الإمام محمّد بن علي الباقر عليه السلام

الإمام محمّد بن علي الباقر عليه السلام

(وكان ابنه محمّد الباقر عليه السلام أعظم الناس زهداً وعبادةً، بقر السجود جبهته، وكان أعلم أهل وقته)
قال ابن تيميّة: «وكذلك أبو جعفر محمّد بن علي، من خيار أهل العلم والدّين. وقيل: انّما سمّي الباقر لأنّه بقر العلم، لا لأجل بقر السجود جبهته، وأمّا كونه أعلم أهل زمانه فذا يحتاج إلى دليل. والزّهري من أقرانه وهو عند الناس أعلم منه»(1).
أقول:
لم يعترض على العلاّمة وصفه الإمام الباقر (عليه السلام): بـ«أعظم الناس زهداً وعبادة» ولم يقره بصراحة حقداً وعناداً.
أمّا أنّه سمّي الباقر لأنّه بقر العلم، فهذا ما يقوله العلاّمة وسينقل الخبر فيه وإنّها تسمية من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّما قال: «أعظم الناس زهداً وعبادة بقر السجود جبهته» لبيان كثرة عبادته. لكن في (الطبقات): « . . .حدّثني هارون بن عبد اللّه بن الوليد المصيّصي قال: رأيت محمّد بن علي على جبهته وأنفه أثر السجود، ليس بالكثير»(2) والحافظ سبط ابن الجوزي الحنفي قال: «وإنّما سمّي الباقر من كثرة سجوده، بقر السجود جبهته، أي فتحها ووسّعها. وقيل لغزارة علمه. قال الجوهري في الصحاح: التبّقر التوسّع في العلم، قال: وكان يقال محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الباقر، لتبقّره في العلم»(3).
وأمّا قوله: «كونه أعلم أهل زمانه يحتاج إلى دليل، والزهري من أقرانه وهو عند الناس أعلم منه» فيقال:
أولاً: لو أمكنه الإنكار، لباح بذلك، فإمساكه عن الإنكار ـ مع ما هو عليه من العناد لآل البيت الأطهار ـ دليل.
وثانياً: إشتهاره بالباقر ـ لأنّه بقر العلم ووسّعه، وهذا الوجه في التسمية هو الذي ذكره ـ دليل آخر.
وثالثاً: لو كان في عصره أعلم منه لاشتهر وعرف، كيف وأئمة القوم ـ الذين مازالوا يقلّدونهم ـ هم تلامذته كما ستعرف.

موجز ترجمة الزهري:
رابعاً: إنّه قد ذكر الزّهري في مقابلة الباقر (عليه السلام)، لكنّه نسب القول بأعلميّته إلى الناس، وكأنّه غير جازم بهذه الدّعوى، ولكن من هؤلاء الناس الذين يقولون بأعلميّة الزهري من الباقر (عليه السلام)؟ لقد نسب هذا إلى «الناس» هنا وكان من قبل نسبه إلى «اتّفاق أهل العلم» حيث قال: « . . .فالزهري أعلم بأحاديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأحواله وأقواله ـ باتّفاق أهل العلم ـ من أبي جعفر محمّد بن عليّ، وكان معاصراً له»(4).
إنّه يريد الحطّ من شأن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)! لكنّه يعلم بأنّ آراءه لا قيمة لها، فينسب مزاعمه تارة إلى «أهل العلم» وإلى «الناس» أُخرى! وهل يقول أحد ـ إذا كان من أهل العلم والدّين حقّاً ـ بأعلميته والكلّ يشهدون بأنّه من الراوين والآخذين عن الباقر فيمن أخذ وروى؟
وما الذي يحمله على ذكر خصوص الزهري والتبجّح به في مقابلة أئمة أهل البيت في غير موضع من كتابه؟
الحقيقة أنّ الزّهري من أشهر المنحرفين عن أميرالمؤمنين وأهل البيت الطّاهرين، فالرجل إنّما يذكره لكونه على رأيه واعتقاده، على ما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي، فإنّه قال: «وكان الزهري من المنحرفين عنه عليه السلام. وروى جرير بن عبد الحميد عن محمد بن شيبة قال: شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران علياً عليه السلام فنالا منه، فبلغ ذلك علي بن الحسين عليه السلام فجاء حتى وقف عليهما، فقال: أمّا أنت يا عروة فانّ أبي حاكم أباك إلى اللّه فحكم لأبي على أبيك. وأما أنت يا زهري فلو كنت بمكة لأريتك كير أبيك» قال: «وروى عاصم بن أبي عامر البجلي عن يحيى بن عروة قال: كان أبي إذا ذكر علياً نال منه»(5).
