آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله)
البحث

حجم الخط الفهرس سحب الصفحة على الورق
صفحات أخرى من الفصل:
الفصل الرابع: في تناقضات علماء القوم تجاه معنى الآية
سقوط كلمات ابن تيمية
وتبقى كلمات ابن تيمية; فإنّه بعد أن أعرض عن قول عكرمة، وعن قول من قال بالجمع، واعترف بالاختصاص بالعترة، أجاب عن الاستدلال بالآية المباركة بوجوه واضحة البطلان:
* فأوّل شيء قاله هو: «هذا الحديث قد شركه فيه فاطمة...».
وفيه: إنّ العلاّمة الحلّي لم يدّع كون الحديث من خصائص علي عليه السلام، بل الآية المباركة والحديث يدلاّن على عصمة «أهل البيت» وهم: النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين... والمعصوم هو المتعيَّن للإمامة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، غير أنّ المرأة لا تصلح للإمامة.
* ثمّ قال: «ثمّ إنّ مضمون هذا الحديث أنّ النبيّ دعا لهم... بأن يكونوا من المتّقين الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس... فغاية هذا أن يكون هذا دعاء لهم بفعل المأمور وترك المحظور».
وهذا من قلّة فهمه أو شدّة تعصّبه:
أمّا أوّلاً:
فلأنّه ينافي صريح الآية المباركة; لأنّ «إنّما» دالّة على الحصر، وكلامه دالٌّ على عدم الحصر، فما ذكره ردٌّ على اللّه والرسول.

