مع ابن تيميّة الحرّاني

مع ابن تيميّة الحرّاني:
لقد استدلّ العلاّمة الحلّي بالآية المباركة والحديث الوارد في ذيلها عند القوم، فقال:
«البرهان الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ). اتّفقوا على نزولها في عليّ.
وروى أبو نعيم الحافظ ـ من الجمهور ـ بإسناده عن عطية، قال: نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله[ وسلّم في عليّ بن أبي طالب.
ومن تفسير الثعلبي، قال: معناه: (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ)في فضل عليّ، فلمّا نزلت هذه الآية أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله [وسلّم بيد عليّ، فقال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه…».
فقال ابن تيميّة في الجواب:
«إنّ هذا أعظم كذباً وفريةً من الأوّل.
وقوله: اتّفقوا على نزولها في عليّ، أعظم كذباً ممّا قاله في تلك الآية، فلم يقل لا هذا ولا ذاك أحد من العلماء الّذين يدرون ما يقولون.
وأمّا ما يرويه أبو نعيم في الحلية أو في فضائل الخلفاء والنقّاش والثعلبي والواحدي ونحوهم في التفسير، فقد اتّفق أهل المعرفة على أنّ في ما يروونه كثيراً من الكذب الموضوع.
واتّفقوا على أنّ هذا الحديث المذكور الذي رواه الثعلبي في تفسيره هو من الموضوع… .
ولكنّ المقصود هنا أنّا نذكر قاعدة فنقول: المنقولات فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز بين هذا وهذا إلى أهل علم الحديث… فلكلّ علم رجال يعرفون به، والعلماء بالحديث أجلّ هؤلاء قدراً، وأعظمهم صدقاً، وأعلاهم منزلة، وأكثر ديناً، وهم من أعظم الناس صدقاً وأمانةً وعلماً وخبرةً في ما يذكرونه من الجرح والتعديل…
فالأصل في النقل أن يُرجع فيه إلى أئمّة النقل وعلمائه… ومجرّد عزوه إلى رواية الثعلبي ونحوه ليس دليلا على صحّته باتّفاق أهل العلم بالنقل; لهذا لم يروه أحد من علماء الحديث في شيء من كتبهم…».
قال: «أنتم ادّعيتم أنّكم أثبتّم إمامته بالقرآن، والقرآن ليس في ظاهره ما يدلّ على ذلك أصلا، فإنّه قال: (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ)وهذا اللفظ عامّ في جميع ما أُنزل إليه من ربّه، لا يدلّ على شيء معيّن… فإن ثبت ذلك بالنقل كان ذلك إثباتاً بالخبر لا بالقرآن.
لكنّ أهل العلم يعلمون بالاضطرار أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه ]وآله [وسلّم لم يبلّغ شيئاً في إمامة عليّ…»(1).
أقول:
أمّا قوله: إنّ في روايات أبي نعيم والثعلبي والواحدي، موضوعات كثيرة; فهذا حقّ ونحن نوافقه عليه، إذ ليس هناك ـ بعد كتاب اللّه عزّوجلّ ـ كتاب خال عن الموضوعات، حتّى الكتب المسمّاة بالصحاح… ففي صحيح البخاري ـ الذي يقدّمه أكثر القوم على غيره من الكتب مطلقاً ـ أكاذيب وأباطيل، ذكرنا بعضها في بعض كتبنا استناداً إلى أقوال كبار الحفّاظ من شرّاحه كابن حجر العسقلاني وغيره.
فالمنقولات، فيها كثير من الصدقّ وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز إلى أهل علم الحديث وعلماء الجرح والتعديل… كما قال.
ولذا فإنّا أثبتنا على ضوء كلمات علماء الحديث والرجال صحّة أسانيد حديث نزول الآية في الغدير، وكذلك في غير هذا الحديث ممّا وقع الاستدلال به من قبل صاحب المراجعات وغيره من علمائنا بتوثيق رجالها واحداً واحداً… وإذا ثبت صحّة الحديث وجب على الكلّ القبول به، ومن كذّبه حينئذ فقد كذّب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في ما قال وفعل، وهذا كفر باللّه، نعوذ باللّه منه.
وعلى الجملة، فليس الاستدلال بمجرّد عزو الحديث إلى رواية الثعلبي أو غيره، بل الاستدلال به يكون بعد تصحيحه على القواعد المقرّرة في علم الحديث والرجال.
وأمّا قوله: إنّ هذا الاستدلال ليس بالقرآن بل هو بالحديث; فهذا تعصّبٌ واضح; لأنّ ابن تيّميّة نفسه يستدلّ بقوله تعالى: (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا)(2) لإثبات فضيلة لأبي بكر، فيقول: «إنّ الفضيلة في الغار ظاهرة بنصّ القرآن، لقوله تعالى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا)… وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أنس عن أبي بكر…»(3).
فجعل الحديث مفسّراً للآية، وجعل فيها فضيلة لصاحبه…
وكذلك: يدّعي نزول قوله تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الاَْتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى)(4) في أبي بكر مستدلا ببعض رواياتهم فيقول:
«وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنّها نزلت في قصّة أبي بكر. وكذلك ذكره ابن أبي حاتم والثعلبي أنّها نزلت في أبي بكر عن عبداللّه بن المسيّب. وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره: حدّثنا أبي، حدّثنا محمّد بن أبي عمر العدني، حدّثنا سفيان، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أعتق أبو بكر سبعة كلّهم يعذّب في اللّه… قال: وفيه نزلت (وَسَيُجَنَّبُهَا الاَْتْقَى) إلى آخر السورة»(5).
وهكذا في مواضع أُخرى… .
أمّا حين يستدلّ الإمامية بآية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ…) على إمامة أميرالمؤمنين، بمعونة أحاديث صحيحة رواها ابن أبي حاتم والثعلبي وأمثالهما من المفسّرين والمحدّثين من أهل السُنّة في تفسيرها وبيان سبب نزولها، يقول: «فمن ادّعى أنّ القرآن يدلّ على أنّ إمامة عليّ ممّا أُمر بتبليغه فقد افترى على القرآن»(6).
مع أنّ استدلال الإمامية بأحاديث القوم مطابق للقاعدة المقرّرة في البحث والمناظرة; لأنّهم ملزَمون بما يروونه، بخلاف استدلالاتهم في مقابلة الإمامية; لأنّ أحاديثهم ليست بحجّة عند الاماميّة حتّى لو كانت مخرّجة في ما يسمّونه بالصحيح.
فانظر من المفتري؟!

(1) منهاج السُنّة 7 / 33.
(2) سورة التوبة 9:40.
(3) منهاج السُنّة 8 / 373، الطبعة الحديثة.
(4) سورة الليل 92:17.
(5) منهاج السُنّة 8 / 495، الطبعة الحديثة.
(6) منهاج السُنّة 7 / 47.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *