584.
(9) العقد الثمين في أخبار البلد الأمين 7 / 310.
(10) الجواهر المضية في طبقات الحنفية 3 / 523 رقم 1718.
(11) بغية الوعاة في أخبار اللغويّين والنحاة: 358.
(12) جامع مسانيد أبي حنيفة 1 / 14 و30 و31.
(13) دلائل الصدق 3 / 79.
(14) سير أعلام النبلاء 14 / 267 ـ 272 رقم 175، وانظر قول الخطيب في تاريخ بغداد 2 / 163 رقم 589.
(15) سير أعلام النبلاء 14 / 274.

أجلى البرهان في نقد كتاب ابن روزبهان تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني)

تم السحب من: http://al-milani.com/eref/lib-pg.php?booid=14&mid=57&pgid=357