وأمّا ثانياً:
فلأنّ في كثير من «الصحاح» أنّ الآية نزلت، فدعا رسول اللّه عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فجلّلهم بكساء وقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي..
فاللّه تعالى يقول: (إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ...)، والنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يُعيّن «أهل البيت» وأنّهم هؤلاء دون غيرهم.
وأمّا ثالثاً:
فلأنّه لو كان المراد هو مجرّد الدعاء لهم بأن يكونوا «من المتّقين»، و«الطهارة مأمور بها كلّ مؤمن»، «فغاية هذا أن يكون دعاءً لهم بفعل المأمور وترك المحظور»، فلا فضيلة في الحديث; وهذا يناقض قوله من قبل: «فعُلم أنّ هذه الفضيلة...»!!
وأمّا رابعاً:
فلأنّه لو كان «غاية ذلك أن يكون دعاءً لهم بفعل المأمور وترك المحظور»، فلماذا لم يأذن لأُمّ سلمة بالدخول معهم؟!
أكانت «من المتّقين الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس...» فلا حاجة لها إلى الدعاء؟!
أو لم يكن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يريد منها أن تكون «من المتّقِين...»؟!
وأمّا خامساً:
فلو سلّمنا أنّ «غاية هذا أن يكون دعاءً لهم...» لكن إذا كان اللّه سبحانه «يريد» والرسول «يدعو» ـ ودعاؤه مستجاب قطعاً ـ كان «أهل البيت» متّصفين بالفعل بما دلّت عليه الآية والحديث.
* وقال: «والصدّيق قد أخبر اللّه عنه...».
وحاصله: إنّ غاية ما كان في حقّ «أهل البيت» هو «الدعاء» وليس في الآية ولا الحديث إشارة إلى «استجابة» هذا الدعاء فقد يكون وقد لايكون، وأما ما كان في حقّ «أبي بكر»، فهو «الإخبار» فهو كائن، فهو أفضل من «أهل البيت»!!
وفيه:
أوّلاً:
«أهل البيت» في الآية فيهم: شخص النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ولا ريب في أفضليّته المطلقة.
وثانياً:
«أهل البيت» في الآية فيهم: فاطمة الزهراء، وقد اعترف غير واحد من أعلام القوم بأفضليّتها من أبي بكر:
فقد ذكر العلاّمة المناوي بشرح الحديث المتّفق عليه بين المسلمين: «فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني»: «استدلّ به السهيلي(1) على أنّ من سبّها كفر; لأنّه يغضبه، وأنّها أفضل من الشيخين».
وقال: «قال الشريف السمهودي: ومعلوم أنّ أولادها بضعة منها، فيكونون بواسطتها بضعة منه، ومن ثَمَّ لمّا رأت أُمّ الفضل في النوم أنّ بضعةً منه وضعت في حجرها، أوّلَها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن تلد فاطمة غلاماً فيوضع في حجرها، فولدت الحسن فوضع في حجرها..
فكلّ من يشاهَد الآن من ذرّيّتها بضعة من تلك البضعة وإن تعدّدت الوسائط، ومن تأمّل ذلك انبعث من قلبه داعي الإجلال لهم، وتجنّب بغضهم على أيّ حال كانوا عليه»(2)..
وقال ابن حجر العسقلاني: «وفي الحديث: تحريم أذى من يتأذّى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بتأذّيه; لأنّ أذى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حرام اتّفاقاً، قليله وكثيره، وقد جزم بأنّه يؤذيه ما يؤذي فاطمة; فكلّ من وقع منه في حقّ فاطمة شيء فتأذّت به فهو يؤذي النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، بشهادة هذا الخبر الصحيح..
ولا شيء أعظم في إدخال الأذى عليها من قتل وُلْدها; ولهذا عرف بالاستقراء معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا، (وَلَعَذابُ اْلآخِرَةِ أَشَدُّ)(3)»(4).
وثالثاً:
«أهل البيت» في الآية فيهم: الحسن والحسين، وإنّ الدليل نفسه الذي أقامه الحافظ السهيلي وغيره على تفضيل الزهراء عليها السلام دليلٌ على أفضليّة الحسنين، بالإضافة إلى الأدلّة الأُخرى، ومنها: «آية التطهير» و«حديث الثقلين» الدالّيْن على «العصمة»، ولا ريب في أفضليّة المعصوم من غيره.
ورابعاً:
«أهل البيت» في الآية فيهم: أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، وهي ـ مع أدلّة غيرها لا تحصى ـ تدلّ على أفضليّته على جميع الخلائق بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم.
وخامساً:
كون المراد من الآية: (اْلأَتْقَى...) «أبو بكر» هو قول انفرد القوم به; فلا يجوز أن يعارض به القول المتّفق عليه.
وسادساً:
كون المراد بها «أبو بكر» أوّل الكلام، وإن شئت فراجع تفاسيرهم، كـالدرّ المنثور وغيره.
* قال: «وأيضاً: فإنّ السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار... فما دعا به النبيّ...».
وحاصله: أفضليّة «السابقين الأوّلين» من «أهل البيت» المذكورين.
ويرد عليه:
ما ورد على كلامه السابق; فإنّ هذا فرع أن يكون الواقع من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو صرف «الدعاء».. وقد عرفت أنّ الآية تدلّ على أنّ الإرادة الإلهيّة تعلّقت بإذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم تطهيراً، فهي دالّة على عصمة «أهل البيت» وقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأعلن للأُمّة الإسلامية أنّهم: هو وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين.
ثمّ إنّ الآية: (وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ...)(5) المراد بها أمير المؤمنين عليه السلام; ويشهد بذلك تفسير قوله تعالى: (وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)(6) بعليّ عليه السلام، كما في الأحاديث المعتبرة في كتب الفريقين، كما لا يخفى على أهل العلم(7).
وأمّا أبو بكر... فلم يكن من السابقين الأوّلين:
قال أبو جعفر الطبري: «وقال آخرون: أسلم قبل أبي بكر جماعة. ذكر من قال ذلك: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا كنانة بن جبلة، عن إبراهيم بن طهمان، عن الحجّاج بن الحجّاج، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن محمّد بن سعد، قال:
قلت لأبي: أكان أبو بكر أوّلكم إسلاماً؟
فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين، ولكنْ كان أفضلنا إسلاماً»(8).


(1) عبدالرحمن بن عبداللّه، العلاّمة الأندلسي، الحافظ العلم، صاحب التصانيف، برع في العربية واللغات والأخبار والأثر، وتصدّر للإفادة، من أشهر مؤلّفاته: الروض الأنف ـ شرح «السيرة النبوية» لابن هشام ـ توفّي سنة 581.
له ترجمة في: مرآة الجنان 3 / 320، النجوم الزاهرة 6 / 92، العبر 3 / 82، الكامل في التاريخ 9 / 172.
(2) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير 4 / 421.
وانظر: جواهر العقدين: 349 و350 الفصل الحادي عشر.
(3) سورة طه (20): 127.
(4) فتح الباري 9 / 287 ـ 288 باب: ذبّ الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف.
وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم 16 / 3 باب: من فضائل فاطمة رضي اللّه عنها، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي 10 / 251 باب: ما جاء في فضل فاطمة رضي اللّه عنها، فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير 4 / 421.
(5) سورة التوبة (9): 100.
(6) سورة الواقعة (56): 10 و 11.
(7) راجع: بحث الآية السابعة في أواخر الجزء العشرين من كتابنا الكبير: (نفحات الأزهار).
(8) تاريخ الطبري 2 / 316، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم.

Flag Counter counter widget
دهکده وب - قرية الويب - w3village.com