ويؤكّد هذا سعيه وراء انكار مناقب الأمير (عليه السلام)، كمنقبة سبقه إلى الإسلام، قال ابن عبد البر بترجمة زيد بن حارثة: «وذكر معمر في جامعه عن الزهري قال: ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة. قال عبد الرزّاق: وما أعلم أحداً ذكره غير الزهري»(6).
وروايته عن عمر بن سعد اللعين قاتل الحسين بن علي أمير المؤمنين عليه السلام، قال الذهبي «عمر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، وعنه إبراهيم وأبو اسحاق، وأرسل عنه الزهري وقتادة. قال ابن معين: كيف يكون من قتل الحسين ثقة؟»(7).
وكونه من عمّال بني أُميّة ومشيّدي سلطانهم حتّى أنكر عليه ذلك العلماء والزّهاد; فقد ذكر العلاّمة الدهلوي بترجمته من (رجال المشكاة): «أنّه قد ابتلي بصحبة الأُمراء بقلّة الديانة، وكان أقرانه من العلماء والزهاد يأخذون عليه وينكرون ذلك منه، وكان يقول: أنا شريك في خيرهم دون شرّهم! فيقولون: ألا ترى ما هم فيه وتسكت؟!».
ومن هنا قدح فيه ابن معين; فقد «حكى الحاكم عن ابن معين أنّه قال: أجود الأسانيد: الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه. فقال له إنسان: الأعمش مثل الزهري. فقال: تريد من الأعمش أن يكون مثل الزهري! الزهري يرى العرض والإجازة، ويعمل لبني أُميّة، والأعمش فقير صبور مجانب للسلطان ورع عالم بالقرآن»(8).
وقال الذهبي: «أبو بكر ابن شاذان البغدادي، حدّثنا علي بن محمّد السّواق، حدّثنا جعفر بن مكرم الدقّاق، حدّثنا أبو داود، حدّثنا شعبة قال: خرجت أنا وهشيم إلى مكة، فلما قدمنا الكوفة رآني هشيم مع أبي إسحاق فقال: من هذا؟ قلت: شاعر السبيع، فلما خرجنا جعلت أقول: حدّثنا أبو إسحاق، قال: وأين رأيته؟ قلت: هو الذي قلت لك شاعر السبيع. فلما قدمنا مكة مررت به وهو قاعد مع الزهري فقلت: يا أبا معاوية من هذا؟ قال: شرطي لبني أُميّة، فلما قفلنا جعل يقول: حدّثنا الزهري فقلت: وأين رأيته؟ قال: الذي رأيته معي. قلت: أرني الكتاب، وأخرجه. فخرّقته»(9).
وقال الذهبي: «قال أحمد بن عبدويه المروزي: سمعت خارجة بن مصعب يقول: قدمت على الزهري وهو صاحب شرط بني أُميّة، فرأيته ركب وفي يديه حربة وبين يديه الناس في أيديهم الكافر كوبات، فقلت: قبّح اللّه ذا من عالم، فلم أسمع منه»(10).
هذا، ولقد ورث الزهري هذا العداء للاسلام والنبي وأهل بيت النبوّة من آبائه، فقد ذكر ابن خلِّكان بترجمته: «وكان أبو جدّه عبد اللّه بن شهاب شهد مع المشركين بدراً، وكان أحد النفر الذين تعاقدوا يوم أحد لئن رأوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليقتلنّه أو ليقتلنّ دونه. وروي: أنّه قيل للزهري: هل شهد جدّك بدراً؟ فقال: نعم ولكن من ذلك الجانب. يعني أنّه كان في صفّ المشركين. وكان أبوه مسلم مع مصعب بن الزبير. ولم يزل الزهري مع عبد الملك ثم مع هشام بن عبد الملك، وكان يزيد بن عبد الملك قد استقضاه»(11).
(سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم «الباقر» جاء جابر…)
هذا الخبر ممّا اتّفق الطرفان على روايته. وقال ابن شهراشوب: «حديث جابر مشهور معروف رواه فقهاء المدينة والعراق كلّهم»(12)وفي (كشف الغمة) نقله عن ابن الزبير محمّد بن مسلم المكي أنّه قال: «كنّا عند جابر بن عبد اللّه، فأتاه علي بن الحسين ومعه ابنه محمّد وهو صبيّ . . .»(13) وروى ابن قتيبة: «أنّ هشاماً قال لزيد بن علي: ما فعل أخوك البقرة؟ فقال زيد: سمّاه رسول اللّه باقر العلم وأنت تسمّيه بقر! فاختلفتما اذن»(14).
وقال الزبيدي الحنفي في «الباقر»: «قلت: وقد ورد في بعض الآثار عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري: أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال له: يوشك أن تبقى حتّى تلقى ولداً لي من الحسين يقال له محمّد يبقر العلم بقراً، فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام، خرّجه أئمة النسب»(15).
وهذا القدر كاف لتبيين كذب المفتري القائل: «ونقل تسميته بالباقر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا أصل له عند أهل العلم، بل هو من الأحاديث الموضوعة. وكذلك حديث تبليغ جابر له السلام هو من الموضوعات عند أهل العلم بالحديث».
هذا، ولا بدّ من التنبيه على أنّ جملة «وهو صغير في الكتاب» زيادةٌ من الرّواة.
(وروى عنه أبو حنيفة وغيره)
أقول:
ذكر رواية أبي حنيفة وغيره عن الباقر (عليه السلام)الحافظ ابن حجر العسقلاني بترجمته(16)، وبترجمة الباقر (عليه السلام): «روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، والأعرج، والزهري، وعمرو بن دينار، والأوزاعي، وابن جريج، والأعمش وغيرهم»(17).
وقال أبو نعيم: «روى عنه من التابعين: عمرو بن دينار، وعطاء بن أبي رباح، وجابر الجعفي، وأبان بن تغلب. وروى عنه من الأئمة والأعلام، ليث بن أبي سليم، وابن جريج، وحجاج بن أرطاة، في آخرين»(18).
وقال الذهبي: «الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني، أحد الأعلام، … حدّث عنه: ابنه جعفر بن محمّد، وعمرو بن دينار، والأعمش، والأوزاعي، وابن جريج، وقرّة بن خالد، وخلق»(19).

(1) منهاج السنّة 2 / 123.
(2) طبقات ابن سعد 5 / 323.
(3) تذكرة خواص الأُمة: 366.
(4) منهاج السنّة 1 / 230.
(5) شرح نهج البلاغة 4 / 102.
(6) الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 546.
(7) الكاشف عن أسماء رجال الكتب الستة 2 / 84.
(8) تهذيب التهذيب 4 / 197 ترجمة الأعمش.
(9) سير أعلام النبلاء 7 / 226.
(10) ميزان الإعتدال 1 / 625.
(11) وفيات الأعيان 4 / 177 ترجمة الزهري.
(12) مناقب آل أبي طالب 4 / 196.
(13) كشف الغمة في معرفة الأئمة 2 / 331.
(14) عيون الأخبار 1 / 212.
(15) تاج العروس 3 / 55.
(16) تهذيب التهذيب 10 / 401.
(17) تهذيب التهذيب 9 / 312.
(18) حلية الأولياء 3 / 188.
(19) تذكرة الحفاظ 1 / 124.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *